ماذا عن المشاركة في احتفالات من يختلفون عنا في المذهب والمعتقد

الإنسان كائن احتفالي بطبعه، حتى أنّ بعض علماء الأنتروبولوجيا قالوا إن الأحداث والأسباب وخلفية المناسبات، هي مجرد ذريعة للاحتفال، وكأن الإنسان يقول في قرارة نفسه “يجب أن أحتفل أولا، ثم أبحث بعد ذلك عن مناسبة”.
الثلاثاء 2016/12/20
نوافذ مفتوحة بين العقائد والطوائف

لا يختلف اثنان في أن جغرافية العالم العربي، هي مهد العقائد السماوية، ومسرح أحداث مفصلية في تاريخ البشرية، وكل الثقافات التي نشأت فيها قد أخذت من بعضها وتداخلت وتطورت وأعادت إنتاج نفسها، فلا أحد يزعم أن موروثه الاحتفالي يخصه وحده، أو أنه مستقل تماما عن عقيدة غيره، فالأرض واحدة وكل العوامل والمؤثرات متشابهة، وهو أمر تؤكده كل الدراسات الأنثروبولوجية.

لا جدار سميكا بين العقائد والطوائف والمذاهب في العالم العربي، بل نوافذ مفتوحة على كل الاتجاهات والأطراف، بدليل أنّ عائلات كثيرة تتوزع بين أكثر من طائفة ومذهب، والأمثلة عديدة في بلاد الشام والعراق على وجه الخصوص.

لم يكن موضوع “المشاركة في احتفالات لا تتعلق بمعتقدك الديني” ليطرح لولا آفة التطرف والإرهاب التي أضرمت نار الفتنة في أكثر من مكان، وهددت الأمن الذي هو الشرط الأساسي لإقامة الاحتفال أولا، ومن ثم مجيء الآخر لمشاركتك هذا الاحتفال كأجمل وأرقى مظاهر التضامن وتقاسم الفرح، هذا الفرح الذي تعبر عنه المقولة المسيحية المعروفة في أعياد الميلاد “المجد لله في السماء، في الناس المسرّة، وعلى الأرض السلام”.

يقول الأوروبيون، وعلى سبيل التفكّه، إنّ أبناء عمومتهم الإسبان قد استوفوا كامل أسماء القدّيسين من مختلف الكنائس في احتفالاتهم اليوميّة، وصادف أن واجهوا سنة كبيسة وبقي لديهم يوم يتيم دون قدّيس، أي دون احتفال، فكّروا وقدّروا ثم قرّروا تسميته بعيد “كلّ القدّيسين”، وبذلك تكون دائرة الاحتفالات قد اكتملت ولم يبق في “روزنامتهم” ورقة واحدة دون فرح ومعايدة وتهان.

لا وجود للأعياد العابسة والمتجهّمة في احتفالات الشعوب المحبة للحياة، بما فيها تلك المناسبات التي تحيي الوقائع الأليمة والذكريات الحزينة، إذ تحوّلها إلى مناسبة لبلسمة الجراح وأخذ العبرة والانتصار على الأحزان.

لا تحتوي قواميس المحبين للاحتفالات، عبارات تخدش بهجة الحياة كالنكبة والنكسة والهزيمة والفجيعة، بل تؤمن على الدوام أنّ هناك مرّة أخرى وأنّ الحياة الأفضل تبدأ غدا.

وفي المقابل، جعل العديد من كتّابنا اللغة العربية التي احتفى بها العالم، الأحد 18 ديسمبر الجاري، “لغة للعناكب” فهي لديهم مترمّلة، تتشح بالسواد، تتكحّل بالوجع، تتسوّك بالمرارة وتلازم مجالس العزاء، فاستكثروا عليها ارتداء زهور البراري والرقص مع خيوط الشمس وتباشير الفجر الأولى.

قد يقول “الواقعيون جدّا” في أيامنا الصعبة “من أين نأتي بالفرح في المآتم، ومن أين نتصيّد البسمة بين أنهار الدموع، لكنّ نظرة سريعة وفاحصة للتاريخ القديم والحديث تجعلنا نسلّم -وبما لا يدعو مجالا للشكّ- أنّ رغد العيش قد زار ديارنا وألفها أكثر من ديارهم وأنّ سجلّنا “الفجائعي” لا يعدو أن يكون دفترا صغيرا أمام تاريخ الويلات والحروب والكوارث التي عاشتها الشعوب الأخرى.

مشهد لا يشجع على المشاركة في إحياء عاشوراء

لم ينس المحتفون بالحياة في أوروبا وغيرها محاكم التفتيش وعتمة المعتقلات وبشاعة الإبادة والتطهير العرقي وحرب المئة عام والمدن التي تجري من تحتها الأوبئة وحمّامات الدم والكوارث التي يقتات منها الفقر والجهل والتخلّف، بل -ولأجل كلّ ذلك- غنّوا ورقصوا وابتهجوا انتصارا للفرح والجمال في تحدّ جريء لأحزان الموت.

