ماذا قال لي الرئيس بومدين عن الشعر والمثقفين

الاثنين 2014/05/19

في عام 1975 انعقد بالجزائر مؤتمر الأدباء العرب ومهرجان الشعر، وبهذه المناسبة خص رئيس الجزائر في ذلك الوقت هواري بومدين، الكتاب والأدباء العرب باستقبال، وعشاء على شرفهم وكنت واحدا منهم.

أذكر أنه في اللحظات الأولى التي رأينا فيها الرئيس بومدين بقامته المديدة يدخل من بوابة قصر الصنوبر للمؤتمرات اتجه إليه الوفد المعين لاستقباله وكنت عضوا فيه إلى جانب الأمين العام لاتحاد الكتاب والأدباء العرب وعدد من الأدباء منهم يوسف السباعي وصلاح عبدالصبور، ومحمد الأخضر السائحي، ومفدي زكريا والباحث عبدالله ركيبي الذي كان يقوم حينذاك مقام الأمين العام التنفيذي لاتحاد الكتاب الجزائريين الذي كان رئيسه الفعلي الشاعر والروائي الجزائري مالك حداد.

من بين الأدباء العرب الذين حضروا ذلك العشاء أذكر محمد مهدي الجواهري بطاقيته وممدوح عدوان وسلمى الخضراء الجيوسي ولميعة عباس عمارة، والناقد خلدون الشمعة، وغيرهم.

أثناء استقبالنا للرئيس بومدين أمام مدخل قصر الصنوبر قدمني إليه عبدالله ركيبي بقوله إنني من الشعراء الجزائريين “الشباب” فسلم عليَ وسلمت عليه وبسرعة قال بومدين مازحا: “كيف تسمح أن تدعى أديبا شابا وشواربك قادرة أن تكتف جمل الصحراء؟”
لم أعلق على هذه المزحة ولكنني شرعت في الكلام وبحماس واندفاع الشباب وطلبت منه أن يعطي مكانة معتبرة للمثقفين والأدباء وتنصيبهم في أعلى هرم المؤسسات الثقافية والتربوية الكبرى حتى تسنح لهم الفرصة لقيادة قطار البناء الحضاري.

نظر بومدين إليَ بعينيه الحادتين طويلا ثم سألني: “ماذا تعمل وأين؟ فأجبته بأنني مدرس بمدرسة ريفية، وبصرامته المعهودة فيه قال لي: “ابق في منصبك كمدرس في قريتك النائية التي جئت منها لأن كل الشعراء العرب الفحول هم من أصول ريفية”، ثمَ أضاف هذه الجملة: “إذا انتقلت إلى مؤسسات المدن التي ذكرتها فإنك ستصاب وسيصاب معك شعرك بالتلوَث”.

ختم بومدين كلامه قائلا: “إن المثقفين الذين تتحدث عنهم لا يفعلون سوى القيام بعمل الوساطة بين السلطة وبين الشعب، فهم ينقلون عنهم خطأ وينقلون عنَا خطأ”.

مرَت الأيام بعد رحيل بومدين فإذا بي أعترف أن ما قاله لي لا يخلو من الحقيقة وصرت أدرك أن ما يسمى بالمثقفين ببلداننا يكتفون بالوساطة المضللة بين الشعب وبين الحكام، كما أن أغلبهم يتميزون بسلوك الحرباء ويصبحون ألعن من الحكام عندما يصلون إلى سدّة المسؤوليات.


كاتب من الجزائر

15