ماذا نريد من الآخر

النزعة الإنسانية التي يبديها بعض نجوم هوليوود وانحيازهم للحق وإدانتهم لسياسات الحكومة الإسرائيلية القمعية ضد الفلسطينيين، لا بدّ أن تلقى تشجيعا وترحيبا من المثقفين العرب.
الأحد 2018/05/20
موقف جريء وشجاع

تعمل الدعاية المناهضة للعرب في هوليوود على خلط المواقف وتضييع الحقائق، كما تعمل ردود الأفعال العربية، التي لا تعدو عن كونها آراء متطرفة وحماسية غير واقعية، على إدامة تشويش الرؤية، هذا طالما هي غير منصفة ومتطرفة في أغلب الأحيان، وما إن يظهر موقف ما لأحد نجوم صناعة السينما الأميركية يحاول إنصاف القضية الفلسطينية، حتى تتناهبه الشكوك ومحاولات التقليل من شأنه، ضمن ردود الأفعال الصبيانية تلك.

وما زال الكثير من المشتغلين في الإعلام العربي عاجزين عن التمييز بين اليهود والسياسات الإسرائيلية العنصرية ضد الفلسطينيين، مطالبين جميع من يحاول إدانة تلك السياسات الإسرائيلية بضرورة إدانة إسرائيل واليهود قاطبة.

وفي ضوء ردود الأفعال هذه، شهد الموقف الجريء والشجاع الذي أبدته النجمة ناتالي بورتمان مؤخرا في رفض ما يسمى جائزة سفر التكوين أو جائزة نوبل الإسرائيلية، حملة من التشكيك والاستهانة والسخرية، لأن بورتمان من أصول يهودية وحسب.

وبغض النظر عن المواقف السياسية والقناعات الشخصية، فإن الإقدام على رفض جائزة تقدر قيمتها المالية بمليون دولار، هو شجاعة بحد ذاته، حتى لو كان دخل الممثلة المعروفة يتجاوز الثلاثين مليون دولار سنويا، ناهيك عن أن موقفها هذا جاء منسجما مع قناعاتها السياسية والبيئية التي عرفت عنها منذ بواكيرها الفنية، فهي مناصرة للبيئة وضد العنف في أي مكان من العالم وناشطة ضمن منظمات حماية الحيوان وممولة لها، وتعد أحد مثقفي هوليوود القلائل الذين تخرجوا من جامعة هارفارد ودرسوا الفلسفة واللغات بما في ذلك العربية.

وعلى الرغم من أن الكثير من النجوم، وضمن حملات العلاقات العامّة التي يديرها لهم متخصصون في هذا المجال، يبدون اهتماما شكليا بحملات مناهضة العنصرية وحقوق الإنسان وحماية البيئة، إلّا أن البعض القليل منهم اتخذ مثل تلك القناعات منهجا حقيقيا له وتعرض للكثير من المواقف المعادية، ويأتي على رأس هؤلاء النجم ليوناردو دي كابيريو والنجمة المعروفة أنجلينا جولي.

إن المتتبع لمسيرة ناتالي بورتمان سيلحظ لا شك تطور مواقفها وقناعاتها الخاصة بالسياسة والدين والأخلاقيات والفلسفة بشكل عام، وبالتالي يصبح موقفها الأخير من سياسات حكومة نتنياهو العنصرية وحملاته المسعورة ضد أبناء شعبنا الفلسطيني، لا سيّما في غزة مؤخرا، امتدادا طبيعيا لقناعاتها السابقة، على الرغم من كونها مواطنة إسرائيلية مولودة في القدس الغربية ونشأت على التقاليد اليهودية التي أصبحت لا تقيم لها وزنا حاليا، ليس كونها ضد اليهودية بشكل خاص، بل لأنها وفي ضوء فهمها الفلسفي، لا تؤمن بوجود حياة ما بعد الموت بشكل عام.

إن النزعة الإنسانية التي يبديها بعض نجوم هوليوود وانحيازهم للحق وإدانتهم لسياسات الحكومة الإسرائيلية القمعية ضد الفلسطينيين، لا بدّ أن تلقى تشجيعا وترحيبا من المثقفين العرب، حتى وإن كانت في حدودها الدنيا، وعلينا أن نتعلم أن المواقف المتباينة لا يمكن جمعها في سلّة واحدة، لأن رؤية هؤلاء إلى الأحداث ومجريات الصراع مختلفة عن رؤيتنا نحن وقناعاتنا الأحادية الجاهزة التي تربينا عليها منذ عقود، وأن طبيعة العلاقات الثقافية السائدة في عالمنا اليوم تتطلب منا تغيير نمط تفكيرنا والتمتع بنوع من البراغماتية الواعية التي من شأنها أن تقربنا إلى الآخر وتكسب ثقته وفق منظور التحضر، كما أن المغالاة في المواقف وشمولية الأحكام طالما أفقدتانا نحن العرب، أصدقاءنا وصنفتنا في خانة التطرف والكراهية، حتى وإن كانت نوايانا حسنة وبدوافع إنسانية.

10