ماذا فعل السيسي ليستحق حكم مصر

الثلاثاء 2014/05/20

أي عربي، من المحيط إلى الخليج، تعنيه الانتخابات المصرية للرئاسة التي يتنافس عليها عبدالفتاح السيسي وحمدين صباحي. والأول هو الذي أنقذ مصر من براثن الإخوان وأجنداتهم الملتبسة، وأعاد مصر إلى مصرييها الوطنيين والعروبيين، الذين يمثلون سدا عربيا صلبا ضد تربصات من قوميات أخرى نعرفها ونعلم أهدافها علم اليقين.

ولابد لنا من أن نعترف بأنه لولا مشيئة الله ثم جرأة عبدالفتاح السيسي وتحمله لمسؤولياته الوطنية والقومية، لأصبح الحال غير الحال الآن، في مصر وفي غيرها من البلدان العربية المستقرة، لاسيما دول الخليج التي دعمت، بلا تردد مواقفه للقضاء على حكم الإخوان. وأقل ما يمكن تخيل حدوثه في مصر لو بقي الإخوان على عرشها أن تتحول إلى ليبيا أخرى يتمترس كل فريق فيها خلف سياجات الإسلام السياسي، بينما يُختطف الشعب برمته وتُختطف التيارات الأخرى لحساب هذه السياجات المتضاربة التي تتصارع على مناطق النفوذ والثروات.

وربما أصبحت مصر مثل سوريا التي حارب فيها الجيش في البداية الشعب بدلا من أن يحميه ويستوعب مطالبه، ثم انتهى المطاف بالسوريين، نظاما وتنظيمات سورية وأجنبية، إلى حروب طاحنة وممارسات إرهابية يقع عبؤها أول ما يقع على رؤوس الأبرياء في المدن والبلدات السورية. أي أن المصريين كانوا مهددين، في ظل حكم الإخوان غير الرشيد والخاضع بالكامل لإرادات أجنبية، بفقد أمانهم الوطني وخسارة لحمة بلدهم لحساب آخرين لا يريدون بمصر ولا بأهلها ولا بالعرب من بعدهم خيرا.

على المستوى العربي أحدث الرجل (فرملة) كبرى واستراتيجية لما يمكن أن يكون مدا دمويا هائلا، لو قيض لخارطة الفوضى الخلاقة أن تسير على هوى الغرب وهوى بعض الأنظمة الإقليمية التي تشارك في تنفيذ هذه الخارجة من خلال إذكاء نيران الفتن والطائفية في الأرض العربية لتصل إلى غاياتها في السيطرة والتحكم بهذه المنطقة. ودول الخليج، التي تفهم الآن أكثر من أي وقت مضى عمق أمنها القومي ممثلا بمصر، لم تكن بعيدة عن المخاطر التي طالت دولا عربية أخرى وأسقطت أنظمتها وتتهدد الآن وحدتها وأمن وسلامة مجتمعاتها.

الرجل، أيضا، أعاد الشعور العربي بمصر وقيمتها وأهميتها إلى مكانه الصحيح والطبيعي، بعد أن غيبت سنوات مبارك، الأخيرة بالذات، هذا الشعور حين تضاءلت قوة مصر الناعمة وتراجع فعلها العربي القومي المؤثر باعتبارها اللاعب السياسي الكبير، دولة وشعبا. وباعتبارها الأسبق، من بين كل الدول العربية، في تحقيق مكتسبات الحضارة وبناء مؤسسات الدولة الحديثة، فضلا عن أسبقيتها في بناء منظومة عسكرية وطنية تتمتع بالاحتراف والقدرة والتجربة.

وكلنا، بطبيعة الحال، نعلم أن غيبة مصر السابقة عن دورها المؤثر، سياسيا وثقافيا وإعلاميا، أعطى أقزاما آخرين لا يدانون إمكاناتها ولا يحوزون مكتسباتها الحضارية فرصة القفز واللعب على هواهم في الساحة العربية التي ترك فيها الغياب المصري فراغا هائلا إن لم أقل فراغا قاتلا.

وهذا الفراغ الهائل أو القاتل جرأ اللاعبين الأقزام على أن يذهبوا، في ظل حسابات فئوية وشخصية ضيقة، إلى حدود تهديد أمن العرب القومي وإزعاج استقرار البلدان العربية برمتها. ومن هذه البلدان مصر ذاتها التي اكتوت، ولا تزال تكتوي، بنار هؤلاء المتآمرين والطامحين إلى مواقع إقليمية قيادية لا تليق بهم.

