ماذا ستفعل طهران أمام اغتيال أبي القنبلة النووية الإيرانية

النظام الإيراني يجد نفسه محاصرا بضغوط الانتقام والتهدئة في انتظار بايدن.
الأحد 2020/11/29
أسهل طرق الانتقام

تشبه الضربة التي تلقتها إيران بعملية اغتيال العقل المدبر للبرنامج النووي العسكري، تلك الانتكاسة التي منيت بها عقب اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني قبل نحو عام. وفتحت عملية اغتيال محسن فخري زادة في قلب طهران الباب أمام تساؤلات عن “الوقت والمكان المناسبين” للرد الإيراني على العملية، وهل تملك طهران القدرة على تنفيذ تهديداتها بالثأر؟

لندن - "تذكّروا هذا الاسم جيدا.. فخري زادة".. كانت إشارة واضحة من رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو عام 2018، وهو يعرض صورا لمواقع نووية سرية إيرانية، ويشير حينها إلى العقل المدبر للبرنامج النووي العسكري الإيراني. زادة ليس فقط عالما نوويا بسيطا في منظومة الحكم الإيرانية، بل أطلق عليه “أبوالقنبلة النووية” الإيرانية.

شكلت حادثة اغتيال محسن فخري زادة في طهران على يد “مجهولين” انتكاسة أخرى لإيران الباحثة عن التخلص من تداعيات قاسية لولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي ضرب المنظومة الأمنية القوية للإيرانيين في الشرق الأوسط بعد اغتيال قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني أوائل هذا العام.

لم تفلح إيران في تهديداتها السابقة في الردّ على اغتيال أداتها الدموية سليماني في عملية معقدة جرت في العراق، كما ينظر على أنها واقعة في نفس المأزق داخليا وخارجيا مع اغتيال زادة في قلب طهران، خاصة في ضوء التغييرات القادمة في السياسة الأميركية بعد صعود الرئيس الديمقراطي المنتخب جو بايدن، التي تسعى في عهده إلى عودة العمل بالاتفاق النووي، ورفع العقوبات الأميركية المفروضة على البلاد.

وصعّد الإيرانيون من توجيه أصابع الاتهام إلى إسرائيل بالوقوف وراء عملية اغتيال زادة، وهددوا بالانتقام في الوقت المناسب لهذه العملية، على الرغم من “الصمت” في تل أبيب على تبني عملية الاغتيال.

وقال حسين دهقان، المستشار العسكري للمرشد الإيراني علي خامنئي، “سنضرب مثل البرق قتلة هذا الشهيد، وسنجعلهم يندمون على فعلتهم”، مشيرا إلى أن “في الأيام الأخيرة من الحياة السياسية لحليفهم (ترامب)، يسعى الصهاينة إلى تكثيف الضغط على إيران، وإشعال فتيل حرب شاملة”.

ويرى المحلل السياسي الأميركي بوبي جوش، في تقرير نشرته وكالة بلومبرغ للأنباء، أن توقيت اغتيال العالم النووي محسن فخري زادة محرج بوجه خاص للقيادة الإيرانية، السياسية والعسكرية على حد السواء.

وقال جوش، إن نهاية فترة الحداد، وهي عادة 40 يوما، ستتزامن مع الذكرى الأولى لاغتيال قاسم سليماني، معتبرا أن هذا الأمر بالنسبة إلى المتشددين في النظام سيكون بمثابة تذكير محرج بأنهم فشلوا في تنفيذ الانتقام الذي وعدوا بتنفيذه منذ عام.

وأكد أن ما يزيد الوضع سوءا بالنسبة إلى النظام هو أهمية فخري زادة بالنسبة إلى البرنامج النووي، حيث يتم تشبيهها بالفعل بنفوذ قاسم سليماني للشبكة الدولية الإيرانية للميليشيات التي تعمل لحساب إيران.

ورأى جوش أن عدم قدرة النظام الإيراني على حماية كبار العلماء النوويين، في أرض الوطن، أمر ينطوي على إذلال بشكل خاص.

أين الرد؟

عملية اغتيال محسن فخري زادة تنذر بأن منطقة الشرق الأوسط تتجه نحو مواجهة جديدة خلال المدة المتبقية من ولاية ترامب
عملية اغتيال محسن فخري زادة تنذر بأن منطقة الشرق الأوسط تتجه نحو مواجهة جديدة خلال المدة المتبقية من ولاية ترامب

في عملية اغتيال سليماني، كان من السهل على إيران إرسال صواريخ إلى قواعد عسكرية أميركية في العراق، لكن الأمر جلب متاعب إضافية للنظام بعد الفشل الكبير في الرد، ونتائج ذلك القاسية بعد إسقاط صاروخ “فاشل” لطائرة ركاب أوكرانية.

