ماذا فعل سماحة السيد حسن نصرالله

الأحد 2016/03/06

يقول مايكل هوارد، أستاذ التاريخ السياسي، “تتعاظم القوة لدى القائد حتى يصاب بالعمى، عند ذلك يصبح كل شيء مفاجئاً”. هذا ما حصل مع سماحة السيد حسن نصرالله، أمين عام حزب الله. فقد ارتكب سماحة السيّد غلطة عمره وأساء بغلطته تلك لنفسه ومكانته وحزبه ومذهبه وأنصاره وحلفائه من الأفراد والدول، وأساء إلى لبنان دولة وحكومة وشعباً. تكررت أخطاء الحزب وأمينه العام نتيجة الشعور بالقوة حتى حدثت الغلطة الكبرى، وهناك فرق كبير بين الخطأ والغلط، كما يقول الحكماء.

هذا الفرق يدركه سماحة السيد حسن تمام الإدراك ويعرفه حق المعرفة. كل سياسي أو قائد يملك في جعبته أو رصيده غلطة واحدة، أو طلقة واحدة، تكون هي القاضية، وهذا ما حدث لأمين عام حزب الله وسيد المقاومة. فقد أوصلت تلك الغلطة سماحة السيّد إلى نقطة اللاعودة، وفي ظننا أنه أصبح بعدها عبئاً على نفسه، وحزبه، والمذهب الشيعي في داخل لبنان وخارجه، وعلى الدولة اللبنانية بكل أطيافها وطوائفها، وعلى حليفته سوريا، وحتى على إيران الأب الروحي والسياسي لسماحة السيّد.

يغبط الكل إجمالاً، ويحسد البعض تقريباً، سماحة السيد حسن نصرالله، على عدة سمات أهمها سمتان: (1) حسن القراءة وتقدير الموقف السياسي الداخلي والإقليمي والدولي؛ (2) حسن الخطابة والبيان والمنطق وحسن صياغة المفردات. لكن أمين عام حزب الله فشل مؤخراً في الأمرين: القراءة؛ والبيان، فكانت مواجهته مع الدولة الخطأ، والرموز الخطأ، والحدث الخطأ، والتوقيت الخطأ، والظروف الخطأ، والمرحلة الخطأ، فحدثت “الغلطة الكبرى”.

اتخذ أمين عام المقاومة موقفاً معاديا للسعودية منذ حرب العام 2006، وكان ذلك رأيه وموقفه ورؤيته، بصرف النظر عن صواب أو خطأ ذلك الرّأي أو الموقف أو تلك الرؤية؛ كما صعّد سماحة السيد من لهجة خطابه ضد السعودية والخليج منذ قرار حزب الله الدخول كطرف رئيسي في الأزمة السورية لكن ذلك شأن لبناني بحت يتحمّل هو والحزب والدولة اللبنانية أجر ذلك القرار أو وزره، ثم تصاعدت لهجة الخطاب ونبرة الصوت المعادي للسعودية ورموزها والتشكيك في مبادئها وقيمها منذ بدء “عاصفة الحزم” في اليمن حتى وصل الأمر إلى الخطاب الأخير فكان القشة التي قصمت ظهر البعير.

غلطة الأمين باهظة

أوقفت السعودية الهبة التي سبق أن منحتها للجيش اللبناني والقوات الأمنية بعد موقف لبنان الدولة الخارج عن الإجماع العربي والإسلامي في استنكار وشجب الاعتداء الذي تم على السفارة والقنصلية السعودية في طهران ومشهد، وكان الإيقاف حقا أصيلا للسعودية كدولة مستقلة ذات سيادة بصرف النظر عن صواب أو خطأ المنح أو الإيقاف؛ منعت السعودية سفر مواطنيها الى لبنان، وطلبت من مواطنيها مغادرة لبنان كإجراء احترازي، وهذا أيضاً تقدير تختص به الحكومة السعودية للمحافظة على مواطنيها، بصرف النظر عن تأويل أو تهويل ذلك التقدير.

