ماذا فعل العرب بذاتهم الشرقية وبجوارهم الثقافي

الثلاثاء 2014/01/14
العرب لا يكترثون بثقافات دول الجوار

منذ أن انطلقت “العرب” في حلتها الجديدة، والثقافة جزء أساسي من شاغلها الصحفي، وتطلعاتها في حقل الكلمة؛ ولما كان من المستحيل على الثقافة أن تزدهر وتتطوّر وتتجدّد في علاقتها بالناس، من دون أن تطرح الأسئلة الشائكة والمسكوت عنها في الثقافة والاجتماع، فإن الصفحات الثقافية أخذت على عاتقها، أن تشكل مروحة كبيرة لحملة الأقلام العرب، وأن تتيح المجال لهم لإثارة الأسئلة التي تشغلهم، والتي تشكل هموما حقيقية، بعضها مسكوت عنه في الثقافة والاجتماع. وفي هذا الشأن، تنشر "العرب" هذه المقالة السجالية.

مجددا يدعونا صديقنا الشاعر نوري الجراح إلى الخروج من أسر ثقافة المونولوج إلى فضاء الحوار والسجال في ظل احترام حق الخلاف والاختلاف وذلك من أجل فهم المشكلات الكبرى التي قيّدت ولا تزال تقيّد مسيرة بلداننا نحو التقدم والتطور، ومن أجل إيجاد الحلول لها قبل أن تتحوّل إلى جدار فولاذي يحول دوننا ودون تحقيق وبناء أسس سليمة للتعاون والتكامل الثقافي بيننا وبين دول الجوار العربي الذي ينبغي أن يتجسّد في المنظومات التربوية وفي مضامين الإعلام وأساليب الحكم الديمقراطي، وتنظيم الأسرة، وعلاقات المساواة بين المرأة والرجل وهلمّ جرّا.


فقاعات الحداثة


إنني أشدّد هنا على ضرورة تجسيد العمل الثقافي في هذه الساحات لأنه بغير ذلك ستبقى الثقافة مجرّد مهرجانات ومظاهر تجارية لا مفعول لها على مشروع تشكيل المناخ الصحي الجديد الذي يساعدنا على إعادة بناء الشخصية القاعدية الثقافية الحديثة والمتطوّرة والديمقراطية للأفراد في بلداننا وفي بلدان دول الجوار.

ففي مقاله المنشور يوم الأحد الماضي 05 /01 /2014 تحت عنوان “عرب وشرقيون في لحظة وجودية فارقة” برزت مسألتان أساسيتان وهما: عدم اكتراث العرب بثقافات الجوار بما في ذلك ثقافات إيران وتركيا وأشكالها التعبيرية المختلفة والمتنوعة على نحو خاص وبثقافات آسيا الوسطى بشكل عام سواء من حيث الترجمة عنها، أو التفاعل مع ما تقدمه من أفكار وأشكال فنية وإبداعية، ورؤى فكرية جديدة وتفعيلها في الحياة اليومية.

الحداثة ليست سوى فقاعات مستوردة استيرادا انفعاليا وانتقائيا ولم يتم غرسها في التربة العربية وبسبب ذلك بقيت العملية مجرد (تقليد) لبعض قشور التحديث الأوروبي الغربي

وفي هذا السياق ينتقد الجراح استغراق العرب في ترجمة عناصر الإنتاج الثقافي والفكري الغربي على حساب الانفتاح على الثقافات الجوارية.ويرى الشاعر نوري الجراح أن السؤال المتصل بعلاقة العرب بثقافات جيرانهم يجب أن يطرح على طاولة النقاش للنظر بجدية في الأسباب التي عطلت ولا تزال تعطل ما ندعوه بالتفاعل الجِواري على مستوى الجبهة الثقافية الحضارية بشكل خاص دون فصل هذه الجبهة عن الجبهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الأخرى التي ينبغي أن يكون التفاعل فيما بينها إيجابيا أيضا.

يعيد الشاعر نوري الجراح أسباب جمود وتجميد الحوار على مستوى الجبهة الحضارية بين العرب وبين دول وشعوب الجوار إلى هذه العوامل التي يحدّدها هكذا: “غلب العرب النزاع السياسي على التفاعل الثقافي مع الجوار، أي انتصروا للآني العابر فيهم على السؤال الحضاري، وللسياسي على الثقافي”.

