ماذا سيفعل الحوثيون بانتصارهم؟

الأحد 2014/07/13

تعتبر سيطرة الحوثيين على مدينة عمران التي لا تبعد أكثر من خمسين كيلومترا عن صنعاء تطوّرا في غاية الأهمية على الصعيد اليمني، بل منعطفا تاريخيا في هذا البلد المهمّ بسبب موقعه الاستراتيجي أوّلا وحضارته القديمة ثانيا وأخيرا.

قبل كلّ شيء، أثبت الحوثيون، وهم في نهاية المطاف لواء في “الحرس الثوري” الإيراني، عناصره يمنية، أنّهم باتوا قوّة عسكرية قادرة على هزيمة الجيش اليمني.

جاء انتصار الحوثيين في عمران على اللواء 310، بكلّ ما يرمز إليه، والذي يعدّ من بين أفضل ألوية الجيش اليمني تجهيزا ومن أكثرهم عديدا. واللواء بقيادة قائد عقائدي (من الإخوان) معروف جدّا هو العميد حميد القشيبي.

والقشيبي، الذي يُعتقد أنّه قضى في المواجهات، من المحسوبين على اللواء علي محسن صالح الأحمر قائد الفرقة الأولى المدرعة سابقا والمستشار العسكري للرئيس عبدربه منصور هادي. وقد سعى عبدربّه منصور، حتّى ما قبل سقوط عمران، إلى اللعب قدر الإمكان على حبال التوازنات بغية تأكيد قدرته على ممارسة دور محوري على الصعيد الوطني.

ولذلك، استخدم عبدربّه منصور سلاح الجوّ، الذي في إمرته، بين حين وآخر لدعم القوة العسكرية التي كانت تدافع عن عمران والمرتفعات المحيطة بها والتي لديها قيمة استراتيجية كبيرة.

تتجاوز هذه القيمة صنعاء نفسها ومطارها لتشمل كلّ الشمال اليمني، خصوصا محافظة صعدة نفسها، معقل الحوثيين، والتي باتت تتمتع بنوع من الحماية العسكرية القويّة لكلّ الطرق المؤدية إليها من العاصمة. بكلام أوضح، صارت صعدة، هي التي تؤثر على صنعاء وليس العكس.

في السنوات القليلة الماضية وقبل الانقلاب الذي قام به الإخوان المسلمون، بدعم من بعض القوى العسكرية، على علي عبدالله صالح، كانت الحرب في صعده نفسها. كانت مواقع عسكرية معيّنة في صعدة موضوع المفاوضات بين الحوثيين والسلطة المركزية في صنعاء. كان الخلاف على تلّة هنا وأخرى هناك ومن سيكون في هذا الموقع أو ذاك.

الآن صارت الحرب على أبواب صنعاء وليس مستبعدا أن تصير في داخلها يوما. يمكن أن يحصل ذلك في حال طرأ تغيير على الاستراتيجية الحوثية التي تقوم على التحكّم بإقليم يضمّ محافظات صعدة والجوف وحجّة. مثل هذا الإقليم في حاجة، كي يصبح مستقلّا فعلا، إلى ميناء ميدي على البحر الأحمر. وهذا الميناء يقع في حجّة وليس في أي مكان آخر واستيلاء الحوثيين على حجّة ليس نزهة بسبب التركيبة السكّانية ذات الطابع القبلي للمحافظة.

ولذلك، كانت الفكرة في الأصل استخدام عمران لمقايضتها بميدي. هل تزداد شهية الحوثيين الآن بعد حصولهم على كمية كبيرة من الأسلحة كانت في حوزة اللواء 310 الذي كان يمتلك نحو ثمانين آلية وفي معسكري الأمن المركزي والشرطة العسكرية؟

في حسابات الربح والخسارة، كان الإخوان المسلمون، تحت غطاء التجمع اليمني للإصلاح، في طليعة الخاسرين وذلك في ضوء مشاركتهم الفعالة في معارك عمران إلى جانب اللواء 310. كان علي محسن صالح الأحمر، غير البعيد عن الإخوان، من كبار الخاسرين أيضا، إذ لم يستطع إرسال مساعدات إلى لواء كان يعتبر بإمرته. كذلك خسر أبناء الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر (رحمه الله)، زعيم قبيلة حاشد، الكثير نظرا إلى أن عمران كانت معقلهم الرئيسي الأخير.