لكل هذه الأسباب يستحق عبدالفتاح السيسي أن يكون رئيس مصر في الجمهورية الثالثة وليس صعبا أن نتوقع أنه سيكتسح الصندوق بما لا يقاس في التصويت لاستحقاقات سابقة حدثت بعد قيام ثورة 25 يونيو. وقد دل إقبال المصريين في الخارج على الانتخابات الرئاسية خلال اليومين الماضيين، على أن المصريين هذه المرة أكثر تفاؤلا وتصديقا للمرحلة القادمة بعد أن أصابتهم مراحل المنافسات والانتخابات السابقة بكم من خيبات الأمل على كل صعيد، ومن ذلك خيبة الأمل على صعيد إدارة الدولة، والقدرة على انتشالها من ضعفها الداخلي، وتراجع حضورها على المستوى الإقليمي والدولي.

وفي يقيني أن السيسي إذا أصبح رئيسا سيكون في الداخل حاسما في معالجة الجسد الاقتصادي المصري المنهك تحقيقا لهدفين مهمين. الأول هو تحقيق العدالة الاجتماعية التي هي في المبدأ سبب ثورة المصريين على نظام حسني مبارك، والسبب الثاني هو القضاء على جرثومة الإرهاب التي تقتات على الجسد الاقتصادي المنهك لتحقق غاياتها وأجنداتها. والتي لا تريد لهذا الجسد أن يقوى لأن في قوته هلاكها المحقق والقضاء عليها بلا عودة.

أيضا هو سيعيد للمصريين والعرب قيمة الانتماء للوطن ويرسخ معاني الدولة الوطنية في نفوسهم بعد أن اقتلع الإسلام السياسي على مدى العقود الماضية هذه المعاني تحت شعارات أممية فضفاضة لا يمكن تحقيقها إلا في أحلام مروجيها ومردديها، الذين انقطعت صلتهم بالواقع من حولهم. وإذا تحقق ذلك، أي إذا نجح في إعادة الاعتبار والهيبة لقيمة المواطنة، فإن الشعب سيلفظ شعارات جماعات الإرهاب كما يلفظ الطعام الفاسد من فمه، وسيرسل هذه الجماعات بدون شك إلى مزبلة التاريخ، ليس في مصر وحدها، بل في كل قُطر عربي تهدد هذه الجماعات أمنه وتتسبب في تأخره عن ركب التنمية والتقدم.

على الجانب العربي، وكما كان هناك موقف مشترك واضح في إسقاط حكم الإخوان ودحض الإرهاب، سيمثل وجود السيسي على سدة الحكم في مصر فرصة عربية كبرى لبناء تنموي وتعاون عسكري مشترك يقطع الطريق بثقة وقوة على من يتربصون بأمن العرب القومي، ويوظفون كل قواهم في سبيل تحطيم هذا الأمن، ومن ثم تحطيم آمال الشعوب العربية قاطبة بتحقيق الاستقرار والعيش الكريم.

وكما قلت سابقا فإن في عودة مصر القوية والقادرة ضمانة لحالة عربية إيجابية يستفيد منها كل العرب باعتبار أن سقوط مصر يعني سقوطهم ونهوضها يعني نهوضهم. ولذلك فإن العرب أنظمة وشعوبا، في الخليج وفي غير الخليج، لابد أن يتحملوا مسؤولية التضامن السياسي والاقتصادي والاجتماعي مع مصر الجديدة التي سيقودها، بإذن الله، عبدالفتاح السيسي، لأن هذا التضامن العربي مع مصر هو الذي سيساعد في علاج الجسد المصري الذي أنهكه الفقر والإرهاب الإخواني وغير الإخواني، وهو الذي سيقتل جرثومة هذا الإرهاب في كل الدول العربية.

وربما تكون الخطوة الأولى على هذه الطريق الصعبة هي التضامن أولا لاقتلاع الأقزام الذين احتلوا الساحة وسيطروا على مشهدها السياسي والإعلامي، ومن ثم الشروع الجاد والحقيقي في بناء المسالك التنموية والتقدمية الصحيحة التي تلتقي فيها مصالح شعوب العرب السياسية والاقتصادية المشتركة.


كاتب سعودي

9