"ماذا لو؟" دراما كويتية تتجاوز الخطوط الحمراء

مسلسل يتمرّد على الأداء والصيغ التقليدية للمعالجة الدرامية الخليجية، بداية من المحظورات وتجاوز الخطوط الحمراء.
الجمعة 2020/01/24
نظرة غامضة نحو المجهول

“ماذا لو؟” كان واحدا من بين ثلاثة أعمال درامية كويتية عرضت على شبكة نتفليكس هذا الموسم، إلى جانب المسلسل اللبناني “الكاتب”، كما عُرض المسلسل الكويتي على قناة “أم. بي. سي” بالتزامن مع عرضه على نتفليكس خلال شهر رمضان الماضي، ويعاد عرضه حاليا على الفضائية السعودية “أس. بي. سي”.

ينطوي المسلسل الكويتي “ماذا لو؟” على مساحة من التجريب، ومستويات مختلفة من السرد الدرامي تحمل تمرّدا على الأداء والصيغ التقليدية للمعالجة الدرامية الخليجية. وتبدو ملامح هذا التمرّد بداية من المحظورات وتجاوز الخطوط الخليجية الحمراء، فسقف الرقابة هنا بدا متحركا إلى حد بعيد قياسا بما تعوّدنا عليه في الدراما الخليجية الأخرى.

وتشمل هذه المحظورات التي تجاوزها المسلسل جوانب وملامح عدة يمكن أن نلمحها خلال المشاهد الأولى في المسلسل، كالمشهد الذي جمع مثلا بين النجمة السعودية أسيل عمران والفنان الكويتي علي الحسيني. فبعد قصة حب ملتهبة جمعت بين البطلين تقرّر أسيل عمران الانفصال عن حبيبها، لنرى مشهدا غراميا حزينا يتضمن وداعا رومانسيا تضع خلاله البطلة قبلة على جبين البطل. ومع أن المشهد يبدو عاديا، إلاّ أنه يبدو غريبا بعض الشيء عن أجواء الدراما الخليجية، التي تتجنب مثل هذه المواقف أو المعالجات للمشاهد الرومانسية.

لم يقتصر الأمر على هذا المشهد فقط بل تعدّدت المشاهد التي تحوّلت إلى مادة خصبة للجدل والنقاش على مواقع التواصل الاجتماعي والصحافة المقروءة، بل مثلت مادة خصبة أيضا لبرامج التغطيات الدرامية في الفضائيات العربية، فقد اتهمه البعض بعدم احترام التقاليد الخليجية المحافظة، بينما راح آخرون يدافعون عن المسلسل، مرحبين به كأول مسلسل يتجاوز هذه الرقابة الصارمة على الأعمال الدرامية.

و”ماذا لو؟” من إخراج حسين دشتي وتأليف فيصل البلوشي وقدّم له المعالجة الدرامية عدنان بالعيس، وتشارك فيه نخبة كبيرة من الفنانين والفنانات من الكويت والدول العربية بينهم الفنان الأردني منذر رياحنة والسعودية أسيل عمران، والعراقية روان مهدي وكريم المهندس من مصر، وكل من محمد الشطي وضاري عبدالرضا وعبدالله عبدالرضا وخالد أمين والطفلة غرور صفر من الكويت.

على مستوى المعالجة والسياق الدرامي تطالعنا حبكة غير مألوفة في الأعمال الخليجية، فالمسلسل يقدّم مسارين مختلفين للأحداث. فهو يدور حول أربع حكايات مختلفة، تتقاطع في بعض الجوانب وتبدو منفصلة في جوانب أخرى.

الحكاية الأولى تدور حول الطبيب حسن الذي يلعب دوره الفنان خالد أمين والذي يعيش مع ابنته التي تعاني من إعاقة حركية (غرور صفر) بعد أن تخلت عنها أمها. يحدث أن يجد الطبيب نفسه في الطريق أمام ضحيتين لحادث سيارة، فيقرّر إنقاذ إحداهما دون الأخرى لأسباب غير معلومة. والشخص الذي أنقذه الطبيب يلعب دورا مؤثرا في حياته اللاحقة.