ما حدث هو سجال سياسي وقرارات حكومية سيادية، وفعل وردّ فعل يحدث دائماً بين الدول ومن صميم العلاقات الدولية. لكن سماحة السيّد حسن نصرالله أقحم نفسه وحزبه من منطلق شعور ذاتي بالقوة وتعاظمها، ففوجئ بالقرارات السعودية ورأى فيها استهدافاً له وللحزب وللمقاومة ولإيران، فانبرى للهجوم على السعودية ورموزها والتشكيك في مواقفها ومبادئها وقيمها، فاضطرت السعودية إلى فتح ملف الحزب، الذي أجّلت فتحه طويلاً، وقررت تصنيفه منظمة إرهابية أسوة بالمنظمات المماثلة.

يزعُم سماحة السيد كأمين عام لحزب الله أنه عندما يتصرف منفرداً في الشأن الداخلي أو الخارجي إنما يقوم بذلك إكراماً لحلفائه وأصدقائه وعدم إحراجهم. حسناً، قد يكون ذلك التصرف مقبولاً كنوع من السجال والممارسات السياسية الداخلية أو لعب ما يسمّى تبادل الأدوار في الشأن الداخلي، فيتصرف فرد أو حزب سياسي معيّن بمعزل عن حلفائه لرفع العتب أو المسؤولية عنهم. لكن ذلك ممنوع ومرفوض بالمطلق في الشأن الخارجي. فالعلاقات الدولية تقوم على علاقة بين دول تمثلها حكومات، ونجزم بأن سماحة السيّد حسن نصرالله يعي هذا الجانب جيداً. الأخطر من ذلك، أن حزب الله ليس حزبا سياسيا فقط، بل مؤسسة عسكرية تملك أسلحة فعّالة ذات تأثير على ميزان القوى في الداخل اللبناني وخارجه، ونظن أن الأمر اختلط على أمين عام حزب الله، في الفرق بين ممارسة الحزب والدولة، كما سبق أن اختلط على الساسة في إيران التفريق بين ممارسات الثورة والدولة، وهنا مكمن الخطر والخطورة.

يقبل المجتمع الدولي بالعديد من الكيانات والمكوّنات خارج إطار الدول في المجال السياسي والحقوقي والقانوني والبيئي والفنّي والتقني ويطلق عليها “اللاعبون من غير الدول”، مثل منظمات حقوق الإنسان، وأطباء بلا حدود، والسلام الأخضر وغيرها. لكن المجتمع الدولي لا يقبل بحال من الأحوال أيّ كيانات أو مكونات ذات صبغة عسكرية، فامتلاك السلاح وشنّ الحروب هو خاصية تملكها الدول بشكل حصري.

ولذا قام المجتمع الدولي بتصنيف عدد من الكيانات والمكونات ووصفها بـ”الإرهاب”، مثل الإخوان المسلمين، وحزب العمال الكردستاني، والقاعدة، وتنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، وبوكوحرام، وحتى حزب الله، وكثير من الأسماء التي تنتشر في العالم. ولذا فإن تصنيف السعودية ودول مجلس التعاون ومجلس وزراء الداخلية العرب حزب الله كمنظمة إرهابية، كان منسجماً، حتى لو أتى متأخراً، مع عرف بات من ممارسات المجتمع الدولي.

حاول سماحة السيّد حسن نصرالله في خطابه الأخير أن ينهى بعضا من أتباعه وشيعته الذين نزلوا إلى الشارع أو يتفاعلون مع وسائل التواصل الاجتماعي، أن يحذروا السباب والشتائم والتعرض للرموز لأن ذلك حرام وفيه إساءة للذات قبل الغير. حسناً سماحة السيّد، كيف تتماشى تلك النصيحة مع السب والشتائم والإساءة التي وجّهتها أنت للسعودية وحكامها؟

وهل تقبل أنت يا سماحة السيّد، أن يكيل أحد السب والشتائم والإساءة لسماحة المرشد الأعلى في إيران باعتباره رمزا تفاخر به، أو للإمام موسى الصدر، أو أيّ من رموز المقاومة الذين ما فتئت تحيي ذكراهم، أو هل يقبل أتباعك أو محبوك أن تتم الإساءة لك؟ الجواب معروف، فلكل دولة وشعب وأمة، يا سماحة السيّد، رموزها الدينية والسياسية والاجتماعية والثقافية ولن يقبل ذلك الشعب الفصل بينه وبين رموزه أو الإساءة لهم. المثير، أن السيّد حسن ذهب إلى أبعد من ذلك، فأعلن توقه وغبطته لمواجهة السعودية والهجوم عليها أكثر من مواجهة العدو الصهيوني. لكن شاعرنا العربي يقول:

