ماذا عن بقية الدم العربي المسفوك؟

لا أحد يشك في عدالة القضية الفلسطينية، ولكن أسوأ ما أصاب هذه القضية أنها أكلت الصادقين في الدفاع عنها ورفعت من شأن المتاجرين بها وتحولت إلى قبعة الساحر لدى الأنظمة المستبدة.
الأربعاء 2021/05/19
استغلال سياسي فج للاندفاع العاطفي مع القضية الفلسطينية

عندما يقتل العربي أخاه العربي أو ابن بلده في العراق أو سوريا أو ليبيا أو اليمن نرى الأمر عاديا، وننقسم إلى مساند للقاتل أو مساند للقتيل، ولكن ضمن دائرة جدل عقيم سرعان ما ينتهي مع قراءة التقرير الإخباري أو مشاهدته.

فقط تتحرّك مشاعر العرب عندما يتعلق الأمر بفلسطين نظرا للقداسة التي أحاطوا بها قضيتها، ولأنهم يحاولون دائما أن يجعلوا منها الخيط الرابط بينهم، فهم يختلفون ويتصارعون ويتقاتلون ويمارسون في ما بينهم كل أشكال التكفير والتخوين والتبخيس والاغتيال المعنوي، ويتسابقون نحو اللوبيات اليهودية في العالم للاستقواء بها ضد بعضهم البعض، ولا يرون مانعا من المتاجرة بكل شيء في سبيل البقاء في السلطة أو الوصول إليها، وقد يصلون بدولهم إلى الحروب الأهلية والفقر والعوز والجوع والمرض، ومع أول ضربة إسرائيلية على قطاع غزة، تراهم يقفون معا رغم أن قلوبهم شتى، ليعلنوا الدعم والمساندة لفلسطين، حتى أنهم قد يتحولون إلى فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين، في استمرار لنفس التظاهرة التي تشكلت قبل عقود طويلة، وهي الاستغلال السياسي الفج للاندفاع العاطفي الشعبي المبني على أسس صراع يكسوه طرفاه بغطاء ديني مقدّس.

لا أحد يشك في عدالة القضية الفلسطينية، ولكن أسوأ ما أصاب هذه القضية منذ نشأتها أنها أكلت الصادقين في الدفاع عنها، ورفعت من شأن المتاجرين بها، وتحولت إلى قبعة الساحر لدى الأنظمة المأزومة والمستبدة تستفيد منها في تخدير الجماهير باسم النضال والمقاومة، واشتغلت عليها كل الأيديولوجيات والتيارات الفكرية سواء عن اتفاق مع مبادئها أو عن نفاق للجماهير، إلى أن ورثتها قوى الإسلام السياسي الشيعية والسنّية، وجعلت منها الميليشيات المسلحة شعارها في معركة التمرّد ضد مفهوم الدولة وسلطة النظام في المنطقة ككل، وأداة لتبرير عنفها ضد الشعوب والمجتمعات.

وفي ذات الإطار تحولت غزة إلى دولة إخوانية قبل أن تكون جزءا من فلسطين، وأصبحت حماس آلية تقسيم لا توحيد، وسلطة مؤبدة تتحرك ضمن محور جدالي، ترتبط بعلاقات توأمة عقائدية مع كل تيار ميليشياوي عنيف، تتحالف مع المتمردين في سوريا واليمن وتتآمر على مصر وليبيا وتوزع الولاءات بين تركيا وإيران، وفيما يعيش قادتها السياسيون مرفهين بين الدوحة وإسطنبول، يدفع رعاياها الثمن داخل القطاع المكتظ بالسكان والأحزان.

يصفّق العرب لكل صاروخ تطلقه حماس ضد إسرائيل، وهم يعلمون أن الإسرائيليين سيردون عليه سريعا، ثم يدخلون نوبة الصراخ والعويل على أرواح الضحايا الأبرياء، ويخرجون في مسيرات الغضب، ويتسابقون على إبداء عبارات التضامن، وتنخرط الحكومات في حمّى الشعارات الشعبية، وتجد الأحزاب البائسة فرصة لنفض الغبار عنها بإصدار البيانات الإنشائية التي لم تتغير صيغتها منذ 70 عاما، وتدخل وسائل الإعلام في دوامة التحريض على المزيد من سفك الدماء، وكالعادة تستفيد إسرائيل من اللحظة بأن تدفع بالمقاومة إلى الكشف عن إمكانياتها ومقدراتها لتجد الفرصة إلى تدميرها كما حدث في مناسبات سابقة، على أن يتكرر المشهد لاحقا.