لقد نسي أصحاب الفكر التشاؤمي في البلاد العربية كلّ ذلك، وتذكّروا بشاعة الفتن وقبح المؤامرات وثقل الهزائم فأوجدوا لها “احتفالات” من نوع خاص، تضعف الحاضر وترهب المستقبل، ترشّ الملح على الجرح وتحيي الآلام وهي رميم.

يكاد المرء أن يكون متأكّدا بأنّ هؤلاء “الانتحاريين الجدد” على استعداد تامّ لخلق وابتكار ذكريات حزينة وإن لم تكن في تاريخنا.. وبذلك تكتمل الدائرة الشرّيرة السوداء فيختتمون السنة الكبيسة بتسمية “احتفالية كل الهزائم” .

نبحث في الأخبار العربية عن بارقة أمل ومسحة احتفالية تشاركية تنعش الروح، نجد بعضها، ولكننا نجد أخبارا مؤلمة على شاكلة هذه الحادثة: سكان محليون في مديرية جهران بمحافظة ذمار (وسط اليمن)، قالوا إن مسلحين حوثيين قتلوا مدنيا، بعد أن رفض الأخير مشاركتهم في الاحتفالات التي نظمتها الجماعة بمناسبة المولد النبوي، وفق طقوسهم وطريقتهم الخاصة.

"نقبل العالم بأكثر من فم"

الغريب أن الكثير من العرب يزورون منازل جيرانهم ومعارفهم ممن لا يتشاركون معهم في نفس الطائفة أو المعتقد الديني للقيام بواجب التعزية التي تمليها التقاليد الاجتماعية في الفجائع والأتراح، لكنهم يتحفظون ويستنكفون من المشاركة في المناسبات الدينية التي تكتسي طابعا احتفاليا.

المشاركة الوجدانية -سواء كانت في الأفراح أو الأحزان- هي مسألة لا تتجزأ، فلا وجود لشروط مسبقة في ما يخص المشاعر الإنسانية، ولا وجود لمفاضلة أو تفرقة في قيم التضامن والإخاء التي تنص عليها كل العقائد.

واهم من يعتقد في وجود “احتفاليات سرّية مغلقة”، لا ينبغي للآخرين الاطلاع عليها، فالاحتفال هو الاحتفال بكل ما تعنيه هذه الكلمة من مشاعر الغبطة والفرح، وفي كل المذاهب والعقائد والثقافات، أمّا إذا كانت مظاهر هذه الاحتفالات تنطوي على “طقوس كراهية” فلا يمكن ساعتها تسميتها بالاحتفاليات، بل من الواجب تصنيفها ضمن دعوات الكراهية، وهو أمر يدان في كل الشرائع السماوية والوضعية ويعاقب عليه القانون.

المشاركة في الاحتفالات الدينية التي تخص من يختلف معك في المعتقد، تقوّي الإحساس بالمواطنة، وتزيد من التلاحم الاجتماعي الذي هو أكثر ما يحتاجه العالم العربي في مثل هذه الأيام العصيبة التي يعربد فيها التطرف والإرهاب والكراهية.

المشاركة في الاحتفالات التي تخص من يختلف معك في المعتقد، تقوي الإحساس بالمواطنة، وتزيد من التلاحم الاجتماعي الذي هو أكثر ما يحتاجه العالم العربي

العالم العربي يعرف منذ القدم أمثلة ساطعة للتآزر والمحبة بين أبناء العقائد المختلفة في البلد الواحد، ومازال هذا الأمر مستمرا رغم الانتكاسات التي سببتها موجات التطرف ونزعات الانغلاق التي تسبب فيها الإرهاب، والأمثلة لا تحصى عن هذا التآلف رغم ما يحدث من أعمال إرهابية طالت دور العبادة، واستهدفت أبناء طائفة أو ديانة معينة في غمرة احتفالاتها، وهو ما يشجع على الاحتقان والكراهية، لكن ما حدث في بلاد عربية كثيرة من تآخ اجتماعي، أعطى بارقة أمل تنمّ عن نفوس كبيرة وطيبة متأصلة، ففي مصر -وعلى سبيل المثال- شارك عدد من المسيحيين المسلمين احتفالاتهم بعيد الفطر الماضي، حيث قاموا بتوزيع كعك العيد على الأهالي في أول أيام العيد.

وقال الناشط المسيحي جون طلعت، إن أهالي حي شبرا وسط القاهرة، اعتادوا على مشاركة المسلمين في المناسبات السعيدة، لذا سارع الجميع بتوزيع كرتونات كعك العيد.

