ماذا وراء التعديل الوزاري في الجزائر

الثلاثاء 2013/09/17
بوتفليقة.. الرجل المريض هل يترشح لولاية رابعة

قام الرئيس عبد العزيز بوتفليقة مؤخرا بتعديل وزاري وذلك طبقا لأحكام المادة 79 من الدستور وتضم الحكومة أحد عشر وزيرا جديدا، وقد احتفظ بعض الوزراء بحقائبهم أو عينوا في قطاعات أخرى فيما غادر 11 وزيرا الطاقم الحكومي. وأثار هذا التعديل الكثير من التساؤلات لدى عدد من المحللين والمتابعين للشأن الجزائري إذ اعتبره البعض استعادة قوية لموقع بوتفليقة داخل حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم في حين رأى فيه البعض الآخر تحضيرا للظروف الملائمة للانتخابات المقبلة.

ويذهب مراقبون أن مجموعة الوزراء المعينين في الوزارات السيادية تحسب على الرئيس بوتفليقة، وينتمون جغرافيا إلى المنطقة نفسها التي ينحدر منها الرئيس. كما يروا أن التعديل الذي مس وزارات السيادة، العدل والخارجية والداخلية والدفاع التي شملتها التغييرات، له علاقة بالعملية الانتخابية، لكون هذه الوزارات وخاصة الداخلية، لها صلة بالإشراف المباشر على الانتخابات، خاصة وأن الجزائر تدخل أفق الانتخابات الرئاسية المقررة في أبريل 2014 وما يتطلبه ذلك من تحضيرات وإجراءات.

ونعرض هنا لقرائنا الكرام موقفين متباينين من التعديل الوزاري الأخير الأول لعبد المالك سلال الذي يذهب إلى أن التعديل جاء في سياق مواصلة الجهود من أجل حكومة أكثر انسجاما وديناميكية في حين يرى فيصل مطاوي رئيس تحرير يومية الوطن الناطقة بالفرنسية أن الهدف من التعديل الوزاري الجديد هو التحضير من الآن للانتخابات المقبلة.

تعديل من أجل حكومة أكثر انسجاما

من أجل حكومة منسجمة وديناميكية

يرى عبد المالك سلال أن التعديل الوزاري الأخير جاء في سياق مواصلة الجهود من أجل حكومة أكثر انسجاما وديناميكية وهي حكومة ستعمل على تنفيذ مجموعة البرامج التي وقع تحديدها.

ويؤكد الوزير الأول أن المشاريع المسجلة في إطار البرنامج التنموي لرئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة ستتعزز مع الحكومة الجديدة بمزيد من الديناميكية.

ويرى سلال أن المشاريع مع الحكومة الجديدة ستدعم بحيث يتعلق الأمر بالاستمرارية، وهي حكومة منسجمة وكل واحد سيتحمل مسؤولياته لإتمام برنامج رئيس الجمهورية كلية.

وهناك أهداف سطرت، كما أن العديد من الوزارء يتمتعون بالخبرة وسيعملون على تحريك الأمور في قطاعي الصحة والفلاحة خاصة موضحا أنهم رجال ميدان.

ويوضح سلال،أن الحكومة تعير اهتماما بالغا للفلاحة وللتنمية الصناعية مستدلا بمثل قطاع الصناعة الذي أصبح اليوم وزارة التنمية الصناعية، مضيفا أنها المرة الأولى التي يعين فيها وزير مكلف بإصلاح الخدمة العمومية وذلك ما يبين حسب رأيه أن الالتزامات التي اتخذت من أجل تحسين الخدمة العمومية لصالح المواطن أضحت اليوم واضحة ومحددة.

ويدعو عبد المالك سلال إلى ضرورة استرجاع "القاعدة الصناعية للجزائر" بغية التوصل إلى إنشاء المزيد من مناصب الشغل والتسريع من وتيرة النمو الاقتصادي.

