ماذا لو اكتشفت أنك على هدي قديم!

الخميس 2014/05/15

ساهمة كنت حين داهمني شعدون يسأل: أين وصلت؟ رددت بتلقائية: مع شمس التبريزي. نظر إليّ مقلبا كفيه للوراء، بمعنى: ماذا تقصدين؟ أجبت: أتظن بأني تبريزي هذا الزمان؟ فتح عينيه متسائلا!

تكلمت: تقول “شافان” في روايتها “قواعد العشق الأربعون”: “في دين العشق، جميع البشر مرتبطون بسلسلة من القلوب، فإذا انفصلت حلقة منها حلت محلها حلقة أخرى في مكان آخر، ومع موت كل شمس تبريزي، يظهر شمس جديد في عصر مختلف وباسم مختلف”.. فهل تظن أني شمس هذا الزمان؟

ابتسم نصف ابتسامة قائلا: صحيح أنك تنادين بالحب المطلق للبشرية، لكن لا أظن! قال جملته بسرعة، وكأنه يريد التخلص منها ومني. تفهمت قوله، لكني أردفت: في طيات الرواية الكثير مني، إني أشبه الصوفيين، لدرجة أني توقعت بأنك أهديتني الرواية لأنها تشبهني.

أخذ الكتاب من يدي، وأسند ظهره، وأخذ يقلب في صفحاته، ثم قرأ: “أبعد شمس التبريزي شعره عن وجهه، وقال مبتسما: لا يهم، فأنا معتاد على الأشخاص الذين لا يكنون لي حبا”. ثم قرأ تعليقا كنت قد كتبته: “والله هذه أنا”، نظر إليّ يسأل بجدية: هل شعرك دائما يكون على وجهك، وتبعدينه عن وجهك حين تتحدثين؟

نظرت إليه بغيظ: لا، لكني معتادة على الأشخاص الذين لا يكنون لي حبا، كشمس.. ثم أخذت الكتاب من يده، وتوقفت عند ص 88، قائلة: ومثله “أجيد أساليب الطبيعة، مع أن أساليب المجتمع لا تزال غريبة عني”، وكما هو في ص 90، “مستعدة لتقديم كل ما أعرفه للآخرين، أريد أن أقبض على الحقيقة في راحتي، كما لو كانت لؤلؤة ثمينة وأقدمها للناس″، وهذا ما أفعله من خلال مقالاتي الأسبوعية.

خطف الكتاب من يدي وهو يضحك: إذن أنت -مثله- تثيرين حنق الآخرين، لأنك لا تدعين خطأ يمر من أمامك دون أن تبدي ملاحظتك! وأضاف، لكن هل أنت مثله في ص 147، أول ما تفعلينه حين تصلين في مكان جديد، تتلقين بركة الأولياء الصالحين فيه، سواء أكانوا مسلمين أو مسيحيين أو يهودا؟

أجبت: ليس بالضبط، لكني أومن -مثله- بأن الأولياء الصالحين يترفعون عن الفروق الاسمية التافهة، فهم ينتمون إلى سائر البشرية، وهذا ما أحاول ترويجه بين الناس.

ومثله -ص 164- “لست واحدا من أولئك الأتقياء الذين يمضون حياتهم جاثين على سجادة الصلاة، بينما يغلقون عيونهم وقلوبهم عن العالم الخارجي، ولا يقرؤون القرآن إلا قراءة سطحية.. إني أقرأ أنفاس القرآن التي تتخلل البشر”، ومثل الصوفيين -ص 233– “الذين يعتبرون القرآن الكريم مليئا بالرموز الغامضة والتلميحات متعددة الطبقات.. لذلك يدرسون كيف أن كل كلمة تتحول إلى عدد، ويدرسون المعنى الخفي للأعداد، ويبحثون عن الإشارات والمراجع الخفية في النص”، فلا تنس مقالاتي حول الإعجاز العلمي للقرآن.

أوقف سيل جملي قائلا: إذن أنت تعتقدين بأنك على هدى الصوفية القديم؟ أتدرين قد تكونين مصيبة؟، لأني متأكد بأن الطريق هو الذي اختارك حين ظهرت لك من كتاب “نظرية الفوضى”، وأنت مثلهم لا تتصرفين بتطرف، بل متسامحة ومعتدلة على الدوام.

ومتأكد بأنك “تحبين الله، لا خوفا من عقاب نار جهنم، ولا رغبة في الثواب، والمكافأة في الجنة، بل لمجرد محبته الخالصة، محبة نقية وسهلة.. خالية من أيّة مصلحة”، ص 269.

تمتمت له بأريحية: “يوجد شيء في الإيمان يجعل المرء غير قادر على رؤية الغابة لأنه يرى الأشجار، إن الدين بكليته أعظم وأعمق بكثير من الأجزاء الصغيرة المكونة له، وتجب قراءة كل قاعدة في إطار القواعد كلها” ص 268، ولقد صرت أرى الغابة -أقصد العالم- منذ ظَهرتَ لي، وقَررتَ البحث معي في ثورات الربيع العربي.

قال دون مشاكسة: أرى أنك تشبهين الرومي أيضا، الذي “يجيد استخدام الكلمات، لكنه لا يستخدم استعارات كثيرة، لأنه ليس شاعرا”، وتعز عليك –مثله- ثلاثة أشياء: “المعرفة، والفضيلة، والقدرة على مساعدة الآخرين”، ص 145.

قلت: أزيدك خبرا أن هناك عددا من قواعد العشق الأربعين كنت أتبعها، دون أن أدري بأنها صوفية، كالقاعدة الثامنة، “مهما حدث في حياتك، ومهما بدت الأشياء مزعجة، فلا تدخل ربوع اليأس، حتى لو ظلت جميع الأبواب موصدة، فإن الله سيفتح دربا جديدا لك”، ص 112.

والقاعدة التاسعة، “لا يعني الصبر أن تتحمل المصاعب سلبا، بل يعني أن تكون بعيد النظر بحيث تثق بالنتيجة النهائية التي ستتمخض عن أيّة عملية.. أما نفاد الصبر فيعني أن تكون قصير النظر ولا تتمكن من رؤية النتيجة” ص113.

والقاعدة 12 “إن السعي وراء الحب يغيّرنا، فما من أحد يسعى وراء الحب إلا وينضج أثناء رحلته، فما إن تبدأ رحلة البحث عن الحب، حتى تبدأ في التغيّر من الداخل ومن الخارج”، ص 129، وسعيي لنشر ثقافة الحب غيرني.

أضاف: وأنصحك باتباع القاعدة العشرين، “لا تهتمي إلى أين ستقودك الطريق، بل ركزي على الخطوة الأولى، فهي أصعب خطوة يجب أن تتحملي مسؤوليتها، ومنذ أن تتخذي تلك الخطوة، دعي كل شيء يجري بشكل طبيعي، وسيأتي ما تبقى من تلقاء نفسه، لا تسيري مع التيار، بل كوني أنتِ التيار” ص 202.

وأظن أن بك شيئا من القاعدة الثلاثين: “فالصوفي الحق هو الذي يتحمل بصبر، حتى لو اتهم باطلا، وتعرض للهجوم من جميع الجهات، ولا يوجه كلمة نابية واحدة إلى أيّ من منتقديه، لأنه لا ينحو باللائمة على أحد” ص 330. ختمت على قوله: لا أدري إن كانت هناك علاقة بين الصوفية ومواليد برج الحوت، فهم كالصوفيين متسامحون ومحبون لله وللخير وللحب!!

16