ماذا عن "الطفل المتحرش".. اسألوا الأسرة أولا

تعتبر ظاهرة التحرش من الظواهر المؤرقة للمجتمعات العربية، والتي تنتج من عوامل كثيرة قد تكون أخلاقية أو دينية أو سلوكية أومجتمعية، أفرزت أشخاصا تحركهم شهواتهم لانتهاك أعراض وخصوصيات الغير وخاصة الفتيات والنساء، إلا أن الفاجع في الأمر أن الظاهرة لم تتوقف عند الشباب من أصحاب الشهوات والرغبات المكبوتة، بل امتدت لتشمل الأطفال صغار السن، حيث برزت مؤخرا ظاهرة “الطفل المتحرش”.
الجمعة 2016/01/29
الإبن المتحرش يحتاج إلى رعاية صحية خاصة

القاهرة - انتشرت في الآونة الأخيرة ظاهرة تجمع عدد من الصبية دون سن البلوغ في الشوارع أو الميادين العامة في مصر، للرقص والغناء، ومغازلة البنات، ويتطور الأمر ليصل إلى التحرش اللفظي وقد يصل أحيانا إلى الجسدي أيضا، حيث أصبحت حالة أخلاقية ومجتمعية، بعيدا عن الشهوات المكبوتة والرغبة الجنسية.

وفي دراسة أجرتها مؤسسة “نظرة” للدراسات النسوية والمجتمعية، وُجد أن أكثر من 20 بالمئة من المتحرشين، تتراوح أعمارهم ما بين التاسعة والثانية عشرة، أي صبية أقل من سن البلوغ، وأشار الباحثون إلى أن هؤلاء الأطفال يقومون بهذا الفعل تأثرا بالسينما، والأغاني المصورة، واللاأخلاقيات الموجودة بالمجتمع، بعيدا عن الشهوات والرغبة الجنسية.

وعرفت المؤسسة “التحرش الجنسي” بأنه نوع من الكلمات أو الأفعال غير المرحب بها، والتي تحمل طابعا جنسيا ينتهك جسد الشخص أو خصوصيته أو مشاعره، ويجعله يشعر بالإهانة وعدم الاحترام، أو الترويع والتهديد، وعدم الأمان، أما “الاعتداء الجنسي” بحسب مؤسسة “نظرة”، فهو كل فعل بهدف الإثارة الجنسية أو الحط من جنس المجني عليه، سواء كان ذكرا أو أنثى، يطال جسده بغير رضاه، ولا يصل إلى حد الاغتصاب.

وتتعدد أسباب انتشار “الطفل المتحرش”، حيث يقول الدكتور إبراهيم عز الدين، أستاذ علم النفس الاجتماعي بجامعة 6 أكتوبر: هناك عوامل مجتمعية وأخلاقية وسلوكية كثيرة ساهمت في ظهور الطفل المتحرش، وفي مقدمتها الأفلام السينمائية والأغاني التي تعرض الرجولة والحب والقوة بمثل هذه الطرق، ما يدفع بالأطفال إلى التقليد الأعمى دون استيعاب، إضافة إلى التنشئة الخاطئة، وأصدقاء السوء في المحيط الاجتماعي، وانتشار العشوائيات بالشكل الذي منع أطفال هذه المناطق من الحصول على حقوق الرعاية والتنشئة السليمة.

وبالتالي يخرج من هذه المناطق جيل غير سوي من أبرز سلوكياته التحرش بالإناث، هذا بجانب الفقر، والذي يدفع بالأسرة إلى إلقاء أبنائها في الشارع من أجل الحصول على موارد مالية بأي وسيلة، فضلا عن دور الجهل، مما يجعل الطفل في احتكاك مع ثقافات كثيرة منها ما يدفعه إلى التحرش، وأحيانا إلى الإيمان بأفكار خاطئة كلها قد تكون أسبابا في وجود مثل هذه النوعية من السلوك المنحرف.
انتشار المشاهد والعبارات الجنسية في الإعلام جعل النشء الصغير يعتادها دون أن يرى فيها خطأ