كان بإمكان السيد حسن نصرالله، أن يكون جسر السلام والتفاهم والإخاء بين العرب وتحديدا بين السعودية وإيران في الأزمة السياسية الأخيرة، وتقريب وجهات النظر وجمع الحكماء في الدولتين

لسان الفتى نصف ونصف فؤاده

فلم يبق إلا صورة اللحم والدمِ.

يشكل آل سعود، يا سماحة السيّد، في السعودية رمزاً من رموز الدولة والمجتمع على حدّ سواء، كما يشهد لهم التاريخ المعاصر أنهم من رموز العالم العربي والإسلامي والدولي بصرف النظر عن الحبّ والكراهية لهم كحكّام أو للمجتمع الخليجي بشكل عام، من بعض الشعوب العربية الأخرى التي عملت الأنظمة الثورية والقومجيون العرب خلال عقدي الخمسينات والستينات الميلادية في الحواضر العربية: بغداد ودمشق والقاهرة، على تشويه صورة عرب الخليج (الأعراب) وحكّامهم، فنشأت حالة شوهاء يمكن توصيفها بعلاقة “الحب/الكره”، واستمرت تلك العلاقة المتضادة والمنفصمة في أذهان وعقول قادة تلك المجتمعات حتى يومنا هذا، وقد تختفي تارة وتظهر للعلن تارة أخرى، لكنها واضحة جليّة في أحاديث الغرف المغلقة. الحب والكراهية، يا سماحة السيّد، هي مشاعر عاطفية لا يجب أن تؤثر على الأمانة والإنصاف والعدل. يقول الحق سبحانه وتعالى ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ، وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا، اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ، وَاتَّقُوا اللَّهَ، إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ” (الآية 8، سورة المائدة).

يمثل سماحة السيّد حسن نصرالله، شخصية سياسية كارزماتية، وخطيبا مفوّها، ووجها مشرقا للنضال لحقبة من تاريخ لبنان والعالم العربي المعاصر.

كما أنه قائد لحزب ينضوي تحته مئات الآلاف من إخواننا وأحبّائنا من الطائفة الشيعية في لبنان الذين يهيمون في سماحة السيّد حباً واحتراماً وولاء كرمز نضالي. كما يرى فيه الملايين من الشيعة في الوطن العربي رمزية قد تعوّضهم نفسياً، على الأقل، في كثير من جوانب مظلوميتهم التي لطالما جاهروا بها.

وكان حرياً بسماحة السيّد، أن يكون صاحب موقف إيجابي لحزبه وأتباعه وللبنان والعرب وإيران أيضاً. كان بإمكان السيّد حسن نصرالله، أن يكون جسر السلام والتفاهم والإخاء بين العرب والسعودية تحديداً وبين إيران في الأزمة السياسية الأخيرة، وبدلاً من اتخاذ موقف صدامي مع السعودية حميّة لإيران، أن يكون رسول سلام لتقريب وجهات النظر وجمع الحكماء في الدولتين على طاولة واحدة. فالسعودية وإيران بحاجة ماسة للتهدئة والسلام والوئام، وفي ظنّنا أن مثل هذا العمل لو تم من السيّد حسن نصرالله، لأصبح أمين حزب الله، ليس سيّد المقاومة فحسب، بل وسيّد الإخاء والسلام. لكنه ضنّ بذلك على أمته، يقول الشاعر:

ومن يك ذَا فضل فيبخل بفضله

على قومه يُستغن عنه ويُذمم.