ويوضح سلال ذلك قائلا: "لقد قمنا بتسجيل عملنا في منحى استرجاع هذه القاعدة الصناعية للخروج من حوار الصم بشأن دور المحروقات" في التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد، مشيرا إلى أن "هناك مصانع مغلقة منذ عدة سنوات" في مختلف قطاعات النشاط على غرار قطاع الجلود، ويذهب إلى أن المحروقات تظل أحد ركائز الاقتصاد الوطني مع الإعلان عن اكتشاف جديد للغاز الصخري.

ويوضح الوزير الأول قائلا: "كثيرا ما سمعت عن اقتصاد خارج المحروقات" غير أنني "أدرجت عمل الحكومة في إطار قاعدة براغماتية لتسوية مشكل التشغيل" معتبرا أن "هناك أوقاتا ينبغي علينا التفكير فيها معا بغية ضمان أداء أفضل في المجالين الاقتصادي والاجتماعي".

ويرى سلال أن الجزائر بحاجة إلى العودة إلى أساسياتها مع التذكير أن عمل الحكومة يندرج في إطار التوصل إلى النمو الذي وصفه بمشكل لم نتمكن من حله بالرغم من تسجيل بعض محاولات الانتعاش.

ويذهب عبد المالك سلال، إلى أن الحكومة ستضع الأجندة السياسية نصب أعينها، وفي مقدمة هذه الخريطة هنالك موعد تعديل الدستور، وأن الوزير المكلف بالعلاقة مع البرلمان سيكون له دور محوري في مهمة إحالة التعديل على الهيئة التشريعية للمصادقة، ومن هذا الموعد السياسي سيتحدد شكل رئاسيات 2014، أو الرئاسيات القادمة بشكل عام دون تحديد موعدها. وسيكون على الحكومة الاستعداد لاستحقاقات مفصلية تتطلبها الحركة السياسية التي تضمن إنجاح خارطة الطريق التي أعدتها السلطة لاجتياز "عقبة 2014" التي بدأ التحضير لها بوتيرة متسارعة لاستدراك التأخر المسجل منذ بدء الرئيس رحلة العلاج. وفضلا عن التعديل الدستوري والانتخابات الرئاسية، فإن الكثير من الملفات قد يتم إعادة النظر فيها، بالتوازي مع التحضير للمواعيد القادمة، فالعديد من مشاريع القوانين تتطلب الظروف السياسية القاهرة تسريعها، خصوصا أن فترة مرض الرئيس بوتفليقة تكون قد استنفذت جزءا كبيرا من وقتها.

ومما يزيد من الضغط على حكومة سلال الجديدة أن التعديل الحكومي يأتي في فترة تشهد فيها الجزائر احتجاجات واسعة في مجالات عديدة على غرار الصحة، التعليم، الشغل وغيرها، وذاك يفرض أن تجد حلولا لجميع المسائل العالقة، خصوصا ما تعلق منها بالمطالب الاجتماعية والاقتصادية، على رأسها الأجور، وتوفير مناصب الشغل، والقضاء على البيروقراطية، وتشجيع الشباب على الاستثمار.

ترتيبات ما قبل الانتخابات


هدفه التحضير للانتخابات المقبلة


يرى فيصل مطاوي رئيس تحرير يومية الوطن الناطقة بالفرنسية أن الهدف من التعديل الوزاري الجديد هو التحضير من الآن للانتخابات المقبلة.

ويذهب إلى أن هذا التغيير لم يكن متوقعا، لأن مجلس الوزراء لم ينعقد منذ نحو ثمانية أشهر، وهناك العديد من مشاريع القوانين معطلة، وبدلا من أن يجتمع مجلس الوزراء ويقوم بتحريك هذه المشاريع يقوم الرئيس بإحداث تعديل حكومي جاء القرار بمثابة المفاجأة.

ولفت إلى أن قائمة الوزراء الجدد تثبت أن بوتفليقة أحكم قبضته على الوزارات السيادية من خلال تعيين مقربين منه، ففي وزارة الدفاع عين الفريق أحمد قايد صالح نائبا ويشغل أيضا منصب قائد الأركان.