وهنا يحدّد الشاعر الجراح المسألة بوضوح حيث يرى أن “الموقف من الأتراك مثلا وضعهم غداة سقوط الإمبراطورية العثمانية مطلع القرن العشرين في سلة واحدة، والترك لم يكونوا كذلك إلا لأن الغرب شاء لهم ولنا ذلك”.

وفي هذا الخصوص بالذات يستخلص الشاعر نوري الجراح أن علاقة العرب بالمثال التركي تنسحب “على مجمل الثقافات الشرقية المحيطة بنا، والتي تهتكت بيننا وبينها شتى الخيوط وساد العلاقات بها التباس سياسي بالثقافي، والآني بالمستقبلي”.

والحال فإن هذا الوضع السلبي لم يبق دائرا فقط في الماضي بل إنه يتكرّر مجدّدا في الحاضر على صورة نزاعات سياسية وإيديولوجية تمزق بدورها أيّة إمكانية للتفاعل الثقافي والتحاور الحضاري المتمدّن في إطار إستراتيجية التكامل بين العرب وبين جيرانهم.

النقطة الثانية التي أثارها الشاعر نوري الجراح تتمثل في دعوته المشروعة إلى نقد “الحداثة العربية وفحص ما خالطها من أوهام وما سادها من ركّة باسم الجديد وتهلهل باسم الحرية، واستعلائية باسم الارتقاء، و انقطاع عن الناس باسم المستوى الرفيع وعزلة عن المجتمع باسم إيثار الهامش”.

في الواقع فإن المرء سوف يتساءل بحرقة: أين الحداثة العربية؟ وهل توجد حقا أم أنها ليست في التحليل الأخير سوى فقاعات مستوردة استيرادا انفعاليا وانتقائيا ولم يتمّ غرسها في التربة العربية وبسبب ذلك بقيت العملية مجرّد “تقليد” لبعض قشور التحديث الأوروبي الغربي؟

نحن نعلم جيدا أن هذه القشور المستوردة لم يستطع العرب إلى يومنا هذا دمجها بشكل طبيعي في “البنية النفسية” العربية والسبب في ذلك يتمثل حسب رأيي في وجود التنافر بين عناصر التحديث الذي يعتبر المغامرة الكبرى للقبض على التقدم وبين النسيج الثقافي العربي التقليدي والمتخلف والمتوغل في الوعي واللاوعي الشعبيين، وفي البنيات السياسية والذهنية.

تخطيط: ساي سرحان

نعم إن هذا التنافر قائم لأن هذا النسيج الثقافي المتخلف لا يزال قائما خاصة وأنه قد صار الناظم الأساسي للشخصية العربية القاعدية التي تتجاذبها عناصر الثقافة الجاهلية والبدائية، وعناصر الثقافة الذكورية، وعناصر الثقافة الإسلاموية الطائفية المتطرفة، وعناصر الثقافة العشائرية المغلقة والقبلية النابذة لغيرها، أو القومية المتمركزة مشرقيا في أغلب الأحيان وخاصة أثناء قوة شكيمة التيارات القومية في الساحات السياسية والتربوية والإعلامية في فضاء الشرق العربي وفي بعض جيوب امتداداته في الدول العربية المدعوة بدول الأطراف إلخ.. على أيّة حال فإن موضوع ما يدعى بـ”الحداثة” العربية في حقول الأدب والفكر والفنون والأخلاقيات السياسة أي والحكوماتية طريف وخلافي حقا، وجدير بالنقاش، ونظرا لذلك سوف أخصص له مقالا منفردا في الأسبوع القادم لأن هناك الكثير من الغموض والملابسات والالتباسات والمغالطات التي تحيط بهذا الموضوع.


شعبويات ثقافية


في الحقيقة أجد نفسي متضامنا كلية مع الألم الذي يحسّ به الشاعر نوري الجراح جرّاء حالة الركود القصوى التي نعاني منها على مدى سنوات طويلة جدا فيما يخصّ علاقتنا الثقافية بدول الجوار على مستوى المشرق العربي المتمثلة في الجوار التركي والإيراني على نحو أساسي، والجوار العربي- العربي على مستوى منطقتي المشرق العربي وشمال أفريقيا (الجزائر، المغرب، تونس، ليبيا، وموريتانيا).

