ماذا لو اغتيل السيد حيدر العبادي

الثلاثاء 2015/05/26

بصرف النظر عمّا إذا كانت الصدفة، الحاجة، الكفاءة، قد جاءت بالسيد العبادي إلى رئاسة مجلس الوزراء العراقي، أو أن أميركا اعتمدت استراتيجية استبعاد الصقور (نوري المالكي، أسامة النجيفي..) والمجيء بـ“الحمائم” فؤاد معصوم، الذي لم يوافق تسعة من أعضاء مكتبه السياسي على ترشيحه لرئاسة الجمهورية، وسليم الجبوري الذي لا يؤهله تاريخه السياسي وخبرته لمنصب رئاسة البرلمان العراقي، فإن حيدر العبادي حُسب على الحمائم ومنحته أميركا تأييدها، وأنعم عليه أوباما في 20 أيار الجاري لقب “المخلص والملتزم بدولة عراقية تشمل الجميع”. والواقع أن الرجل حقق حضورا دوليا لافتا، وطرح بنود اتفاق سياسي حظي بموافقة كل الأطراف.. حيث أسرع في تنفيذ عدد منها ثم تباطأ وتعثر لتعقّد الوضع السياسي في العراق.

في الشهر الأول من توليه السلطة عاش السيد العبادي حالة مأزقية.. فأمين حزبه (المالكي) وقف بالضد منه يوم جرى ترشيحه لرئاسة الوزراء، ووصف العبادي بأنه يمثل نفسه.. بل إن الأمر وصل إلى (تجييش) حزب الدعوة ضد ترشيح العبادي.. ولنا أن نتذكر تهديدات ما أطلق عليهن (حريم السلطان).. وقول إحداهن “ستكون شوارع بغداد دمايات إن ترشح أحد غير المالكي”.

وكان للمأزق بعدان، سيكولوجي سياسي.. خلاصته أن السيد المالكي رأى أن صاحبه (العبادي) غدر به وأطاح بطموحاته التي صورت له أنه زعيم من نوع فريد، وشعر بحيف أو حقد سيولّد لديه دافع انتقام، لا سيما إذا نجح العبادي فيما لم ينجح هو فيه.. وهذه حقيقة أدركها العبادي نفسه حين شعر يومها بمخاوفه التي دفعته إلى إعلانها صراحة في كربلاء: (يريدون قتلي.. ما يهمني).

هذا يعني أن أمر اغتياله وارد، وأنه لا السنة سيفعلونها ولا من عادة الكرد اغتيال خصومهم السياسيين العرب، إنما اللغط يدور حول دولة القانون وحزب الدعوة تحديدا، وأن الشخص الذي ستحوم حوله الشبهات، إن حصل الاغتيال، هو السيد نوري المالكي، حتى لو أن المحاولة قامت بها جهة أخرى تريد إيقاع الفتنة بين القوى السياسية الشيعية، أو أن المالكي أو من يوعز له، يدبر له مكيدة ينسبها إلى جهة سنية، كردية، داعشية، إسرائيلية.. تعيده ثالثة إلى رئاسة الوزراء.. وهناك ما يشير إلى أن نشاطه السياسي الحالي وتصريحاته النارية الأخيرة.. (ستكون بحورا من الدم) بخصوص نوايا أميركا في تسليح السنة.. يسير في هذا الاتجاه.

ورغم ما أشيع من أن العبادي سيستقيل من حزبه وأنه سيشكل حزبا جديدا، فإن الحقيقة المؤكدة هي أن حزب الدعوة يمر الآن بحالة استقطاب بين المالكي والعبادي، أوصلت الأخير إلى نهاية مرحلة إشكالية عاشها مع السيد المالكي بوصفه أمين حزبه وأن عليه أن يأتمر بأمره.. فيما هو يريد تحقيق إجراءات تعارض رغبة المالكي.. كان أبرزها ما قام به من إصلاحات في أخطر مؤسستين بالدولة، الدفاع والداخلية.. اضطره مأزقه لأن يعتمد إجراء الإعفاء في تلك الإصلاحات وليس مبدأ العقاب والثواب.. في رسالة تحمل معنى ضمنيا للمالكي بأنه (متفضل) عليه.

والواقع أن ما يجري الآن من أحداث متسارعة هو في صالح خصمه السيد المالكي. فسيناريو سقوط مدينة الرمادي هو (كوبي بيست) لسيناريو سقوط مدينة الموصل، باستثناء أن سقوط الموصل حدث في ساعات فيما سقوط الرمادي حدث في دقائق.. ما يعني أن المالكي سيوظف سقوط الرمادي في رسالتين: الأولى، تأنيب للناس ولخصومه الذين حملّوه سقوط الموصل، والثانية للعبادي.. بأنك ما كنت الخيار الأفضل بل الأفشل لأن الحاكم الناجح عليه، في الأقل، أن يتعلم من تجارب سلفه.

وحقيقة سيكولوجية أخرى هي أن العامل الحاسم في انتصارات داعش أنها أجادت استخدام الشائعة وعرفت كيف توظف (الصدمة) في إثارة الرعب والخوف والفزع بين القادة العسكريين والجنود الذين تركوا شرفهم العسكري في الشوارع وهربوا. ففي سقوط الموصل تحققت قوانين الشائعة الثلاثة (أهمية الحدث، وصدمة المفاجأة، والغموض)، وهاهي تتكرر في سقوط الرمادي.. ما يعني أن دولة القانون ورجلها المالكي سيستغلان الموقف ويوظفان ما قاله نوري شاويس في البحر الميت من (أن داعش على أبواب بغداد)، ووصف عمار الحكيم لمقاتلي داعش (بأنهم قوم أشدّاء وأصحاب عقيدة)، وما قاله العامري مساء 24 مايو الجاري بأن (الرمادي خاصرة بغداد.. وإذا سقطت بغداد سقطت كل المحافظات).. وطلب (مكين) إرسال عشرة آلاف جندي أميركي إلى العراق.. سيروجانها في إشاعة سيكولوجية تثير الفزع في الناس المفزوعين أصلا.

ما قلناه ليس نسج خيال بل هو ما يدور في الغرف السرية، والواقع يشير إلى أن دوافع اغتيال السيد العبادي متوافرة، فترويج قوى شيعية لخطر داعش بأنها صارت على مرمى حجر من كربلاء وأن الأمر يستدعي وجود رجل قوي يحميها، فضلا عن أن سيكولوجيا السلطة في العراق وحب الثروة والجاه وما أحدثه الفساد من تهرئة للضمير والأخلاق التي أوصلت العراقي السياسي إلى استسهال تصفية الخصوم.. خلقت الآن أجواء مثالية لجهات تخطط أو خططت فعلا لاغتيال العبادي وتنتظر لحظة الصفر لتنفيذه، فما الذي سيحصل إن حدث الاغتيال؟

الحقيقـة التي خبرها العراقيون في نيسان 2003 تفيد بأن السلطة ستكون للشارع.. فلا وجود سيكون للجيش ولا للشرطة بل للقوة الأقوى. هذا يعني أن القوة التي ستفرض نفسها هي الميليشيات التي يزيد عددها الآن على الأربعين، وأن إيران ستدعم القوة الأكبر وستأتي بدكتاتور ترى فيه أنه سيوحّد العراقيين ويؤمن لها تحقيق هدفها بجعل العراق جسرا للسيطرة على المنطقة، فيما سيكون الحدث، إن حصل، الصفحة الأولى في كتاب: تاريخ ثلاث دول كانت تسمى العراق.

كاتب عراقي

9