ماذا وراء "العاصفة السوداء"

الخميس 2016/09/15

بين الواقع وشبيهه مسافة مرسومة يلجأ إليها الكتّاب والفنانون والمخرجون السينمائيون إما لتبديد سطوة الواقع وقسوته من وجهة نظر فنية، وإما لتوسيع رقعة الواقع وتهويله في زاوية نظر محددة لإسباغ قوة طاغية على الواقع وتلوينه وتضخيمه لتثوير فكرة اجتماعية أو دينية أو إنسانية عامة، وتحميل الواقع شبيها محتملا له تحت ظروف نفسية ضاغطة هي غيرها ظروف الواقع كما جرت، وهذا من خيال الكتّاب والمخرجين الموازي لخط الواقع والرديف الدرامي له في أغلب الأحوال.

بتقديرنا هذا ما حمله فيلم “العاصفة السوداء” للمخرج الكردي حسن حسين، والمشارك في النسخة الرابعة من فعاليات مهرجان دهوك الدولي بمشاركة 40 دولة ستعرض خلال هذا الأسبوع 120 فيلما دراميا قصيرا ووثائقيا.

ولأن الفيلم تناول قضية حساسة جدا تخص المجتمع الإيزيدي الذي تعرض إلى غزوة داعش، وبالذات تعرضه إلى ملف الإيزيديات الناجيات من الأسر، فإن موجات اجتماعية غاضبة طالت الفيلم ومخرجه عبر الصحافة المحلية ومنتديات التواصل الاجتماعي، حتى اجتاحت البرلمان العراقي بصوت النائبة الإيزيدية فيان دخيل التي وصفت الفيلم بأنه يتضمن قصصا لا ترتبط بالواقع بل هي من الخيال المريض لمؤلفه والمنافية للواقع، وأن الفيلم “المشؤوم” هو بذرة للفتنة.

هذه النظرة الصريحة وسواها من عامّة الإيزيديين الذين يرون فيه خيانة للواقع الإيزيدي المتسامح وقلبا للحقائق، أشعل فتيل النقد العاطفي والتضامن الجماعي لمنع الفيلم وعدم الترويج له تحت أي ذريعة، بدعوى الإساءة المقصودة للإيزيديات الناجيات من أسر داعش وطعن في المقامات الدينية التي أبدت مرونة كبيرة في هذا الموضوع، ويصف الكثير من الإيزيديين أن هناك تشويها للواقع وتطاولا عليه وخيانة له، وبالتالي فإنه من المبكر جدا تزوير التاريخ في حقائق لا تزال جارية على الأرض حتى هذا اليوم، ولا يزال الشهود والشاهدات أحياء بطبيعة الحال.تلقى المخرج سيلا لم ينقطع حتى اللحظة من الاتهامات الصريحة وعُدّ فيلمه شريحة سوداء في التاريخ الاجتماعي والديني للإيزيدية، وإذا كان المخرج ينظر بواقعية مجردة إلى الأحداث السنجارية وما أعقبها من تداعيات اجتماعية ثقيلة الوطأة على الأهالي بفقدان نسائهم وبيعهنّ في أسواق النخاسة، فإنه أقصى هذا الواقع وذهب إلى تعميق المأساة من خلال شخصية شابة أسيرة أنقذها خطيبها المقاتل في مغامرة العثور عليها في سوريا وإعادتها إلى المخيم تحت سؤال لا يخلو من الصراحة هو كيف سيستقبل المجتمع المحافِظ هذه الشابة وكيف سيتعامل مع هذه الحالة وهي الاغتصاب؟ بطريقة السؤال الذي يسأله كل إيزيدي تعرض لمثل هذه المواقف الصعبة.

واقع الأمر يشير إلى أن رجال الدين استقبلوا الهاربات من داعش وفتحوا أبواب الحياة لهنّ من جديد، فالقسرية التي تعرضنَ لها لا تستوجب التعصب الديني والقبلي وبالتالي أفتوا بشرف المرأة الإيزيدية التي تعرضت إلى الإكراه الجنسي، لكن المخرج تجاوز هذه الحقيقة وذهب بعيدا إلى عرض المشكلة بوصفها الواقعي-المتخيل حينما جعل من الفتاة الأسيرة عرضة للقتل من قبل ذويها بوصفها “عارا”، وهو ما ينافي الواقع الإيزيدي- الديني- الاجتماعي كليا مثلما حاول تشويه صورة أحد المكونات الطائفية الإسلامية بطريقة غريبة ليس لها رصيد واقعي.

تقديراتنا تشير إلى أن المخرج أراد بث رسالة درامية إلى الآخر تشي بقسوة المجتمع المرتبط بالمقدس والقبلي وأن الحرب لا تعفي الأسيرات من وجود هذا الرابط الجذري حتى ولو كان قاسيا ومريرا، وهو عكس الواقع حينما بدا المقدس الإيزيدي متسامحا ومرنا جدا في النظرة الكلية لما آلت إليه أوضاع النساء بعد غزوة داعش.

ونعتقد أن المخرج تجاوز هذه الحقيقة منطلقا من خيال الفن وما يوفره له من دراما ممكنة لتعميق الجرح الإيزيدي وفتح كل نوافذه الاجتماعية والدينية، وهو ما فتح عليه أبواب النقد وعواصف الاحتجاج التي لا تزال تتفاعل بطريقة جماعية شعبية ورسمية. حتى أن الأمانة العامة لمجلس الوزراء (غرفة عمليات قرار مجلس الأمن 1325) أصدرت بيانا شديد اللهجة اتهمت الفيلم بأنه “يتناغم مع أجندات خارجية، ويثير الشكوك والريبة في نوايا المخرج والجهات الراعية لإنتاج الفيلم”.

كاتب من العراق

14