وهناك أيضا أوضاع جوارية أخرى تشهد منذ أزمنة طويلة اختلالا في علاقة العرب بها مثل الجوار الأفريقي، والجوار المتوسطي المتمثل في الدول الأوروبية الخمس التي تعتبر تاريخيا بمثابة نقاط التماس الحربي الاستعماري والحضاري والثقافي أيضا.

هنا أريد أن أقول بأنّ حالي يشبه حال الشاعر نوري الجراح حيث أشعر بدوري بالحرقة جراء انعدام “نقطة ارتكاز لقاء حضاري” تلتقي فيها دول الجوار العربية وغير العربية في عرسها الثقافي والحضاري الشبيه بكارنفال المفكر الروسي ميخائيل باختين حيث تتجاور وتتحاور وتتزامن وتتلاقح التنوعات الثقافية والحضارية الخصبة بما يفيد ويحقق والتناصّ، والهجنة المبدعة.

أؤمن إيمانا قاطعا أن إنجاز مثل هذا المشروع مشروط بتفكيك وبفك عقد الماضي النفسية بكل شجاعة أولا، وبأن نتخلص ثانيا من الأنظمة العربية الدكتاتورية في المشرق وفي المغرب كمرحلة انتقالية إلى مرحلة بناء رؤية ثقافية وسياسية جديدة في المنطقة العربية وهي الرؤية القادرة على صنع علاقات ثقافية جوارية أكثر تجانسا وتفتحا وتحضرا وتكاملا واحتراما للتنوعات.

ما هو السبيل إلى خلق فضاء التفاوض الشعبي السلمي المؤسس على الرغبة لتجاوز مخزون هذه (الذاكرات) الجماعية المعبأة بآلام الماضي وخيبات الحاضر

في هذا السياق فإنه ينبغي لنا أن ندرك جيدا أن الدول الجارة للعرب في منطقة المشرق محكومة إلى يومنا هذا بوعي، قليلا، وبدون وعي، كثيرا، بإرث الماضي الثقيل على مستوى كلا الطرفين. فالمتخيل الواعي واللاواعي الإيراني لا يزال ينظر إلى العرب كمحتلين لأرضها في عهد المدّ الإسلامي، كما أن تركيا تشعر الشعور نفسه إزاء عرب المشرق.

وفي المقابل فإن دول الشرق العربي تشعر بدورها أن الحركة الشعوبية قد هدّدتها عبر التاريخ، وأن إيران المعاصرة لا تزال تستولي على جزء من الأراضي العربية المتمثلة في الجزر الإماراتية التي لا تزال تحت قبضة الاحتلال الإيراني بدون حق.

إلى جانب ذلك فإن الإمبراطورية التركية في الماضي لم تكن بردا وسلاما على عرب المشرق بشكل خاص، بل كانت احتلالا في الماضي وهو الاحتلال الذي لا يزال جزء منه قائما كما في حالة احتلال لواء الإسكندرون.

لا شك أن هذا الماضي الثقيل بكل صراعاته القديمة، وذيوله الباقية في الحاضر يؤثر بقوة وبسلبية على تحديد حجم ونوع علاقات الجوار في منطقة الشرق الأوسط.

إننا نقول بهذا لأن دراما الماضي لم تزل من النفسيات لأنَ نفس المسببات لا تزال قائمة، بل إننا نجدها مستمرة وأنها بمثابة المكون الأساسي للمتخيل العربي اللاواعي لمتخيل دول الجوار اللاواعي علما أن مضامين كلا هذين المتخيلين هي التي تنغص وتسمّم علاقات الجوار بين جميع هذه الأطراف.

هنا نتساءل هكذا: ما هو السبيل إلى خلق فضاء التفاوض الشعبي السلمي المؤسس على الرغبة لتجاوز مخزون هذه “الذاكرات” الجماعية المعبأة بآلام الماضي وخيبات الحاضر بين دول وشعوب الجوار في منطقة الشرق الأوسط وفي الفضاءات الأخرى أيضا.

