ماذا لو لم تنتصر الثورة السورية

الجمعة 2014/11/28
طفل سوري يلعب بدراجته أما ركام منزل تعرض للقصف من قبل قوات الأسد

تعتبر فرضية عدم انتصار الثورة السورية مرفوضة من قبل شتى مكونات المُجتمع السوري المعارض لنظام بشار الأسد، كما أنها مرفوضة أيضا من أصدقاء سوريا وداعمي الثورة، دولا وأفرادا ومؤسسات، لاسيما أن عدم انتصار الثورة، التي أوشكت وهي تدخل عامها الرابع على التوالي، يعني إحداث مُتغيرات جوهرية واضحة على المنطقة بأسرها.

الأزمة السورية لم تبدأ في مارس 2011، مع انطلاق الثورة ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد، لكنها بدأت عمليا قبل ذلك التاريخ بسنوات طويلة، تفشى خلالها الفساد والقمع في الداخل السوري، مثلها مثل باقي دول ما يُسمى بدول الربيع العربي. وبدأت حلحلة تلك الأزمة مع انطلاقة الثورة، التي تُعد بمثابة فوران لتصحيح المسار السياسي والاجتماعي.

لكن الصراع السياسي سرعان مع اصطبغ بنكهة طائفية، أضفت جوا من التعقيد على تلك الأوضاع، وزادت الطين بلة وأزمات لا تُحصى، خاصة مع تدخل القوى الدولية، وتحولت سوريا إلى ساحة نزاعات دولية.

وخلفت الأوضاع المُشتعلة في سوريا منذ مارس 2011، والتي انطلقت على أمل مواكبة التغيرات التي طرأت بدول عربية وتصحيح المسار كما حدث في تونس أولا ثم في مصر، نحو ما يزيد عن 200 ألف قتيل، شكّلوا جميعا حلقات في مسلسل الوجع السوري الذي لا ينقطع، والذي ينخر في قـلب البــلدان العربية.

مع اعتبار أن كل يوم يمر دون انتصار الثورة السورية وتحقيق أهدافها الرئيسية هو بمثابة صك تقدم ونجاح لمخططات إفشالها، خاصة مع فشل مفاوضات جنيف، ومع إصرار النظام السوري على البقاء، ومع انصراف أنظار العالم عن الأزمة الرئيسية حامية الوطيس بين النظام والمعارضة إلى حيث أزمة تداخلات تنظيم الدولة “داعش”، فإن فرضية عدم انتصار الثورة السورية تظل مطروحة.

في ظل كل تلك الأجواء المفعمة بالغموض، وسط حسابات غربية، ومصالح متناقضة، تدفع بوقوف الثورة السورية عند حد ثابت لا تتجاوزه إلى الانتصار المنشود، خاصة في ظل الدعم (بشقيه السياسي والاقتصادي) الذي يحصل عليه النظام السوري مع بعض القوى الدولية، وهو الدعم الذي يُحصّنه ويحميه من السقوط.

الصراع السياسي سرعان ما اصطبغ بنكهة طائفية أضفت جوا من التعقيد على الوضع


ما هو خطر فشل ثورة السوريين؟


“إن فرضية عدم انتصار الثورة السورية تعني أن يَعمّ الإرهاب أرجاء المنطقة”، بتلك الكلمات عبَّرَ عضو الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية يحيي مكتبي، مؤكدا على أنه حال تحقق تلك الفرضية المتعلقة بعدم نجاح الثورة في معركتها ضد إرهاب النظام وإرهاب داعش، فمن المتوقع أن يعم التطرف والإرهاب ويتوسع وينتقل إلى بؤر وأماكن غير متوقعة، وأن يخلق نسخا جديدة منه أكثر تطرفا وإرهابا ووحشية، ومن كل الأطراف؛ لأن قاعدة “العنف لا يولد إلا العنف” قاعدة مضطردة، وسنصل إلى حالة من الفوضى والضياع لا تحمد عقباها، وهذا بالتأكيد مالا نريده ولا نتمناه، فانتصار الثورة السورية هو بارقة الأمل لمنطقة عربية خالية من التطرف والإرهاب.

في ذات السياق يرى آخرون أن عدم انتصار الثورة السورية سوف يُعزز من الصراعات الطائفية والمذهبية في المنطقة بصفة عامة، لاسيما في ظل تحول الصراع الدائر في سوريا من كونه مجرد صراع سياسي إلى صراع مذهبي بحت ومباشر تُحرك على أساسه الأزمة ويستخدمه البعض (لاسيما إيران) لإذكاء حالة الصراع الطائفي بالمنطقة لصالحها، ومن أنصار ذلك الاتجاه المعارض السوري البارز منصور الأتاسي، الذي يرى أن تلك النوعية من الصراعات الطائفية سوف تغزو المنطقة حال عدم انتصار ثورة السوريين.

ويعتبر الأتاسي أن ذلك السيناريو سوف يكون له تداعيات أكثر خطورة على مستقبل المنطقة، لاسيما أن ذلك يدفع إلى المزيد من التطرف والإرهاب.

معارضون: المستفيد الأول من تأخر انتصار الثورة السورية هي إيران

ويعتمد كثيرون في تعاطيهم مع مستقبل الوضع في سوريا، على “الحل السياسي” على اعتباره وسيلة ناجحة تضمن انتصارا منطقيا سلميا للثورة السورية، غير أن ذلك الحل تعترضه العديد من المعوقات والعقبات التي تُعرقل رحلة الوصول إليه، على وقع التداخلات الغربية، والدعم الذي يحصل عليه النظام. إذ أنه ومنذ بدء الثورة السورية في العام 2011، كان الشعب السوري مقتنعا بنجاح ثورته في فترة وجيزة، بإسقاط النظام، وكان الحديث دائرا حول موعد سقوط الأسد، غير أن العديد من المتغيرات رجّحت كفة النظام ودفعته إلى الاستمرار على ذلك النحو، وقد جاء في مقدمة ذلك الدعم الإيراني المباشر للأسد، فضلا عن تدخل حزب الله اللبناني، جنبا إلى جنب والدعم الروسي غير المحدود للنظام، بالإضافة إلى ظاهرة تفشي الجماعات الإرهابية (جبهة النصرة وداعش).