وأضاف أن المظاهر الاحتفالية الحالية تمثل استمرارا لما كان في شهر رمضان من مشاركة بين المسيحيين والمسلمين، ومن ذلك تنظيم عدد من رجال الأعمال المسيحيين لموائد إفطار في شبرا، يجتمع حولها الأقباط والمسلمون، وبعد إلغاء موائد الوحدة الوطنية وقع تخصيص أموالها لصالح صندوق “دعم مصر”.

وساندت جهات حقوقية عديدة الدعوى التي أقيمت ضد الداعية السلفي ياسر برهامي، بإثارة الفتنة الطائفية في البلاد وازدراء الأديان، والتحريض ضد الأقباط، بسبب فتاوى أبرزها تحريم تهنئة الأقباط بأعياد الميلاد.

الاحتفالات الدينية تخص جميع شعوب العالم، وتعرف بثقافاتها، مما يزيد من الشعور بغبطة المعرفة وقيم التلاقي الإنساني، كما أن الأمر يأخذ طابعا سياحيا بهيجا، وليس من الحكمة السؤال عن صحة المعتقد ومناقشة مغزاه الديني أو مضمونه العلمي، فليس هناك أثمن من التجول في السجل الميثيولوجي لكل شعوب العالم دون عقد، فالتدين مسألة تخص الفرد مع خالقه، أما الاحتفال فهو دعوة مفتوحة للجميع؛ ففي المكسيك مثلا، يقيم الأهالي احتفالية صاخبة لفائدة موتاهم، اعتقادا منهم بأن “أرواح الموتى” تعود للقاء الأهل والأحبة، وتحرص الأسر على تحضير ألذ الأطعمة والحلويات وعزف الموسيقى في المقابر، من أجل استحضار ذكرى أقاربهم بمشاعر الفرح والبهجة، وفي العديد من المدن، تقام مذابح ضخمة للموتى يتم نثر الزهور عليها، كما تعقد فعاليات عديدة بالمناسبة، كالمسيرات وعروض الأزياء التنكرية، الشبيهة إلى حدّ ما بعيد “الهالوين”.

بوادر إيجابية لا يمكن التغافل عنها في مسألة التسامح الديني، والتي تشكل شرطا أساسيا في المشاركة الاحتفالية، ففي الإمارات افتتحت السلطات الدير المسيحي الوحيد الموجود حاليا في الدول الخليجية، والذي يعود إلى القرن السابع الميلادي، أمام زوار جزيرة “صير بني ياس” بالعاصمة الإماراتية أبوظبي.

وتزامن المولد النبوي مع اقتراب أعياد الميلاد، فأفاض نوعا من مشاعر الإخاء بين المسلمين والمسيحيين في أكثر من بلد عربي مشرقي تتعايش فيه الديانتان، وفي الأردن قال الشيخ محمد سواعد، في هذا الأمر أمام موسى الحاج، مطران حيفا “الميلاد المجيد ليس للمسيحيين فقط إنما هو عيد لكل أهلنا ومجتمعنا، الذي هو أحوج ما يكون إلى معاني السلام والتآخي والمحبة التي تجمع بيننا، ومثل هذه اللقاءات تجمع بيننا لنكون شعبا واحدا ومجتمعا واحدا ويكون مصيرنا مشتركا”.

نحفظ المسافة ونتجنب النفاق

المبالغة في الحديث عن قيم المحبة والتسامح، لا تعني “التشاركية” في الطقوس الدينية، وإلاّ لماذا نقدر الاختلاف ونعتبره فضيلة تشكل غنى ثقافيا لا بد منه، لكن بعض “المثقفين السياحيين” كما يقول الباحث التونسي الشريف مبروكي، يبالغون في فكرة “الذهاب نحو الآخر” ويتقنون ركوب موجة التسامح، فالمشاركة الوجدانية تكون أحيانا في “عدم المشاركة” احتراما للخصوصية وحرصا على عدم تمييع أو هرسلة الحالة الاحتفالية.

الوجدان الشعبي يشارك في الاحتفالات بعفوية ودون خلفيات

ثمة احتفاليات لا تخلو من جذور دينية، لكنها ليست “فائقة الطقوسية” ومن الممكن معايشتها والمشاركة فيها لأنها خالية من حالات التعبد.

نماذج جميلة وكثيرة لهذه “المناسبات البريئة” فهناك مهرجان مشهور في اليابان مثلا، يتزامن مع موسم تفتح أزهار أشجار الكرز والتي تمتد على مختلف مناطق اليابان في الفترة الممتدة من منتصف شهر يناير حتى أوائل شهر مايو.

