ماذا عن ترويض الإسلاميين وفق نموذج الأحزاب المسيحية الغربية

مؤتمر عمان يناقش مرحلة ما بعد الإسلام السياسي، وفصل الدعوي عن السياسي ليس ضمانة كافية ولا تطمئن.
الجمعة 2018/05/04
مؤتمر جاء في موعده زمانيا ومكانيا

عمّان - اختتمت الخميس بالعاصمة الأردنية عمّان، فعاليات المؤتمر الدولي “ما بعد الإسلام السياسي: السياقات، الشروط والآفاق”، بمشاركة نخبة كبيرة من الباحثين المتخصصين في الحركات الإسلامية ودراسات ما بعد الإسلام السياسي، من الأردن ومصر ولبنان والعراق واليمن والمغرب، وتركيا وإيران وإندونيسيا وإسبانيا وفرنسا وألمانيا.

وكان الوزير الأردني للشؤون السياسية والبرلمانية، موسى المعايطة، قد دعا خلال انطلاق فعاليات المؤتمر الذي تواصلت أعماله على مدى يومين وعقده مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية ومؤسسة فريدريش أيبرت في عمان، “الأحزاب والتيارات السياسية الإسلامية وغيرها إلى القبول بالدولة المدنية فعليا وعمليا وليس تكتيكيا”.

 

الجماعات الإسلامية تندحر ميدانيا يوما بعد يوم، وتنهزم عسكريا، لكننا لم نسجل لها هزائم على صعيد الطرح والتنظير، واكتفى بعضها بتقديم بعض المراجعات التي يرى باحثون أنها لا تكفي ليعول عليها مستقبلا للانخراط في الحياة السياسية بطريقة مدنية كما هو الشأن بالنسبة للأحزاب المسيحية في الغرب.. ومن هنا تأتي أهمية سؤال “ماذا بعد الإسلام السياسي” الذي ركز عليه مؤتمر عمّان.

وشدد المعايطة على “أهمية عدم الاكتفاء بإدانة الفكر الظلامي والتطرف، بل العمل على توفير بيئة حياة وعيش لأطفالنا ليعيشوا في دولة المواطنة والدولة الوطنية المدنية القائمة على أساس سيادة القانون واحترام حق الاختلاف وقبول الآخر والتعددية والتنوع”.

وأوضح “إننا لا نسعى في هذا المؤتمر لتبادل الأفكار فقط، بل لا بد من البحث عن بدائل موضوعية في ظل انتشار الأفكار الظلامية والتطرف وفشل المشروع الديمقراطي في بعض البلدان العربية”.

وأعرب المعايطة عن أمله في أن يجيب هذا المؤتمر عن عدد من الأسئلة التي تتمحور حول ما هي إمكانية الوصول إلى الدولة المدنية الحديثة دون التيارات الإسلامية والتخلي عن المقولات السابقة، وقبول هذه التيارات الإسلامية بمبدأ الديمقراطية والمشاركة.

وخلال أعمال المؤتمر، أشار محمد أبورمان، الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية، إلى أنّ مفهوم “ما بعد الإسلام السياسي”، يتوافر على أكثر من مضمون ودلالة، وهو مصطلح جدلي بامتياز، من هنا تأتي أهمية المؤتمر في معاينة المفهوم وتفكيكه نظريا وبحث سياقاته السياسية والاجتماعية والثقافية المقارنة أولا، ثم استعراض نماذج محتملة له في الكثير من الدول العربية (الأردن، اليمن، الإخوان المسلمون في مصر، المغرب، العراق)، وإسلاميا (إيران، تركيا، إندونسيا) وحتى المقاربة الغربية له.

وقال مدير مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية موسى شتيوي “إن قوى الإسلام السياسي والأحزاب الإسلامية كانت القوة الرئيسة السياسية المعارضة في أغلب البلدان العربية للعقود الثلاثة الماضية، لكن هذه الحركات والقوى دخلت في أزمة فعلية مع سعي الشعوب العربية للمطالبة بالحرية والعدالة والديمقراطية وتداول السلطة وغيرها من المطالب”.

وأوضح أن هذا الوضع استمر قائما إلى أن جاء ما سمي بـ«الربيع العربي» في عام 2011، إذ أصابت أعاصيره عددا من الأنظمة العربية، إضافة إلى أغلبية التيارات السياسية، وفي مقدمتها تيارات الإسلام السياسي التي وجدت نفسها في صراع مع التيارات المحافظة والليبرالية على هوية الدولة.

وتابع “لا شك في أن بعض التيارات قد تجاوزت المفاهيم والمقولات والفلسفات التي أسست للإسلام السياسي التاريخي، وشكلت جوهر فكرها وخطابها السياسي والديني، فتحول بعضها إلى الراديكالية التي قادتها إلى الصدام مع السلطة، كما حدث مع جماعة الإخوان المسلمين في مصر وغيرها من التنظيمات، في حين لجأ البعض الآخر إلى التصالح مع فكرة الدولة الوطنية وتبني العملية الديمقراطية، والعمل ضمن إطار الدساتير المدنية، والتكيف مع التطورات السياسية الجديدة، كما حدث مع حزب النهضة في تونس، وحزب العدالة والتنمية بالمغرب”.

