ماذا لو فاز نجل القذافي برئاسة ليبيا؟

مشكلة ليبيا ليست في ترشح سيف الإسلام ولكن في استمرار حكم الميليشيات التي تريد أن يكون الرئيس القادم جزءا من مشروعها ومتجاوبا مع مصالحها التي لا تريد التفريط فيها.
الثلاثاء 2021/11/16
هل مشكلة ليبيا في ترشح سيف الإسلام؟

لا أحد يستطيع التكهن بما سيكون عليه الوضع في ليبيا خلال الأيام القليلة القادمة، ولاسيما بعد تقديم سيف الإسلام القذافي لملف ترشحه للانتخابات الرئاسية، فأمراء الحرب وقادة الميليشيات وناشطو الإخوان ومن يصفون أنفسهم بثوار السابع عشر من فبراير أعلنوا أنهم سيقطعون الطريق أمام الانتخابات، وسيغلقون مكاتب الاقتراع، وسيمنعون الناخبين من التصويت في موعد الاستحقاق، ومنهم من دعا إلى محاصرة مقر مفوضية الانتخابات في سيدي المصري، وإلى اعتقال رئيسها عماد السايح، وكل ذلك لأن المتحكمين في العاصمة ومدن غرب البلاد من قوى أيديولوجية وجماعات مسلحة وسلطات نافذة يرفضون ترشح سيف الإسلام القذافي وخليفة حفتر للانتخابات الرئاسية، فما بالك إذا تعلق الأمر بفوز أحدهما بها!

سيكون على المجتمع الدولي وواجهته الأممية أن يتأملا مجريات الأحداث حاليا بعد أن تجاهلا أن مشكلة ليبيا الحقيقية أمنية وليست سياسية، وهي تتمثل بالأساس في الميليشيات المسلحة التي سيطرت على مراكز القرار السيادي والحكومي والاقتصادي في طرابلس منذ العام 2011. لقد أدى تفكيك الدولة إلى فراغ أمني وعسكري تم استغلاله من قبل جماعات مسلحة لا تزال تبسط نفوذها إلى حد الآن، وتعتبر نفسها الحاكم الفعلي في البلاد، وهي غير مستعدة للتفريط في مصالحها التي تتناقض حتما مع مصالح الدولة في قيمتها وسيادتها ورمزيتها ونفوذها على مقدراتها واحتكارها للسلاح.

تلك الميليشيات والجماعات والتيارات المرتبطة بها لا تريد للدولة أن تقوم أو تُقام، إلا وفق شروطها. ولن تسمح بخروج البلاد من النفق الذي تم الدفع بها إليه منذ العام 2011. وهي وإن كانت تزعم الدفاع عن “الدولة المدنية” في مواجهة “العسكرة”، فهي تسعى لترسيخ “الدولة الميليشياوية” تحت غطاء ديني لا يخلو من النزعة التكفيرية التي يتم اعتمادها في التجييش ضد الآخر المختلف سياسيا وعقائديا، رغم إدراك المجتمع الدولي أن تلك الميليشيات هي التي تمثل الخطر الحقيقي على المسار الديمقراطي، ولاسيما في ظل حالة انقسام واقعي للبلاد، وفي ظل حالة عداء حقيقي بين الفرقاء؛ حفتر مثلا مرشح لرئاسة الدولة الليبية بكامل مساحتها، لكنه لا يستطيع التحرك في إقليم الغرب الذي يدور حول العاصمة طرابلس، ولن يكون بإمكانه رفع لافتة أو ملصق بخصوص حملته الدعائية سواء في طرابلس أو مصراتة أو الزاوية أو زليتن أو الخمس أو زوارة أو غيرها. وسيف الإسلام مثلا مرشح لمنصب رئيس دولة ليبيا وهو ملاحق من القضاء ومطارد من الميليشيات ومكفّر من المفتي ومنبوذ من سياسيي فبراير، فماذا لو فاز بكرسي الرئاسة؟

ظهور سيف الإسلام القذافي في المقر الفرعي لمفوضية الانتخابات بسبها، حيث قدم أوراق ترشحه للانتخابات الرئاسية، مثّل مفاجأة مدويّة للداخل والخارج، فمجرد أن يتحرك الرجل وسط عاصمة إقليم فزان، وأن يدخل المقر ويجد الوقت الكافي لإتمام إجراءات التسجيل، ثم مغادرة المكان في هدوء، يؤكد أن تنسيقا تم مع قيادة الجيش الوطني الذي يبسط نفوذه على المدينة وعموما منطقة الجنوب، بل ويوحي بأن هناك توافقات جرت قبل ذلك بأسابيع، وكان من مخرجاتها تسجيل اسم سيف الإسلام في مكتب بسبها رغم أنه من مواليد طرابلس ومن سكان إقليمها إذا اعتبرناه لا يزال مقيما في الزنتان.