والأمر يفتح الباب مجددا في إيران والخارج بالتساؤل عن المكان الذي سيردّ فيه الإيرانيون على عملية اغتيال زادة، بعد إطلاق سلسلة من التهديدات من أعلى القيادة الإيرانية بالرد “في الوقت والمكان المناسبين”.

اكتفت الولايات المتحدة وإسرائيل بالصمت على عملية الاغتيال. فإيران تدرك في الوقت الراهن أن أيّ خطوة انتقامية “خاطئة” لعملية اغتيال العالم النووي الإيراني ستكون باهظة الثمن في الداخل والخارج على حد السواء.

كان الإيرانيون قبل عملية الاغتيال يستعدّون على ما يبدو لمرحلة مشابهة للتي جرت في عهد الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، خاصة بعد وصول بايدن، لكن تلك العملية أفصحت عن تغيرات في المشهد لصالح نظرية الردع التي تتّبعها الولايات المتحدة وإسرائيل في آن واحد ضد التهديدات الإيرانية، سواء داخل إيران أو خارجها إضافة إلى تسجيل كثافة في الغارات الجوية على أماكن النفوذ الإيراني في سوريا.

ويدرك الإيرانيون تماما أنهم لو استطاعوا ضبط النفس خلال الأسابيع الأخيرة من ولاية ترامب، قد يحصلون على رد فعل أفضل من بايدن، وأيّ انتقام عنيف لمقتل فخري زادة سيجعل من الصعب على الرئيس الأميركي الجديد تقديم التنازلات التي تأمل طهران في الحصول عليها من أيّ اتفاق جديد.

ويقول المحلل السياسي الأميركي بوبي جوش إن حملة الانتخابات، التي يتوقع أن يهيمن عليها المتشددون في إيران، تجعل أمر نسيان مسألة الانتقام لمقتل زادة أمرا مستحيلا.

ويضيف أنه من المؤكد أن الاغتيال يحمل بعض السمات المميزة لحملة اغتيالات تعرّض لها علماء نوويون إيرانيون نسبت لإسرائيل، فقد قتل أربعة منهم ما بين عامي 2010 و2012.

ويتمثل الخوف الرئيسي في أن الاغتيال أطلق سلسلة من ردود الفعل داخل النظام الإيراني، من المرشد الأعلى إلى الرئيس حسن روحاني مرورا بضباط كبار في الجيش والحرس الثوري، وأن الضغط الداخلي سيزداد للانتقام سواء ضد إسرائيل أو الولايات المتحدة.

وجاءت عملية الاغتيال بعد أيام قليلة من مبادلة باحثة أسترالية مقابل ثلاثة إيرانيين كانوا محتجزين في تايلاند بعد قيامهم بمحاولة انتقام ردا على الاغتيالات التي جرت في الفترة ما بين 2010 و2012. وقد تم إرسالهم لقتل دبلوماسيين إسرائيليين، وعن طريق الخطأ فجّروا العبوات الناسفة داخل الفيلا التي كانوا يقيمون فيها.

العين على إسرائيل

إسرائيل غير غافلة عن تطورات الملف النووي الإيراني
إسرائيل غير غافلة عن تطورات الملف النووي الإيراني

تنذر عملية الاغتيال لأهمّ عالم نووي في إيران، والذي ينظر إليه أنه العقل المدبر لبرنامج نووي عسكري سرّي، بأن منطقة الشرق الأوسط تتجه نحو مواجهة جديدة خلال الأسابيع الأخيرة المتبقية للرئيس ترامب في البيت الأبيض.

وفي خضم الخلافات والتجاذبات الداخلية في الولايات المتحدة، قال مسؤول أميركي هذا الشهر إن ترامب سعى للحصول على خطة من مساعدين عسكريين لتوجيه ضربة محتملة لإيران، لكنه عدل عن هذا القرار آنذاك بسبب خطر نشوب صراع أوسع في الشرق الأوسط.

وقال روبرت مالي، الذي عمل مستشارا لأوباما في الملف الإيراني، إن قتل فخري زادة يأتي في إطار سلسلة من التحركات التي تمت خلال الأسابيع النهائية في ولاية ترامب وتهدف إلى زيادة صعوبة مهمة بايدن المتعلقة بإعادة التواصل مع إيران.

وتابع مالي، وهو أيضا يقدّم المشورة لفريق بايدن، أن “أحد الأهداف هو ببساطة إلحاق أكبر ضرر ممكن بإيران اقتصاديا، وببرنامجها النووي، والهدف الآخر هو تعقيد مهمة بايدن المتعلقة باستئناف المساعي الدبلوماسية والعودة إلى الاتفاق النووي”.

