ماذا فعلنا بالمفكر فرانز فانون

الجمعة 2016/01/15

منذ أكثر من عقد ونصف من الزمان كنت ضيفا على الناقد البريطاني روبرت يانغ الذي يعتبر من أبرز منظري الجيل الثاني في حقل الدراسات ما بعد الكولونيالية. كان هذا الناقد يعمل في ذلك الوقت أستاذا بجامعة أكسفورد وهو الآن يدرّس مادة الأدب المقارن بجامعة نيويورك.

في تلك الجلسة تحدث يانغ طويلا عن دور فرانز فانون في بناء أسس النظرية النقدية الكولونيالية وأخلاقياتها، وعن مكانته كأحد المثقفين الشرفاء القلائل الذين كرسوا حياتهم للدفاع عن استقلال العالم الثالث وضحّوا من أجل الجزائر لتتحرّر من الاستعمار الفرنسي.

سألني يانغ عن دور تراث فانون الفكري والأخلاقي في الجزائر المستقلة، فأخبرته بأن الحكومة قد أطلقت اسمه على بعض الثانويات، والشوارع الصغيرة، أما تفعيل فكره ومشروعه الثقافي التحرري فلم ينل أي نصيب يذكر، كما أعلمته أن زوجته الفرنسية التي تركها وراءه في الجزائر قد انتحرت في ظروف غامضة إلى يومنا هذا. بعد هذا اللقاء بالناقد روبرت يانغ بسنوات طويلة التقيت فجأة بابن فانون في ندوة مخصصة لإحياء ذكرى والده.

في جلسة انفرادية أعلمني أنه يعمل منذ عشرين سنة بالقنصلية الجزائرية بصفة موظف متعاقد ومؤقت، وكشف لي سرا أن معاشه ضعيف ولم يحصل على أي ترقية أو زيادة في المرتب الشهري طوال هذه المدة، وحينما سألته عن أرشيف والده فانون قال لي بأن ما تركه موجود عند قادة حركة التحرّر الوطني الجزائري، الذين عمل معهم أثناء الحرب ضدّ فرنسا، ولكن لا أحد منهم جمع أو نشر منه شيئا إلى يومنا هذا، إلا الشيء القليل الذي قام به محمد الميلي الذي تجاهل رفيق دربه في مذكراته التي نشرها مؤخرا.

بعد هذا اللقاء سافرت إلى تونس وقصدت المكتبة الوطنية التونسية، وهناك عثرت على المجلة الطبية التونسية ووجدت فيها عددا من مقالات فانون في تخصص الطب العقلي، وصورتها، وحالما عزمت أن أسافر إلى المغرب لأقوم بنفس العمل قرأت خبرا في إحدى المجلات البريطانية، أن روبرت يانغ وجان خالفه قد تمكنا من جمع معظم كتابات فانون المنسية.

وفي سنة 2015 أصدر الرجلان بباريس مجلدا من القطع الكبير، يتكون من 661 صفحة، وفيه كل كتابات فانون المنشورة على صفحات كل من المجلة الطبية التونسية والمجلة الطبية المغربية، ومجلة المجاهد، فضلا عن مسرحيتين لم تعرفا من قبل. هناك دراسات ومقالات أخرى تركها فانون في أرشيف مستشفى الأمراض العقلية بمدينة البليدة الجزائرية، حيث اشتغل كرئيس لقسم العلاج النفسي قبل أن يلتحق بصفوف حركة التحرّر الوطني، وكلها ضاعت مع الأسف.

كاتب من الجزائر مقيم بلندن

15