من المستفيد من استمرار أزمة سوريا؟


في هذا الإطار، يراهن متفائلون بالأوضاع السورية على انتصار الثورة، غير أن الرهان هنا يكمن في “توقيت ذلك الانتصار”، وهو ما يراه المعارض السوري المستقل فواز تللو، الذي أوضح أنه كلما طال أمد تحقق أهداف الثورة، كان ذلك أصعب، ورحلة التعافي وإصلاح وبناء الدولة بعد نجاح الثورة يتطلب وقتا أطول كذلك، لاسيما وأن كل يوم يمر بمزيد من الدمار والخراب. وأكد تللو أن المستفيد الأول من تأخر انتصار الثورة السورية هي إيران، الداعم الرئيسي لنظام الأسد.

ويحذر المعارض السوري المستقل من أن عدم انتصار الثورة السورية سيسقط المنطقة العربية ويقحمها في العديد من الصراعات.

97 ألفا و917 عدد اللاجئين السوريين


هل أخطأت المعارضة السورية؟


اعترف رئيس الائتلاف السوري المهندس، هادي البحرة بوجود “أخطاء في الثورة السورية”، إلا أن ذلك لا ينفي أن الائتلاف (المعترف به ممثلا للشعب السوري لدى العديد من الدول والجهات)، يتبنى استراتيجية واضحة لما بعد نجاح الثورة، بما يضمن تجاوز أي عثرات وتفادي سيناريو تفاقم النزاعات الذي وقع ببعض البلدان عقب الثورات.

مع مرور الشهر تلو الآخر دون أن تكتحل أعين السوريين بنجاح ثورتهم، فإن فرضية عدم نجاح الثورة تظل شبحا يطارد السوريين وداعمي الثورة السورية، غير أن مراقبين أكدوا على أن تأخر نجاح الثورة لا يعطي صكا مباشرا بفشلها أو نهايتها على نحو مباشر، لاسيما وأن لكل ثورة ظروفها، ولكل مجتمع كذلك ظروفه الخاصة، ومن ثمّ فلا يمكن المقارنة مثلا بين ما حدث في تونس أو مصر من تغيير بما يحدث في سوريا، فكم من ثورات طال أمدها ونجحت في الأخير في تحقيق أهدافها، مثل الثورة الفرنسية.


هل تتغير سوريا؟


مع هذا اليقين الذي يتملكه كثيرون بنجاح الثورة السورية “ولو بعد حين”، فإن القيادي بهيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي المعارضة في سوريا منذر خدّام، يؤكد ذلك اليقين، بقوله: “لا يمكن للتاريخ أن يعود إلى الوراء، فأنظمة الاستبداد إلى زوال، إذ لم تعد الشعوب العربية ترضى بأن تعيش ضمن أنظمة استبدادية مفارقة لكل ما هو عصري ومتنوّر.

مسلسل الوجع السوري الذي لا ينقطع وينخر في قـلب البلدان العربية

من هذا المنظور أعتقد أن التغيير الجذري والشامل سوف يحصل في سوريا وفي غيرها من دول المنطقة، لكنه بحاجة إلى بعض الوقت.

لقد أعاد التاريخ إنتاج مفهوم الشعب فصار دلالة على الفاعلية، بدلا من الخنوع والسكينة، وأعاد الاعتبار أيضا إلى الساحات والميادين”.

ومع دخول الثورة السورية منعطفات عديدة، ورغم استحواذ المعارضة على دعم وتعاطف دولي من قبل العديد من الدول الغربية والعربية، تخطى مُجرد الدعم السياسي واللوجيستي إلى دعم مادي ودعم على صعيد تدريب المقاتلين بالجيش الحر، إلا أن الواقع يفرض انتصارا للنظام السوري الذي نجح في البقاء بسدة الحكم كل تلك الفترة، رغم تعداد القتلى والمصابين، مستغلا ما يحصل عليه من دعم إيراني وروسي وصيني، فضلا عن استغلاله للأزمات التي تشهدها سوريا لصالحه.

بعيدا عن حسابات “الانتصار” أو “الهزيمة والإخفاق”، فإن رأيا ثالثا يلوح في الأفق، مُتعلقا باستمرارية الأزمة؛ استجابة لمحاولات تمييعها على يد بعض القوى الدولية، التي وجدت في استمرار الأزمة على ذلك النحو مخرجا أو متنفسا يضمن لها التواجد بشكل عملي ومباشر بالمنطقة، سواء سياسيا أو ربما عسكريا أيضا، وبصورة شرعية، تحت غطاء التدخل لحماية سوريا والمنطقة.

في هذا الإطار، فإن المتابعين للشأن السوري وتداعياته على المنطقة يؤكدون أنه “لا خيار سوى انتصار الثورة السورية”، لاسيما أن فشلها يعني حدوث تداعيات خطيرة ليست على سوريا فحسب.

لكن على المنطقة كلها، تبدأ من انتشار التطرف والإرهاب وتفشيه، ومرورا بترك الساحة العربية للتدخلات الغربية وحتى انهيار المنطقة بالكامل لصالح المخططات الغربية.

12