خلال الأيام القليلة الماضية، نسي العرب كل مصائبهم واتجهوا للهتاف من أجل فلسطين، لا أحد ينكر عليهم ذلك، ولكن ماذا لو أنهم نظروا من حولهم إلى واقعهم المتأزم الذي صنعوه بأنفسهم، ولم يكن لإسرائيل يد مباشرة فيه؟ ماذا لو عددوا ضحايا حروبهم ومغامراتهم ومؤامراتهم في أقطارهم المدمرة؟

في العراق، قارب عدد الضحايا منذ العام 2003، تاريخ الغزو الأميركي الذي هلّل له الكثير من العرب، 700 ألف قتيل، ومليون و357 ألف معوق، 43 في المئة منهم من النساء، وأكثر من 100 ألف مفقود، وما بين 4 و5 ملايين مهجر في الخارج، ولا يزال هناك حوالي مليوني نازح في الداخل، وفي مارس الماضي بشّرت وزارة التخطيط بانخفاض معدلات الفقر في البلاد إلى 25 في المئة من السكان، حيث أن “عدد الفقراء أقل من 10 ملايين شخص” في العراق الذي يحتل المركز التاسع من بين أغنى دول العالم بما لديه من ثروات طبيعية.

ومع ذلك، فلا أحد يشقى بآلام العراقيين، ولا أحد يتذكر الملايين من المهجرين والنازحين والمقتلعين من جذورهم المنتشرين في القارات الخمس، ولم يخرج العرب في مسيرات للتنديد بسبي الإيزيديين وتهجير المسيحيين وتدمير المدن على رؤوس ساكنيها بدوافع مذهبية وطائفية واغتيال الناشطين.

رأينا العراقي يقتل العراقي، والإيراني يقتل العراقي، والتركي يقتل العراقي، والأميركي يقتل العراقي، وقطعان الدواعش شذاذ الآفاق يقتلون العراقيين ويدمرون معالم الحضارة، ولكن لا حياة لمن تنادي، والصمت يخيّم على الضمير العربي الذي تتنازعه الولاءات المختلفة للمذهب أو الطائفة أو المحور أو المصلحة.

في سوريا، شهدت العشرية الماضية سقوط ما لا يقل عن 650 ألف قتيل، وتهجير 5.6 مليون شخص على الأقل، فضلا عن نزوح داخلي لـ6.5 مليون مواطن، وانعدام الأمن الغذائي وحاجة 11.7 مليون شخص إلى نوع من أنواع المساعدة الإنسانية، في وقت يعيش 2.4 مليون طفل خارج المدارس داخل البلاد، وبلغ إجمالي الخسائر الاقتصادية أكثر من 540 مليار دولار أميركي، كما تضرر 40 في المئة من البنية التحتية ما تسبب في خسارة حوالي 65 مليارا، وبلغ معدل الفقر 86 في المئة بين السوريين البالغ عددهم حوالي 22 مليونا.

تابعنا مقتل السوري على يد السوري، وعلى يد الأميركي والروسي، وعلى يد التركي والإيراني، وعلى يد التونسي والليبي واللبناني والفلسطيني والأفغاني والباكستاني والشيشاني والإسرائيلي، ومع ذلك، لم نر في عواصم العرب من خرج للتنديد بالجرائم التي استهدفت سوريا وشعبها، ولا بالاحتلال التركي لشمال البلاد، ولا بالصراع الأميركي – الروسي على النفوذ، وإنما تستعيد الذاكرة بين الحين والآخر، كيف أن عشرات الآلاف من الشباب العربي تم الدفع بهم إلى المحرقة السورية، وكيف أن أعدادا من الفلسطينيين دخلت غمار الحرب لتكون جزءا من المواجهة، وكيف أن المساجد التي تدعو اليوم إلى نصرة القدس وفلسطين بالدعاء، هي التي كانت تدعو إلى التطوع للقتال في سوريا.

في اليمن تشير التقديرات إلى سقوط ما لا يقل عن 100 ألف قتيل نتيجة الحرب الأهلية التي انطلقت مع انقلاب الحوثيين على الحكم القائم في صيف 2014، واستمرارهم في العمل على إحياء نظام الإمامة الزيدية بمواصفات ولاية الفقيه الإيرانية. والحوثي مثله مثل كل الميليشيات الدينية الشيعية والسنية، يرفع شعارات الدفاع عن فلسطين، وينادي بالثأر لأي فلسطيني يسقط برصاص إسرائيلي، ويهلّل ويكبّر عندما يسقط المئات أو الآلاف من أبناء جلدته، ويمارس كل أشكال التعذيب على من يختلف معه في الرأي أو العقيدة.

علينا ألا ننسى ما قامت به الميليشيات الشيعية في العراق من التنكيل بالعرب السنّة، وما قام به إرهابيو داعش والقاعدة ضد كل الطوائف، وما مارسته الميليشيات في ليبيا منذ العام 2011 من قمع وإرهاب ضد أنصار النظام السابق وأبناء القبائل وداعمي الجيش، وما نفذته جماعات الإسلام السياسي المصرية بمختلف تشكيلاتها من جرائم ضد الدولة والمجتمع.

على كل من يبكي حال الفلسطينيين اليوم أن يجيب عن سؤال بسيط: هل لك دور في إيلام أحد من أبناء بلدك أو أمتك؟ وإذا كانت عقيدتك على نهج حماس: كيف تنظر لشركائك في الوطن ممن يختلفون معك في العقيدة؟ وهل أنت مستعد لإدانة من تشترك معهم في تلك العقيدة إذا أجرموا في حق بشر آخرين بالضبط كما تدين جرائم إسرائيل في حق الفلسطينيين؟

9