ماذا قال عمر للغزالة

الأربعاء 2014/11/12

في فبراير 2012 ، كان من أول ما بادر به الإخوان في ليبيا هدم تمثال جمال عبد الناصر في بنغازي من باب الثأر التاريخي من الزعيم الخالد، وعندما عبّر ليبيون ومصريون وعرب عن غضبهم، قيل بأن شبابا ثوريا مندفعا هو الذي هدم التمثال بعد تلقيه معلومات عن وجود كنوز من الذهب كان القذافي قد أخفاها تحته عمدا، وطبعا ضحك من سمع الرواية وبكى من استشفّ ما وراءها.

ومنذ أيام، أفاق سكان طرابلس على خبر اقتلاع تمثال “الحورية والغزالة” الشهير بالعاصمة الليبية والذي يعتبر من أهم معالمها الثقافية، يعود تاريخه إلى العام 1936 عندما صمّمه الفنّان الإيطالي أنجلو فانيتي زمن احتلال بلاده لليبيا، وجعل منه لوحة فنية تجسّد امرأة تمسك جرّة وتعانق غزالة، ومنذ ذلك الوقت والتمثال باق في مكانه، يرتوي من مياه النافورة الملحقة به، مرّ بزمن الملك إدريس السنوسي وبعهد القذافي دون أن تمتدّ إليه يد بسوء، ولكن ومع نسائم الربيع العربي التي ذهبت بقوم وجاءت بآخرين، عانت الحورية والغزالة من التهديدات بإزالتهما منذ العام 2012، وفي أكتوبر الماضي أصابت شظية أربي جي التمثال، قبل صدور القرار الحاسم باقتلاعه تماما من قاعدته في ليلة ظلماء.

أحد الأصدقاء أكد لي أنه وجّه رسالة إلى أحد أصدقائه في “فجر ليبيا” يسأله فيها عن سبب اقتلاع “الحورية والغزالة” فجاءه الرد في رسالة واضحة: “ألم تر أنه تمثال فاضح يتناقض مع الحشمة والحياء ويتنافى مع قيم الدين؟”.

وبعد يومين، تمت سرقة تمثال يجسّد شخصية شيخ الشهداء عمر المختار وهو يمتطي صهوة جواده، من أمام المجلس البلدي لمدينة الماية غربي طرابلس.

قبل ذلك، تعرّضت الأضرحة والقبور إلى النبش والهدم وأحيانا إلى الحرق في ظل هتافات “التكبير”، وشهدت أقدم الرسوم والكتابات الهيروغليفية على جبال الأكاكوس التي يعود تاريخها إلى عشرة آلاف عام، إلى الطمس جنوب ليبيا ممّا عرّض جزءا مهما من ذاكرة البشرية إلى التلف من قبل جماعات متشدّدة، وتعرّضت مكتبات بكاملها إلى إضرام النار فيها، وتحوّلت الآثار التاريخية إلى تجارة رائجة نحو الغرب والشرق.

قد يبدو الأمر غريبا، ولكن سقوط بغداد في العام 2003 اقترن بنسف تمثال المتنبي، ودخول متشددين إلى مدينة إدلب السورية في 2013 اقترن بقطع رأس تمثال أبي العلاء المعرّي بدعوى اعتقادهم أنه من أجداد بشّار الأسد الأوائل، ثم تتالت عمليات القصف المركّز لكل ما هو أثري وتاريخي وفنّي وراق.

سألت نفسي: في أي مخزن أو بيت أو حقل يوجد حاليا تمثالا “الحورية والغزالة” و”عمر المختار” المقتلعان من جذور الذاكرة؟ وماذا يقول كلّ منهما للثاني؟ ثم استعدت رشدي وفهمت أن الجماعة لن تقبل بوضع أنثى مع ذكر حتى ولو كانا من حجر.

24