تضطلع السعودية اليوم بأكبر وأعظم وأخطر مسؤولية في تاريخها، فهي الدولة العربية الوحيدة المتبقية في النظام العربي، بعد خروج العراق وسوريا ومصر ولو بشكل مؤقت، في وقت تتكالب فيه قوى إقليمية، إيران وتركيا وإسرائيل، على جرّ دول عربية أو جزء منها إلى دائرة نفوذها، ومرحلة تتنافس فيه قوى عظمى، روسيا وأميركا، على اختطاف المنطقة وإعادة تقسيمها وتجزئتها. فهل من المنطق الإستراتيجي أن يقوم سماحة السيّد حسن نصرالله في هذه الفترة بخلق أعداء، أو يكون المقوّض أو العدوّ من الداخل اللبناني والعربي ضد الجهود والمهمة السعودية، فيحرج لبنان وشعبها وتياراتها وطوائفها؟

ألم يطالب أمين عام حزب الله بالحياد الإيجابي إبّان حرب 2006، على مبدأ “قل خيراً أو اصمت”؟ ألم يقرأ سماحة السيّد حسن نصرالله التوجيه الإلهي في التنزيل الحكيم: ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ” (الآيتان 2 و3 سورة الصف)، ألم يسمع أمين عام حزب الله ببيت الشعر العربي: لا تنه عن خلق وتأتي مثله *** عار عليك إذا فعلت عظيم؟

كنّا قبل أيام في حوار مع الأستاد إبراهيم بيرم، والأستاذ شارل جبور، في ضيافة الإعلامية المتميزة فدى بسيل على قناة العربي الفضائية نناقش حزب الله وتصنيفه منظمة إرهابية وانعكاسات ذلك على لبنان الدولة والمجتمع. قلنا حينها ونكرر، إن لبنان قويّ بحضارته وعقول رجاله الشرفاء المخلصين، الذين لديهم من مخزون الابتكار والإبداع ما يمكّنهم من صياغة أسس جديدة لسياسة جديدة تقوّي مفهوم الدولة والمؤسسات والمجتمع. فبعض الأسماء والأفرقاء الذين يحسبون أنفسهم على السعودية والخليج فشلوا في إدراك حساسية المرحلة وباتوا جزءاً من المشكلة ويتحملون الجزء الأكبر من المسؤولية في اختلال التوازن الداخلي، بل نقول إن صلاحيتهم قد انتهت، ومن صالح لبنان الدولة والشعب أن يغيّروا كل تلك الأسماء بربيع عربي سلمي أو بعصف ذهني رفيع يرفض الأفراد والأسماء ويبقي على الدولة والمؤسسات.

أخيراً، ارتكب سماحة السيّد حسن نصرالله العديد من الأخطاء نتيجة شعوره بتنامي القوة فأصيب قلبه ورشده بالعمى، يقول الحق سبحانه وتعالى: “… فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلكن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ”. (الآية 46، سورة الحج)، ومع العمى ارتكب أمين عام حزب الله “الغلطة الكبرى” فجاءت كل ردود الأفعال مفاجئة، عندها فَقَدَ سماحة السيّد قدرته على قراءة الأحداث وتقدير الموقف والإحساس بالمرحلة ودقتها وحساسيتها وانعكاساتها ومآلاتها.

ولذا فقد بريقه، وذاته، وسيفقد أنصاره ومحبيه وحلفاءه شيئاً فشيئاً، لأنه أضحى عبئاً ثقيلاً في رحلة ومسيرة دولية سياسية تحكمها المصالح، ولن تتوقف تلك المسيرة عند سماحة السيّد، أو حزب الله، أو لبنان، فالرحلة أكبر وأعقد وأعمق من ذلك كله. يقول شاعرنا العربي:

ومن لم يصانع في أمور كثيرةٍ

يضرّس بأنياب ويوطأ بمنسمِ.

ختاماً، آلِ سعود رمز من رموز الدولة السعودية التي وجدت في العام 1932 لتبقى، بالرغم من حملات التشكيك التي لم تتوقف منذ الخمسينات والستينات حتى اليوم. أما سماحة السيّد حسن نصرالله، فيعلم قبل غيره أن الدول تبقى لكن الأفراد والأحزاب تكفيهم غلطة واحدة لتؤدي بهم إلى الزوال. يقول شاعرنا العربي:

وإن سفاه الشيخ لا حلم بعده

وإن الفتى بعد السفاهة يحلمِ.

كاتب سعودي

5