كما عين الطيب بلعيز وزيرا للداخلية وكان رئيسا للمجلس الدستوري الذي كان له دور "حساس جدا" خلال فترة مرض الرئيس بوتفليقة، بحيث رفض تطبيق المادة 88 من الدستور، وإعلان شغور منصب رئيس الجمهورية بسبب العارض الصحي، والداخليــــة هي التي ستحضر وستشرف على الانتخابات الرئاسية.

ويرى مطاوي أن بوتفليقة أحكم قبضته على وزارة العدل، لأنها هي التي تشرف من خلال الرقابة على العملية الانتخابية بتعيين الطيب لوح، كما عين عبد القادر مساهل على رأس وزارة الاتصال (الإعلام) "لما لها من أهمية خلال الفترة المقبلة".

ويؤكد مطاوي أن مهمة هذه الحكومة التحضير للانتخابات الرئاسية المقبلة، مضيفا أن "بوتفليقة مريض ومتقدم في السن، إلا أنه بدأ في حملة انتخابية قوية، للذهاب إلى عهدة رئاسية رابعة العام القادم رغم عدم إعلانه عن الترشح".

وأشار مطاوي إلى أن بوتفليقة في هذا التغيير "عاقب" الوزراء الذين كانوا معارضين له خلال أزمة حزب جبهة التحرير الأخيرة، مشيرا إلى أن بوتفليقة "معروف

عنه أنه يعاقب ويبعد كل من يقف في طريقـه".

ويطرح التعديل العديد من الأسئلة حول مستقبل الجزائر في المرحلة القادمة وتشمل بطبيعة الحال احتمالات أداء الاقتصاد وإمكانيات تطور النظام السياسي ومستوى الإعلام وكيفية عمله وآفاق نمو المجتمع بشكل عام.

وفي مواقف سابقة رأى مطاوي أن الجزائر خلال السنوات الماضية، لم تظهر أية بوادر تتعلّـق بالانطلاقة الاقتصادية التي كنا ننتظرها، والجزائر لم تشهد منذ استقلالها مثل المداخيل المالية الكبيرة التي تكدّست في بنوكنا، والتي تُـقدر بمائة مليار دولار.

ورغم هذه الوفرة المالية، لم تكن هناك استثمارات جدية، كما تعطّـلت عملية خصخصة القطاع العام، ورغم كثرة المشاريع، فإن نتائجها لم تظهر على أرض الواقع.

ويرى أنه على المستوى السياسي، فقد تميزت الجزائر في عام 2006 مثلا، ببرلمان نائم وحكومة تتغير كل ستة أشهر، وأحزاب نائمة وأخرى مهمشة، بسبب قانون الطوارئ المستمر منذ عام 92، وبالتالي، فإن الركود الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، حقيقة واقعة.

ويرى أن المشكل ليس في تغيير الحكومات، بل في النظام السياسي الجزائري، الذي يميزه غياب الشفافية، والقرار الاقتصادي كما السياسي لا تُـحترم فيه القواعد الديمقراطية، فما هي إذن جدوى تغيير الحكومات؟

فالجزائر غيّـرت عدة حكومة منذ عام 92 بواقع حكومة كل سنة تقريبا، فكيف يُـراد لنا تطبيق سياسات ناجعة دون استقرار؟ وهل أعطي لنا يوما سبب تغيير هذه الحكومة أو تلك؟

ويعتقد فيصل أن هناك نظام سياسي في الجزائر لا تحكمه قواعد الشفافية المتعارف عليها دوليا، والرئيس بوتفليقة يمرض فتتوقّـف كل البلاد، لأن هناك شخصا واحدا يأخذ القرار، فماذا لو كان هناك نظام ديمقراطي متفتح تعدّدي، قراراته تُـتَّـخذ في البرلمان ومن قِـبل مجلس الشيوخ؟


التغيير في عيون الإعلام الجزائري


كانت المواقف في الإعلام الجزائري بشأن التعديل الوزاري الذي أقره الرئيس بوتفليقة متباينة وتنطلق من زوايا مختلفة.