وتعتمد درجة التصعيد المتوقعة لإيران بعد عملية الاغتيال على مدى فهم الإيرانيين للرسالة، وكيفية استخدامها في الحصول على “مكاسب” في ولاية بايدن المقبلة. لكن أيّ تهوّر إيراني في الرد والانتقام، قد يجلب متاعب إضافية للنظام الإيراني والمنطقة على حد السواء.

غضب إيراني لا يفرق
غضب إيراني لا يفرق

وقال تساحي هنجي، عضو في الحكومة الأمنية الإسرائيلية المصغرة، إن “القصة ليست ترامب ولا حتى إسرائيل. القصة هي إيران.. الخوف المتزايد من عودة إدارة أميركية جديدة إلى الاتفاق النووي الذي يهدد وجود دول الخليج”، مضيفا “سنعرف كيف نتعامل مع موضوع التهديد الإيراني حتى لو استعملنا وسائلنا الخاصة”.

وعلى الرغم من أن تفاصيل الاغتيال غير واضحة حتى اللحظة، فقد تحدث الإعلام الإيراني أن سيارة العالم النووي تعرضت لهجوم على يد عناصر إرهابية مسلحة، وألمحت بعض التقارير إلى أن السيارة تعرضت في بادئ الأمر للاصطدام بمركبة محملة بعبوات ناسفة بدائية الصنع، وبعد ذلك قام مسلحون بإطلاق النار عليه.

وقال السيناتور الأميركي كريس ميرفي، أكبر عضو ديمقراطي في اللجنة الفرعية بالشرق الأوسط في مجلس الشيوخ الأميركي، إن “هذا الاغتيال لا يجعل أميركا أو إسرائيل أو العالم أكثر أمانا”.

ولم تعترف إسرائيل على الإطلاق بالمسؤولية عن اغتيال زادة أو الاغتيالات السابقة، لكنها تبدي معارضة واضحة لأيّ تقارب أميركي مع النظام الإيراني.

وتتخوّف من البرنامج النووي، وتقول إن طهران تواصل سرّا برنامجا لإنتاج الأسلحة النووية، وكان فخري زادة قد قاد ذلك البرنامج حتى عام 2003 على الأقل، عندما توصل تقرير للمخابرات الأميركية إلى أن البرنامج توقّف. ولكن بعد فترة صمت لسنوات قليلة، بدأ العمل في منشأة أبحاث في طهران، مع الكثير من العلماء الذين كانوا جزءا من برنامج الأسلحة.

ولطالما وصفت أجهزة المخابرات في إسرائيل ودول غربية فخري زادة بأنه قائد برنامج سري للقنبلة الذرية، واتهم ترامب إيران مرارا بالسعي سرا لامتلاك أسلحة نووية، وسحب الولايات المتحدة من اتفاق رُفعت بموجبه عقوبات عن إيران مقابل قيود على برنامجها النووي.

وقال مايكل مولروي، وهو مسؤول كبير سابق في وزارة الدفاع الأميركية في إدارة ترامب، إنّ فخري زادة كان أكبر عالم نووي إيراني وإنّ قتله سيعد انتكاسة تعرقل برنامجها النووي. وأضاف أن مستويات التأهب في الدول التي يمكن أن تنفذ فيها إيران ردا انتقاميا يجب أن ترفع على الفور.

اغتيالات استهدفت علماء إيران النوويين

عملية اغتيال فخري زادة ليست الأولى
عملية اغتيال فخري زادة ليست الأولى
  • مسعود علي محمدي: أستاذ الفيزياء في جامعة طهران، قتل عام 2010 في انفجار قنبلة موضوعة على دراجة نارية أمام منزله، اتهمت طهران إسرائيل بالوقوف وراء الاغتيال.
  • مجيد شهرياري: أستاذ محاضر في جامعة “شهيد بهشتي”، وعمل في مجال الفيزياء في مؤسسة الطاقة الذرية الإيرانية قبل اغتياله في الـ29 من نوفمبر 2010 في انفجار سيارة ملغومة في طهران، وفي نفس اليوم سجلت محاولة فاشلة لاغتيال أستاذ العلوم الفيزياء النووية فريدون عباسي ونجا منها بإصابات خطيرة.
  • داريوش رضائي نجاد: اغتيل في الـ23 من يوليو 2010 بإطلاق نار من مهاجمين على دراجات نارية، وهو حاصل على درجة الدكتوراه في الفيزياء، كما أصيبت زوجته وطفله.
  • مصطفى أحمدي روشن: اغتيل في الـ11 من يناير 2012 في انفجار قنبلة لاصقة في سيارته، وهو مهندس فيزيائي نووي، عمل في مركز تخصيب اليورانيوم في نطنز. وجهت إيران أصابع الاتهام إلى إسرائيل والولايات المتحدة بالوقوف وراء الاغتيالات التي استهدفت الفيزيائيين النوويين الإيرانيين.
7