ويقوم اليابانيون في هذه الأيام بتجمعات وإقامة حفلات ربيعية تحت أشجار الكرز، تتضمن تناول العديد من الأطعمة اليابانية، ويخرجون إلى الحدائق بالآلاف حتى تغص بهم هذه الحدائق ويتابعون الطقوس الاحتفالية بالقيام بنزهات سيرا على الأقدام في الحدائق الغنية بأشجار الكرز، ويعود تاريخ هذا المهرجان إلى عدة عصور سابقة. ولهذه الأشجارمكانة خاصة عند اليابانيين، يرمزون من خلالها للحياة. فهي زاهية وجميلة لكنها سريعة الزوال.

بعض الذين يتحفظون عن المشاركة في أعياد لا تخص عقيدتهم، يبررون ذلك بعدم دقة هذه الاحتفاليات من جهة، وتشابكها مع طقوس أخرى قد لا تعني هذه الديانة على وجه التحديد.

ففي الشرق والغرب على حد سواء، لا يقام الاحتفال بعيد ميلاد المسيح في نفس اليوم نظرا للاختلاف في التقويم و“التقييم” أيضا من قبل أتباع الديانة المسيحية، وهو أيضا اليوم الذي يحتفل فيه بعيد ديونيسوس، ما قبل ظهور المسيحية كما جاء في معجم اللاهوت لبيكر.

“في جنوب أوروبا، وفي مصر وبلاد فارس وبلاد الرافدين وكذلك بلاد الشام وغيرها، عبد الناس آلهة الشمس بطقوس فخمة في موسم الانقلاب الشتوي، باعتباره الوقت المناسب لتقديم الشكر لإله الوفرة… ليس هناك قرار بات بشأن يوم وسنة ولادة المسيح بالضبط، لكن عندما قرر آباء الكنيسة في عام 440 بعد الميلاد أن يحددوا تاريخا للاحتفال بهذا الحدث، اختاروا بحكمة يوم الانقلاب الشتوي الذي كان ثابتا بقوة في أذهان الناس والذي كان من أهم المهرجانات.

متدينون مسيحيون ومسلمون وغيرهم كثيرون، لا يتحمسون لفكرة المشاركة في احتفالات دينية لا تخص عقيدة كل منهم، فالسيد إلياس، من لبنان يقول إن الأمر يحتوي على إحراجات كثيرة تتعلق بقناعاته الدينية وكذلك عاداته الاجتماعية، ويفضل “عدم التطفل” على الآخر، أما عبدالفتاح (26سنة) فيفتح كتابا ويقرأ مستشهدا بابن تيمية “من أحدث عملاً في يوم كإحداث صوم أو صلاة أو صنع أطعمة أو زينة وتوسيع في النفقة ونحو ذلك ، فلا بد أن يتبع هذا العمل اعتقاد في القلب” ويشرح عبدالفتاح ذلك بأن الأمر يعني الاعتناق والتبني.

ثم يتابع عبدالفتاح الشاب المتدين القراءة من كتابه الذي يرافقه إلى المقهى”. وذلك لأنه لا بدّ أن يعتقد أن هذا اليوم أفضل من أمثاله، إذ لولا قيام هذا الاعتقاد في قلبه، أو قلب متبوعه، لما انبعث القلب لتخصيص هذا اليوم والليلة فإن الترجيح من غير مرجح ممتنع”.

ثمة رأي يعترض على المشاركة في بعض الاحتفالات الدينية لدى بعض الطوائف والمذاهب، لا لتزمت أو انغلاق أو موقف عقائدي، لكنه يرى أن بعض الطقوس تبدو غير إنسانية ولا منطقية في مشهديتها، ويعطي عمر، من العراق (42 عاما)، دليلا يبدو مقنعا وفق تصوره، إذ يقول بأن أصدقاءه من الطائفة الشيعية يدعونه إلى المشاركة في إحياء عاشوراء، لكنه يعتذر في كل مرة، لا لموقف مذهبي أو طائفي على حد قوله، بل بسبب مشاهد اللطم التي يراها “بشعة ودموية”، وهو الرأي الذي يشاركه فيه صديقه عباس من لبنان بقوله “أنا من المذهب الشيعي، وأتشرف بهذا الانتماء دون نزعة طائفية، لكنني ضد مشاهد اللطم المريعة التي نراها عند بعض الجماعات، وهي مشاهد فيها دماء وجراح، ولا تبدو لي منطقية وأراها -كما الكثير من الشيعة في لبنان- بأنها بدع تشوه المذهب الجعفري أكثر من أنها تحترمه”.

رأي آخر يجب أن نأخذه في الحسبان لمسألة المشاركة في احتفاليات دينية متعددة، وهو ما يردده بعض اللادينيين وهم نسبة قليلة لكنها موجودة، بقولهم على لسان نادية وصديقها حاتم من تونس “المسألة لا تلزمنا بالحضور، فهناك طرق أخرى للتضامن والمعايدة والمساندة وباقي أنواع التآزر غير التوجه إلى طقوس نحترمها، لكننا غير معنيين بها”.

12