ماذا لو قررت مصر مضايقة قطر

الاثنين 2016/12/19

حادث تفجير الكنيسة البطرسية في القاهرة الأسبوع الماضي، نكأ الكثير من الجراح بين مصر وقطر، وأعاد إلى الواجهة بعض الاتهامات التي كانت توجه للدوحة صراحة أحيانا، وتلميحا في غالبية الأحيان، من قبل جهات رسمية في القاهرة.

فالبيان الذي أصدرته وزارة الداخلية المصرية مؤخرا، بشأن تردد أحد المتهمين الرئيسيين في تفجير الكنيسة، على دولة قطر، واجتماعه مع أعضاء في جماعة الإخوان المسلمين يقيمون في الدوحة، كان الباب الذي وضع قطر محل اتهام، ولو بصورة غير مباشرة، لأنه أكد أن استمرار علاقتها الوطيدة بالإخوان، أصبح خطرا.

الخطر الحقيقي، يأتي أيضا من تزامن الحادث المصري وملابساته، مع إشارات غربية، لوحت بأن قطر تتحمل جزءا معتبرا من مسؤولية دعم جماعات متشددة في سوريا وغيرها، ومرجح أن يؤدي مد الخيط على استقامته إلى المزيد من المشكلات للقيادة القطرية، المعروفة بتشعب علاقاتها، السياسية والإعلامية، مع عدد من الرموز الإسلامية، التي تحولت ألسنتها إلى منصات وقذائف لدعم جماعات إرهابية في أماكن متفرقة.

من حسن حظ قطر، أنها تلقت دعما خليجيا سريعا، تمثل في صدور بيان من مجلس التعاون، عبّر عن انزعاج لافت من الزج باسمها في عملية تفجير الكنيسة البطرسية في قلب القاهرة، وهو ما ردت عليه الخارجية المصرية بطريقة تتسم بدرجة من النعومة، تشي بعدم الرغبة في توسيع نطاق الخلاف، وتحويل دفته من الدوحة إلى جميع الدول الخليجية.

وهذه ليست المرة الأولى، التي تتضافر فيها الجهود الخليجية لمساندة الدوحة، ففي فبراير 2015، أعرب الأمين العام لمجلس التعاون، عبداللطيف الزياني، عن رفض الاتهامات التي وجهها مندوب مصر في الجامعة العربية لقطر، بخصوص دعم الإرهاب، بعد أن أبدت الدوحة تحفظا لافتا على الضربة الجوية التي شنتها القوات المصرية ضد معسكرات داعش في الأراضي الليبية.

في المرة السابقة، كانت العلاقات بين الجانبين، المصري والخليجي، أكثر متانة وهدوءا واستقرارا، لذلك مر النفي وتوابعه مرور الكرام، ولم يفض إلى تداعيات، سياسية أو إعلامية كبيرة، وجرى احتواء الموقف وتطويقه، بحكم الروابط الوثيقة بين القاهرة وغالبية العواصم الخليجية، خاصة أن هناك جهودا بذلت، من قبل السعودية، لوقف التمادي القطري في المساس بالمصالح المصرية، ومحاولة دفع الدوحة إلى مراجعة سياستها تجاه القاهرة.

صحيح النتائج لم تكن على المستوى الإيجابي المطلوب، وتقود إلى مصالحة بين القاهرة والدوحة، لكن المحاولات التي قامت بها الرياض، في ذلك الوقت، نجحت في فرملة الأزمة، وعدم تصعيدها إلى الذروة، لكن في الوقت الراهن، لم تظهر أي جهود حقيقية لوقف التدهور بين البلدين، الذي بدأت علاماته تتفاقم، حيث تدفع بعض الدوائر في مصر نحو تخليها عن سياسة الحذر والهدوء، والتعامل مع الدوحة بطريقة حاسمة، وكشف ما لديها من أوراق، بما يمثل حرجا للقيادة القطرية.

