ماذا لو تخلفت تونس عن سداد ديونها السيادية

الدولة لو التجأت إلى الاقتراض من البنوك حتى تسدد الديون الجديدة فقد يؤثر ذلك على القطاع المالي لأن الحكومة مطالبة أصلا بتفادي هذه الفرضية.
الأربعاء 2021/05/12
البنوك التونسية تمر بوضعية صعبة

حدة إدمان تونس على الاقتراض من المؤسسات المالية الدولية تصاعدت بشكل لافت منذ 2013، فقد كانت تأمل في إحداث اختراق في جدار مشكلاتها المالية والاقتصادية الكثيرة بغض النظر عن التكاليف الباهظة لجبل الديون، الذي ما فتئ يكبر مع مرور الوقت، لكنها لم تفلح.

بعد مفاوضات شاقة استطاعت تونس في 2016 انتزاع موافقة صندوق النقد الدولي للحصول على قرض بقيمة 2.8 مليار دولار ومع ذلك لم تنفّذ التزاماتها المتفق عليها إذ لم تحصل إلا على نصف ذلك المبلغ. قبل ذلك التاريخ حصلت في 2013 على قرض من الصندوق بقيمة 1.7 مليار دولار ومرة أخرى لم تلتزم بما هو متفق عليه وحصلت على مليار دولار فقط.

الآن، تسعى تونس إلى الحصول على قرض جديد بقيمة 4 مليارات دولار من الصندوق. ورغم كثرة الشكوك حول إمكانية الحصول عليه بالنظر إلى الحالات السابقة يبدو الأمر أشبه بمن يكابد لتسلق جبل وهو لا يملك الأدوات الكفيلة بإنجاح المهمة وقد ينعكس ذلك على النظام المصرفي ولو أن البلد ليس في محل مقارنة مثلما يحصل في لبنان.

رغم القلق المتصاعد من ارتفاع تكاليف القروض، التي أرهقت بالفعل كاهل الدولة وسوف ترهن مستقبل الأجيال المقبلة، لا ترى السلطات خيارا آخر، خاصة في ظل الأزمة الصحية، وهو ما يؤكد فشل الحكومات المتعاقبة منذ 2011 في إطلاق نموذج تنموي عادل ومتوازن بين الجهات ويحقق السلم الاجتماعي.

في غمرة العقبات التي كانت أهم أسباب فشل تسع حكومات في إنجاح برامج القروض وتطبيق الشروط وعلى رأسها الحد من حجم كتلة الأجور، التي تلتهم ثلث الميزانية السنوية العامة للدولة وإيقاف الدعم وفق جدول زمني وتوجيه الأموال نحو تحفيز الاستثمار، راكمت تونس بنهاية العام الماضي ديونا بلغت مستوى قياسيا يقدّر بنحو 92.8 مليار دينار (33.8 مليار دولار)، أي بارتفاع يناهز 11.3 في المئة مقارنة بالعام السابق.

أحدث الأرقام الرسمية تؤكد خطورة الوضع فتونس مطالبة بأن تسدد العام الجاري قرابة 3.3 مليار دولار من قيمة الديون الخارجية بما في ذلك الفوائد، وهو رقم قياسي باعتبار أن متوسط مبلغ الديون الخارجية التي تم تسديدها خلال السنوات الخمس الأخيرة لم يتجاوز 1.7 مليار دولار. لكن ماذا لو تخلفت الدولة عن سداد ديونها السيادية؟ ومن سيتحمل عبء ذلك؟

تعكس المؤشرات، التي ساقها خبراء وكالة التصنيف الائتماني ستاندرد آند بورز غلوبال هذا الأسبوع، أن تخلف تونس عن سداد ديونها، وهو أمر يبدو مستبعدا إلى حد كبير على مدى 12 شهرا مقبلة، قد يكلف القطاع المصرفي ما يصل إلى 7.9 مليار دولار، ويعدّ ذلك أمرا غاية في الأهمية لأن النظام المالي قد يتضرر بشكل غير متوقع في خضم الوضع الاقتصادي القائم الذي قوضت الأزمة الصحية كل آمال خروجه من عنق الزجاجة.

خبراء الوكالة اعتبروا أن تكلفة التخلف عن السداد بالنسبة إلى البنوك المحلية ستوازي 102 في المئة من إجمالي حقوق الملكية للنظام المصرفي التونسي أو 17.3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي الاسمي المتوقع في 2021. وهو ما يعني بالضرورة غرق البلد في متاهة هو في غنى عنها.

لقد حاصرت أزمة كورونا القطاع المصرفي بشكل أكبر مما هو متوقع، فطيلة عام مضى عكست تصنيفات لوكالات الائتمان العالمية الرئيسية لمجموعة من المصارف المحلية بما فيها 4 بنوك في القطاع الخاص حجم المتاهة التي دخلت فيها بعد أن أظهرت المؤشرات مدى انحسار نشاط أعمالها نتيجة الإغلاق الاقتصادي.

هناك عدة عوامل أثرت من خلالها الجائحة على البنوك، وتمثلت أساسا في تدهور الاعتماد الشديد على الأصول والتمويل الخارجيّيْن، وكذلك تراجع البنك المركزي عن تقديم الدعم لها، وأخيرا زيادة وتيرة التوترات السياسية والاجتماعية.

فعليا، البنوك التونسية تمر بوضعية صعبة وتعد الأسوأ منذ قرابة عشر سنوات، فقد بررت موديز على سبيل المثال في تقرير حول آفاق المصارف الأفريقية نظرتها السلبية لخمسة من أصل 24 بنكا يعمل في تونس بسبب مخاطر القروض عالية الفوائد، حيث يقول خبراء الوكالة إن تباطؤ النمو وما يعانيه الاقتصاد العالمي من ركود وكذلك ثقل عبء ديون الدولة ستعمل على إبطاء الفرص التجارية لهذه المصارف.

تظهر الأرقام أيضا أن حجم القروض المعلقة التي لم يتم سدادها للبنوك التونسية في العام الماضي يمثل نحو 13.4 في المئة من حجم محفظة القروض المصرفية في كامل 2018، وهذا المؤشر يعطي لمحة واضحة عن حجم الأزمة التي يعاني منها القطاع مع استمرار شح السيولة من السوق وتوقف الأنشطة التجارية والاستثمارية.

بمعنى أن الدولة لو التجأت إلى الاقتراض من البنوك المحلية حتى تسدد الديون الجديدة التي قد تحصل عليها فقد يؤثر ذلك على القطاع المالي لأن الحكومة مطالبة أصلا بتفادي هذه الفرضية. وحتى لو نجحت في مساعيها فإن البنك المركزي ربما يقف حائلا أمام حصول الدولة على أموال من البنوك كما حصل العام الماضي حينما اعترض محافظ المركزي مروان العباسي على تقديم تمويل عاجل لسداد ديون قديمة.

11