لن أسأل هنا هل أن سيف الإسلام انتقل من الزنتان إلى سبها مباشرة لتقديم ملف ترشحه؟ فالمسافة بين المدينتين مرورا بغريان تصل إلى حوالي 760 كيلومترا، ويحتاج عبورها إلى أكثر من ثماني ساعات من السير دون انقطاع، وهذا ما يعني أن الرجل ومرافقيه كانوا في إحدى مناطق الجنوب، والأرجح أنها غات، قبل دخول سبها، وأنه استطاع خلال الفترة الماضية أن يتنقل بين عدد من مدن وقرى فزان للقاء الأعيان والوجهاء والسكان المحليين، وكان كل ذلك بتأمين مباشر من الجيش.

ما شهدته مدن وقرى ليبية عدة من احتفالات بترشحه يؤكد مدى الشعبية الجارفة التي يحظى بها سيف الإسلام في كافة مناطق البلاد، وذلك لأسباب عدة منها أن النظام السابق كان بالأساس حالة ثقافية مرتبطة بتركيبة اجتماعية معقدة، وقد نجح في التحول إلى رمز لطبيعة مجتمع البادية الليبية بامتداداته القبلية داخل المدن، وبعناوين الثقافة البدوية وعاداتها وتقاليدها وسلوكياتها اليومية. من استغربوا تمسك سيف الإسلام بالزي التقليدي لوالده بعد عشر سنوات من رحيله عليهم أن ينتبهوا في ذلك إلى رسالة لأنصار الأب بأنه لا قطيعة مع الخصوصية الثقافية والاجتماعية وإن كانت هناك اختلافات في الرؤى والمشاريع السياسية والاقتصادية.

بالمقابل خرج مسلحون في بعض مناطق غرب ليبيا للتنديد بترشح سيف الإسلام والتعدي على مراكز انتخابية ورفع عبارات التهديد والوعيد للمفوضية ورئيسها، وتم الإعلان عن تحرك للميليشيات يوم السبت القادم، وربما هناك برامج أخرى تصب جميعها في إطار توجه عام لصانعي القرار بطرابلس وهو إجبار المجتمع الدولي بالقبول بتأجيل الانتخابات، أو بتغيير المادة 12 بغاية السماح لرئيس الحكومة عبدالحميد الدبيبة بالترشح للرئاسيات، فإذا فاز بها، فذلك هو المطلوب والمرغوب، وإذا ذهبت النتائج إلى سيف الإسلام أو حفتر، فعلى الجميع الاستعداد للحرب والانقسام من جديد، وهذا ما هدد به الإخوان ومسلحون وزعماء جهويون.

ويجد المجتمع الدولي نفسه أمام موقف صعب، فالديمقراطية الحقيقية تفرض عليه احترام إرادة الشعب الليبي، وتهيئة الظروف لتمكين من يختاره الشعب في صندوق الاقتراع من ممارسة مهمته، واتخاذ موقف حاسم ممن قد يعرقلون الانتخابات أو يرفضون الاعتراف بنتائجها، أو يريدون تسيير قطار الترشح والتصويت وفق خياراتهم ومصالحهم، أو يعملون على العودة بالبلاد إلى مربع الفوضى والاحتراب الأهلي.

وفي الأثناء هناك أطراف تحاول أن تفرض وصايتها على الموقف الشعبي العام ونوايا التصويت، وهي ترفض ترشح سيف الإسلام القذافي من منطلق معرفتها بما يحظى به من قاعدة شعبية واسعة قد تؤهله للفوز بمنصب الرئيس، وتعتمد في موقفها ذاك على قوة السلاح والمال. إذا كان للمشير حفتر جيش وللدبيبة ميليشيات، فإن نجل القذافي هو الوحيد من مثلث التنافس الفعلي على السلطة الذي لا يمتلك قوة مسلحة على الأرض.

الثابت والمؤكد أن أطرافا عدة في الداخل والخارج لا تريد لنجل القذافي الفوز برئاسة ليبيا أو التأثير في مشهدها السياسي القادم، ولكن الواقع على الأرض يشير إلى أن التوازنات الداخلية والإقليمية والدولية فرضت توافقات بالسماح له بالترشح، وهو ما حدث فعلا، وسيكون التحدي الأكبر كيف يتصدى المجتمع الدولي لمن يحاولون اتخاذ ترشح نجل القذافي مبررا لعرقلة الانتخابات؟ وماذا لو واصل السير نحو الرابع والعشرين من ديسمبر وفاز بالانتخابات فعلا؟ كيف سيكون رئيسا في عاصمة يسيطر عليها من يعتبرون شرعية وجودهم الوحيدة هي حربهم ضد نظام والده؟

إن مشكلة ليبيا ليست في ترشح سيف الإسلام، ولكن في استمرار حكم الميليشيات التي تريد أن يكون الرئيس القادم جزءا من مشروعها الفوضوي، ومنسجما مع نزعتها الجهوية والمناطقية، ومتجاوبا مع مصالحها التي لا تريد التفريط فيها، ومع مراكز نفوذها التي حققتها خلال السنوات العشر الماضية، وهي لا تعترف بالديمقراطية ولا بالتداول السلمي على السلطة، وإنما بسلطة الثورة التي لا يمكن أن تتحول إلى دولة والبنادق لا تزال على أكتاف المتمردين.

9