المسلسل ينطوي على مستويات مختلفة من السرد حملت تمرّدا على الأداء والصيغ التقليدية في الدراما الخليجية

الحكاية الثانية تدور حول الشاب جراح الذي يلعب دوره الفنان عبدالله عبدالرضا والذي يعاني من سطوة أبيه وقسوته الشديدة. حين يعثر جراح على حقيبة مليئة بالأموال يعتبر أن هذه فرصته للتخلص من سطوة أبيه، فلا يسلّم الحقيبة إلى المخفر ويحتفظ بها لنفسه ما يضعه في مواجهة الكثير من المشاكل غير المتوقعة.

والحكاية الثالثة حول محمود (منذر رياحنة) وزوجته آلاء (روان مهدي) اللذين تنقلب علاقتهما الدافئة رأسا على عقب حين يكتشف الزوج إصابته بالسرطان، فيقرّر التوقف عن العلاج حتى يموت في هدوء ولا يطيل عذاب زوجته كما يعتقد.

أما الحكاية الرابعة فتدور حول غالية التي تلعب دورها أسيل عمران وحبيبها فيصل (علي الحسيني) اللذين يفترقان ويتحرك كل منهما في مسار مختلف عن الآخر رغم ارتباطهما العاطفي.

هذه الحكايات الأربع تنتهي نهايات حزينة عند الحلقة الخامسة عشرة، لتبدأ نفس الحكايات من جديد خلال الحلقات الخمس عشرة المتبقية، ولكن وفقا لمسارات مختلفة عن سابقتها. تتغير مسارات الأحداث بناء على اختيارات مختلفة كان يتمناها أبطال العمل، وكأنها فرصة أخرى لهم لصوغ حياتهم من جديد.

يطرح المسلسل على هذا النحو تساؤلات عدة حول اختياراتنا الشخصية وعلاقاتنا بالآخرين. كما يتتبع العمل في جزئه الآخر مسار هذه الاختيارات ونتائجها، وهل ستكون بالفعل أفضل لأصحابها كما يتصوّرون؟

محمود مريض السرطان يختار هنا أن يُكمل علاجه ويبقى إلى جوار زوجته مهما كانت النتائج. أما فيصل وغالية فيقرّران تحدي الظروف والارتباط معا، وكذلك جراح يختار أن يسلّم حقيبة الأموال التي عثر عليها إلى المخفر ويعود إلى بيت أبيه مرة أخرى، أما الطبيب حسن فيقرّر إنقاذ الرجل الآخر الذي تركه أسفل السيارة وندم على تخاذله في إنقاذه. ومع هذه الاختيارات التي تمناها أصحابها لمسار حياتهم تواجههم نتائج غير متوقعة ولم تكن في الحسبان.

يتسم المسلسل بطابع تشويقي، وتبرز فيه كادرات التصوير كإحدى الجماليات البصرية التي استخدمها المخرج في إدارة العمل.

ويمكن أن نضيف إلى ذلك الموسيقى التصويرية أيضا، التي كان لها وقع مؤثر، كما أن الحوار والسرد بدَوَا سلسين إلى حد كبير، كما أجاد الفنانون المشاركون لعب أدوارهم، من دون افتعال زائد عن الحد.

ورغم هذا التوفيق في إدارة العمل بشكل جيد، تطالعنا بعض الأمور التي كانت تحتاج إلى تفسير مقنع فيما يخصّ الحبكة الدرامية، ففي مشهد إنقاذ الطبيب لضحيتي الحادث، مثلا، يبرز أمامنا تساؤل حول فرضية اختياره إحدى الضحيتين ليقوم بإنقاذها، فما الذي منعه من إنقاذ الضحيتين معا؟

هو مجرد تساؤل بريء موجه لصناع العمل، لا ينفي استحقاقه للإشادة كعمل درامي مختلف ومتميز أيضا.

16