وقال إن هذا التطور في أطروحات الإسلام السياسي، كانا حافزين لنا على عقد هذا المؤتمر الذي يضم ثلة من الخبراء في الإسلام السياسي والحركات السياسية لاختبار هذه المقولات، وتحليلها، وإمكانية تحقيقها على أرض الواقع.

ولفت إلى أن المؤتمر يستعرض تجارب هذه الحركات في دول مثل: الأردن، ومصر، والمغرب، ولبنان، واليمن، أو نماذج إسلامية غير عربية في دول مثل إندونيسيا وتركيا، وليس على الصعيد السني فقط، بل أيضا على الصعيد الشيعي مثل الحالة في كل من إيران والعراق.

إلى ذلك، ترأس شتيوي الجلسة الأولى والتي جاءت تحت عنوان “مفهوم ما بعد الإسلام السياسي: الخارطة المعرفية والسياقات العملية”، حيث قدم خلالها كل من الباحث في الحركات الإسلامية حسن أبوهنية ورقة عمل بعنوان “ما بعد الإسلام السياسي: قراءة في المفهوم والسياق والشروط”، وقدمت أستاذة الدراسات العربية والإسلامية في جامعة مدريد المستقلة الدكتورة لوز غوميز ورقة عمل تحت عنوان “نقاش في شرعية وجدلية مفهوم.. ما بعد الإسلام السياسي”.

يذكر أنه وفي معرض السؤال عن مستقبل الإسلام السياسي، وإمكانية تحول بعض الأحزاب الإسلامية إلى ما يشبه نماذج الأحزاب الديمقراطية المسيحية في أوروبا، كان الباحث الأميركي، وأستاذ العلوم السياسية في جامعة جورج واشنطن، ناثان براون، قد طرح في كتابه الذي حمل عنوان “المشاركة لا المغالبة” سؤالا عما إذا كان إدماج الحركات الإسلامية في اللعبة الديمقراطية في العالم العربي سيخلق لنا كائنات سياسية شبيهة بالأحزاب المسيحية الديمقراطية، أم أحزابا فاشية مثلما حدث في أوروبا بين الحربين، عندما استثمرت الأحزاب الشعبوية، النازية والفاشية، الانتخابات ووصلت إلى السلطة وأقامت أنظمة شمولية؟

تحول الإسلاميين إلى نموذج شبيه بالأحزاب المسيحية الديمقراطية عبر عملية "ترويض" في اللعبة الديمقراطية غير مستبعدة

والجواب – وفقا لبراون – ليس بسيطا، ولا هو في اتجاه واحد، ولا يرتبط بالضرورة بأيديولوجيا الحركات الإسلامية الذاتية، بقدر ما يرتبط أيضا بالسياقات السياسية المحيطة، بعد أن يذكّر الباحث الأميركي بإشارات ودروس مهمة من وحي تطوّر تجربة الأحزاب المسيحية الديمقراطية في أوروبا، مقارنا بين تجاربها المختلفة في تلك الدول، من ناحية، وتجربة الأحزاب الفاشية من ناحية ثانية، مستعرضا المراحل التي مرّت بها تلك التجارب، للمقارنة بينها وبين التجربة الإسلامية السياسية.

ولم يستبعد براون، إمكانية تحول الإسلاميين السياسيين إلى نموذج شبيه بالأحزاب المسيحية الديمقراطية، عبر عملية “ترويض” في اللعبة الديمقراطية، تأخذ مراحل زمنية متدرّجة، تزداد من خلالها قناعة الإسلاميين بأفضلية اللعبة الديمقراطية وميزاتها مقارنة بالخسائر المترتبة على الاستراتيجيات الأخرى.

وما يطرحه براون، في نظر الكاتب الأردني محمد أبورمان، يقترب من البحث الذي وصل إليه الباحث نادر هاشمي في كتابه “الإسلام، العلمانية والديمقراطية الليبرالية” من ناحية التأكيد على ضرورة الأخذ بالجانب التاريخي والسوسيولوجي في دراسة الحركات الإسلامية.

جلسات المؤتمر تناولت على مدى يومين، العديد من الموضوعات والملفات المهمة، المرتبطة بمصطلح الإسلام السياسي والسياقات الاجتماعية والثقافية والفكرية المؤسسة له، والمدارس النظرية والمنهجية عالميا حوله، في ما إذا كانت “مرحلة ما بعد الإسلام السياسي” تعكس نجاح الإسلاميين وتطورهم وانتشارهم أم على العكس من ذلك.

التطوّرات التي أصابت الحركات الإسلامية ونقلتها من الإسلام السياسي إلى ما بعده، وهي التطوّرات النظرية والواقعية والنماذج المتنوعة التي ناقشها الباحثون في مؤتمر “ما بعد الإسلام السياسي: الشروط، السياقات والآفاق”، بتنسيق ما بين مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية ومؤسسة “فريدريش أيبرت” في عمّان، تجد لها أصداء وتفاعلات مع ما طرحه الباحث آصف بيات، في كتابه “ما بعد الإسلاموية”، وكذلك عددا من المشاركين مع بعض التحفظات والملاحظات المتعلقة بالخصوصيات الاجتماعية وتباين البنى الثقافية.

13