ذلك أن الإجراء ربما يكون قد فاجأ الجميع الذين كانوا ينظرون إلى المشاكل الجزائرية بحزمة من الحلول الأخرى وليس من خلال هذا التعديل.

بالنسبة لصحيفة "لوسوار دالجيري" المقربة من المعارضة فإن "بوتفليقة تحرك بشكل مفاجئ وقوي ليستعيد كل السلطات بين يديه". و نقلت عن مصادر مؤكدة أن بوتفليقة قال صراحة لرئيس الوزراء عبد المالك سلال ونائب وزير الدفاع ورئيس أركان الجيش الفريق قايد صالح "أعلمكم أني قررت الترشح وآمركم بأن تبدأوا التحضير لذلك".

وقالت في صدر صفحتها الأولى تحت عنوان "خطة بوتفليقة" إن الرئيس "تمكن في أسبوع واحد من قلب الأوضاع لصالحه وهز الساحة السياسية الوطنية".

أما صحيفة "الخبر" فخصصت صفحتين للحدث تحت عنوان "مواجهة مكشوفة بين الرئيس والجنرال توفيق" في إشارة إلى الفريق محمد مدين المعروف بالجنرال توفيق مدير دائرة الاستعلام والأمن وهي التسمية الرسمية للاستخبارات الجزائرية.

وأكدت "الخبر" إن التعديل الوزاري الأخير "يشير إلى أن الرئيس أقفل على خصومه في قفص" كما أنه "أقوى محطة في مسار الاستمرار في الحكم".

وأضافت الصحيفة أن التعديل الوزاري "أقرب ما يكون لماكينة دعائية لبداية الخوض في الولاية الرابعة بعدما أزيحت من الذهان بدعوى مرض الرئيس".

وتوقعت الصحف قرارات جديدة "ثورية" لبوتفليقة في الأسابيع أو حتى الأيام المقبلة على جميع المستويات في السلطة بدءا بالولاة والقضاة مرورا بالقيمين على الإعلام الحكومي وصولا إلى قيادة الجيش والشرطة.

أما صحيفة "لوكوتيديان دورون" المقربة من الرئاسة فكتبت في تحليلها أن "الذين استبقوا الأحداث ودفنوا بوتفليقة بمجرد نقله للعلاج في فرنسا تفاجأوا بما أعلنه الأربعاء (إعلان التعديل الحكومي) بعد أن اعتقدوا أن السلطة الحقيقية التي تقر مستقبله ليست بيده"، وأكدت الصحيفة أن "الترتيب للمعركة الذي نفذه بوتفليقة سيوقف المرشحين المحتملين لخلافته".

من ناحيتها أشارت صحيفة "لوتون دالجيري" الصادرة باللغة الفرنسية إلى أنه "بالتحاق 11 وزيرا جديدا و ترقية ولاة لأول مرة في منصب وزراء فإن هذا التعديل يعد "هاما" مقارنة مع التعديلات الحكومية المماثلة التي كان قد أجراها رئيس الجمهورية سابقا".

في حين تؤكد جريدة "الوطن" الصادرة باللغة الفرنسية في مقالها أن "12 وزراء غادروا الحكومة إلى جانب إجراء تغيير جذري في المناصب الوزارية ذات السيادة".

أما يومية"ألجيري نيوز" فقد وصفت هذا التعديل بمثابة "لفتينغ عميق" داخل الجهاز التنفيذي من أجل تشكيل حكومة متجانسة" مشيرة إلى أنه تم خلال هذا التعديل خلق حقائب وزارية جديدة متعلقة أساسا بنائب وزيرالدفاع الوطني وكذا وزير مكلف بإصلاح الخدمة العمومية ووزير منتدب لدى وزير المالية مكلف بالميزانية.

وفي مقال عنونته "حكومة ميدان" اعتبرت "ديكا نيوز" التعديل الوزاري الذي أجراه رئيس الجمهورية "تقنيا نظرا لتضمن الحكومة الجديدة وزراء شبابا من ذوي التجربة الميدانية الرفيعة".

12