أعتقد أن الإجابة عن هذا السؤال لا تتطلب فقط “التبرّع" الانفعالي بالنوايا الثقافية الحسنة في اللقاءات العابرة، وإنما تستدعي توفر الرغبة النابعة من الإيمان، والإرادة الحقيقية للشروع في علاج كدمات التاريخ وما تبقى منها على الصعيدين المادي والنفسي من جهة، وتوفر البرنامج العملي الواقعي المشترك للمضي قدما في حوار “جواري” يغلب المصالح المشتركة، والوازع الحضاري على براغماتية الانتصار في معارك الشدّ والجذب على الحدود الرملية وكل ذلك تمهيدا للعمل الميداني لتجسيد التكامل والتلاحم الثقافي والاجتماعي وغير ذلك من أنماط التناصّ الذي يحترم الهويات المختلفة.

هنالك نقطة أخرى ينبغي التمعّن فيها وتتمثل في فشل المجتمع المدني الثقافي والأدبي والفكري والفني، ومن كلا الطرفين داخل دول الجوار في تـأسيس دور النشر ومراكز الترجمة، والروابط والجمعيات والاتحادات ذات الطابع الثقافي والفكري والفني، التي تقوم بعملية الحوار والتعاون والتبادل الثقافي بكل تنوعاته.

إنه لحدّ الآن لا توجد مثل هذه المؤسسات المدنية لعدّة أسباب منها أن المجتمعات المدنية عندنا وعند دول الجوار لم تنضج بعد من حيث تنظيم نفسها، وليس لها استقلال ماديّ لأن معظم أفرادها من الشريحة الفقيرة أو الشريحة الوسطى شبه الفقيرة، ولأن الأثرياء سواء عندنا أو عندهم لا يولون أهمية تذكر للشأن الثقافي والفني والفكري، وجراء ذلك فهم لا يساعدون ماديا ولا معنويا بأيّ شكل من الأشكال لإنجاز حركة تفاعل ثقافي وفكري وفني بما في ذلك التفاعل عن طريق الترجمة على مستوى المنطقة التي تتشكل منها دول الجوار العربي والإيراني والتركي.

يجب أن يطرح سؤال علاقة العرب بثقافات جيرانهم على طاولة النقاش للنظر بجدية في الأسباب التي عطلت التفاعل الجواري على مستوى الجبهة الثقافية الحضارية

وبخصوص التفاعل الثقافي بين دول الجوار دائما فنحن نرى أن ثمة انقطاعا بين الدول المغاربية نفسها جرّاء المناوشات على الحدود الموروثة عن الاستعمار، وجرّاء مشكلة الصحراء الغربية بين الجزائر والمغرب من جهة، ومن جهة أخرى هنالك تجاهل المشرق العربي لما يحدث من حركة ثقافية وفكرية في المنطقة المغاربية في أغلب الأوقات. ولا بدّ من التذكير هنا بأن الجامعة العربية لم تحصد سوى الفشل على جبهة إقامة حركة ثقافية وفكرية وفنية ذات امتدادات شعبية عميقة في الفضاء العربي من الماء إلى الماء.

وأكثر من ذلك فلا بدّ من الإقرار بالاعتراف بأخطائنا الاستراتيجية المتمثلة في إدارة العرب ظهرهم لأفريقيا العميقة ثقافيا وسياسيا واقتصاديا وسياحيا، حيث أنه لا توجد جسور للتعاون والتفاعل الثقافي العربي الأفريقي، علما أن الجزائر قد بدأت فور الاستقلال بالتفتح على أفريقيا من خلال إقامة المهرجان الثقافي الأفريقي كنواة أولى ولكن الحكومات الجزائرية المتعاقبة بعد وفاة بومدين تخلت كليّا عن استراتيجيتها الإفريقية وعوضتها بفولكلوريات ومهرجانات الرقص البدائي وشعبويات ثقافية تافهة كما يحدث الآن في عهد نظام الرئيس بوتفليقة ووزيرته للثقافة خالدة التومي.

أما علاقتنا الثقافية بالدول الأسيوية العظمى مثل الصين واليابان والهند وكذلك مع الدول الأسيوية المحورية أمثال باكستان واندونيسيا، ومع دول النمور الاقتصادية فهي علاقة هشة جدا بل مجرّد دبلوماسية شكلية ولا ترقى أبدا إلى مستوى التفاعل والمثاقفة والخبرة المتبادلة علما أن هذه الدول هي دول “جوار حضاري” لنا على أساس اشتراكها وشراكتها التاريخية في عنصرين مهمّين جدا وهما أسلوب الإنتاج الآسيوي وخصوصياته الثقافية ومقاومة الاستعمار الغربي سابقا.

15