باختصار شديد، خسر الذين طوقوا علي عبدالله صالح ورفعوا شعارات “الربيع العربي” كلّ ما جنوه بعدما نقلوا المواجهة إلى داخل أسوار صنعاء التي أصبحوا أسرى لها. أصبحوا صراحة أسرى هذه الأسوار بعدما كان اليمن كلّه لهم يسرحون ويمرحون فيه.

بعد معركة عمران، لم يعد من شكّ بأنّه بات على القوى الإقليمية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية التي لديها حدود طويلة مع اليمن، أن تأخذ في الاعتبار أنّ إيران صارت موجودة في هذا البلد أكثر من أي وقت. يتكرّس الوجود الإيراني، عبر الحوثيين، في ظلّ نظام ضعيف وحكومة عاجزة حتّى عن معالجة أي جانب من الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي يمرّ بها اليمن.

ماذا سيفعل الحوثيون بانتصارهم، هل يغامرون بالدخول في متاهات صنعاء، علما أنّهم موجودون فيها بقوّة منذ فترة طويلة، بعد تعزيز المواقع التي استولوا عليها؟

ذلك سؤال كبير يطرح نفسه. أمّا الإخوان المسلمون، فمن الواضح أنّهم سيسعون إلى تعويض ما خسروه في الشمال بزيادة وجودهم وتعزيزه بقوة في الوسط الشافعي، في حين سيظّل علي عبدالله صالح في موقع المتفرّج، أقلّه في المدى المنظور. فقد تبيّن لخصومه، قبل مؤيديه، أن المحاولات التي استهدفت التخلص منه ثمّ تقليم أظافره ارتدّت على أصحابها الذين أرادوا الهرب من الواقع عن طريق إيجاد عدو وهمي… إرضاء لطموحاتهم المرتبطة بالاستحواذ على السلطة.

مشكلة اليمن في أن مشاكله لا تنتهي كما أنّ لا حدود لها. إنها ممتدة من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب حيث الشعور بضرورة العودة إلى الانفصال يتعمّق يوميا.

لا وجود حتّى لحكومة قادرة على صرف المساعدات في حال توافرها ولا وجود لقوات تستطيع بالفعل التصدّي لإرهاب “القاعدة” وغير “القاعدة”، حتى لو وجد من يدرب هذه القوات ويوفّر لها المعدات الحديثة اللازمة لذلك.

في اليمن، لم تعد الأزمة أزمة الوحدة ولا أزمة النظام الذي سقط يوم قبل علي عبدالله صالح المبادرة الخليجية وغادر دار الرئاسة، بعد سقوط صيغة “الشيخ والرئيس″، أي الحلف الذي كان قائما بينه وبين عبدالله بن حسين الأحمر وعلي محسن صالح الأحمر.

في الماضي القريب، كان هناك بحث عن صيغة جديدة للدولة. عثر مؤتمر الحوار الوطني على صيغة “الدولة الاتحادية” ذات الأقاليم الستّة. لم يعد لهذه الصيغة وجود يذكر. بكلام أوضح، لم تعد هذه الصيغة قابلة للتطبيق في حال بقي الحوثيون في عمران أو سمح لهم بوضع اليد على ميناء ميدي أو ظلّوا على أبواب صنعاء، هذا إذا لم يدخلوها. لم يعد لهذه الصيغة من وجود في حال بقي الوضع في الجنوب على حاله متأرجحا بين من ينادي بالكونفدرالية ومن يطالب بالانفصال… ومن يسعى إلى إقامة دولة مستقلّة في حضرموت في ظلّ انتشار “القاعدة” وحال الفلتان على طول الحدود.

هناك لاعبون جدد كثر، على رأسهم إيران، دخلوا “الساحة” اليمنية في ظلّ غياب للسلطة المركزية القادرة في أسوأ الأحوال على الاستجابة للحدّ الأدنى من مطالب المواطنين.

هناك بكلّ بساطة دولة انهارت وقد وجد من يستغلّ هذا الانهيار إلى أبعد حدود على الصعيد الداخلي من جهة وبما يمكن أن يهدّد الأمن الخليجي في المدى الطويل من جهة أخرى.

3