ويشير عز الدين إلى أن الأفلام التي تبث رسائل خاطئة للمجتمع كعرض مشهد لرقص طفلة، أو لطفل يقوم بالتدخين، أو للبطل الذي يقوم بحركات فيها نوع من التحرش بالنساء، وتجسيد ممثل لشخصية البلطجي الذي يقوم بعلاقة غير شرعية مع البطلة، تدفع بالطفل أو المراهق إلى التقليد الأعمى، وممارسة التحرش، في ضوء غياب دور الأسرة وتراجعه بشكل كبير، وكذلك التوعية المجتمعية، ما أدى إلى ظهور مثل هذه السلوكيات.

وأضاف الدكتور أحمد عبدالرحيم، أستاذ الشريعة بجامعة الأزهر، أن الطفل المتحرش يعتبر أحد مظاهر الانحراف السلوكي والفساد الأخلاقي، حيث أصبح المجتمع بعيدا كل البعد عن الاهتمام بالتوعية الدينية، فالأبناء لا يحصلون على ما يلزمهم من الثقافة الدينية سواء في الأسرة أو المدرسة، أو حتى المسجد، فيصبح خوفهم من القانون أكثر من خوفهم من الله، لعدم وجود أي توعية، خصوصاً وأن معظم الخطب الدينية لا تناسب الأعمار الصغيرة وقد يكون فيها شيء من الشدة التي لا تستوعبها عقولهم، ما يؤدي إلى غياب الرادع النفسي والأخلاقي، فينتج عن ذلك قيامهم بالعديد من السلوكيات الخاطئة ومنها التحرش دون الشعور بالذنب.

وتابع عبدالرحيم: انتشار المشاهد والعبارات الجنسية في الإعلام جعل النشء الصغير يعتادها دون أن يرى فيها خطأ أو محرما، وتدريجيا أصبحت جزءا من ثقافته التي يطبقها في حياته اليومية من تحرش لفظي وفعلي.

الطفل المتحرش إحدى مظاهر الفساد الأخلاقي، حيث أصبح المجتمع بعيدا عن الاهتمام بالتوعية الدينية

وعن كيفية مواجهة تلك الظاهرة، وطرق معالجة الطفل المتحرش، تشير الدكتورة رجاء أبو علام، أستاذ الدراسات التربوية بجامعة القاهرة، إلى أن الدور في البداية دور أسري، بالتوعية والتنشئة الصحيحة، وتقويم سلوك الأبناء، موضحة أنه في حالة العلم بأن في المنزل ابنا متحرشا، يجب أن تكون هناك رعاية نفسية خاصة، والتعامل معه بهدوء وليس بالعنف لأنه أسوأ الوسائل، والذي قد يأتي بنتيجة عكسية، حيث يجب الوقوف على الأسباب التي جعلته متحرشا، ثم معالجة تلك الأسباب وتوعيته سلوكيا وأخلاقيا ودينيا بشكل يلائم عمره وفكره، وفي حالة انحراف السلوك بشكل كبير يجب تطوير الأسلوب حتى يتم ردع هذا السلوك، مشددة على ضرورة وجود خطاب ديني، وتوعية دينية للأطفال والمراهقين، بشكل يرغبهم في القيام بالسلوكيات الجيدة والابتعاد عن السلوكيات المنحرفة.

وتؤكد أبوعلام أن هذه الظاهرة ناتجة عن تراكمات فساد لسنوات عديدة، دون الاهتمام بالأطفال، مما جعلهم في حالة تدمير نفسي، لافتة إلى أن العلاج ليس بسيطا كما يعتقد البعض، بل يحتاج إلى الكثير من الصبر والجهد، وإلى تضافر جهود كل المجتمع للعمل على علاج هذا السلوك، مشيرة إلى أن التربية المجتمعية والأسرية السليمة هي التي تخرج أجيالا سوية، والذي لا يميل إلى أي من هذه السلوكيات الخطيرة، مهما تعرض لضغوط، فكونه سويا يحميه من أي أخطاء.

21