ليس فقط لأن هناك خلافا بين القاهرة والرياض، وأن الأخيرة لم تعد راغبة في وقف بعض التجاوزات القطرية حاليا، أو حتى مرتاحة لها، إنما لأن مصر، تقوم بعملية تعديل في سياستها الخارجية، يمكن أن تجعلها أشد جرأة، وتتخلى عن قدر من السماحة والمرونة والليونة السابقة، تفرضها بعض التغيرات والتطورات الإقليمية، التي تعمل نسبيا لصالح وجهة نظر مصر، خاصة في مجال مكافحة الإرهاب، ومعاقبة الدول الداعمة والمتواطئة مع المتطرفين، والأزمة السورية وأبعادها، وتواصل النجاحات الروسية، وفوز المرشح الجمهوري دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة.

ناهيك عن توافر درجة من الأمن والاستقرار في الداخل، وكلها عوامل تستوجب أن تكون سياسة القاهرة واضحة، في قضايا وملفات عديدة، لأن الصمت أو غض الطرف عن تجاوزات معينة في حقها، فسره البعض بأنه “ضعف” وليس سماحة، أو “عجزا” وليس حكمة، وهو ما منح جهات إقليمية، الفرصة للمزيد من التطاول على مصر، لا سيما أن الأذرع الإعلامية التي تدافع عن النظام الحاكم، أو توجه انتقادات لمعارضيه، في الداخل والخارج، تحولت إلى عبء عليه، أكثر من كونها أداة ناجحة للقوة الناعمة المصرية، بسبب تكرار الأخطاء والحماقات.

كان تعامل الإعلام مع الفيلم الوثائقي الذي بثته قناة الجزيرة القطرية بشأن التجنيد في الجيش المصري، كاشفا عن العقم، حيث مُنح الفيلم فرصة جيدة للرواج، بسبب الطريقة البدائية التي جرى الهجوم بها على صُناعه في الدوحة، ودون تقديم ردود علمية وفنية عليه.

إذا قررت مصر (الرسمية) المضي في طريق مضايقة قطر، فلديها وسائل كثيرة، تستطيع أن تكبد الأخيرة خسائر سياسية ومعنوية باهظة، تتعدى حدود ما يمكن أن يتردد من سلبيات حول ملف دعم المتشددين وروافده، بصور متباينة.

ففي الداخل القطري، الكثير من التناقضات والأزمات، لو تم فتحها إعلاميا، لوضعت قطر في مكانة متدنية، فماذا لو وافقت الدوحة على فتح مكاتب لقنوات فضائية مصرية، وتركتها تعمل بحرية، كما كان مكتب الجزيرة في القاهرة، قبل إغلاقه، منذ ثلاثة أعوام، بسبب تجاوزاته المهنية؟

الإجابة ليست خافية على كثيرين، بإمكان أي إعلامي مصري في قطر، أن ينقل مآسي التفاوت الطبقي والاجتماعي والاقتصادي، وكيف تعيش الجنسيات المختلفة؟ وكيف يُعامل أبناؤها؟ وكم عدد الجنود في القواعد الأجنبية على الأراضي القطرية؟ وما هو قوام الجيش القطري ذاته؟ ولماذا لجأت الدولة إلى سياسة التجنيس في الرياضة وغيرها؟

ومع أن شبكة الجزيرة تحوي عددا من القنوات الموجهة، يعمل بها المئات من الإعلاميين المحترفين، لكن لم نسمع عن أحدهم تحدث عن الحريات ومكانة الديمقراطية وحقوق الإنسان في دولة قطر، وكأنها غير موجودة على الخارطة أصلا، أو جنة الله على أرضه، وتخلو تماما من المشكلات.

إذا أرادت مصر مضايقة قطر، لن تكون بحاجة إلى قنوات فضائية وإعلاميين، فلديها من المعلومات ما يكفي لجعل الدوحة تتألم، وتتجرع من الكأس التي دأبت على تقديمها للمصريين منذ فترة، لكن هناك جملة من الاعتبارات تقف كابحا أمام التعامل معها بالطريقة نفسها، أهمها العلاقة الودية التي تجمع بين الشعبين، واحترام جملة من الثوابت المصرية حيال دول الخليج عموما، علاوة على التطورات الإقليمية المتلاحقة التي ستجبر الدوحة على تغيير سياساتها، بإرادتها أو من دونها، دون أن تتكبد القاهرة عناء كبيرا.

كاتب مصري

9