ماذا وراء دعوات نصرالله إلى الحوار مع المستقبل

الأحد 2014/11/09

يلعب حسن نصرالله مع تيار المستقبل دور معلم مدرسة لديه تلميذ مشاغب لكنه لم يفقد الأمل في تربيته وإصلاحه. كان السيد قد بذل جهدا استثنائيا ليشرح لهذا التلميذ المشاغب درس الإرهاب والتكفير. قال له إن البيئة التي خرج منها هي بيئة حاضنة للإرهاب وعليه أن يشاركه في قمعها كي يضع له علامة عالية. عرض له الأسباب الموثقة التي تبرر دخول الحزب الإلهي إلى سوريا والذي يقع موضوع محاربة الإرهاب في صلبها ولم يقتنع. كان السيد في كل مرة يتجنب أن يكسر عظم هذا التلميذ الشقي ويكتفي بأن يخصم له نقاطا غالية من رصيده الوطني والسياسي والاجتماعي.

الكارثة التي اندلعت في الشمال أجبرت المعلم على إعادة حساباته. ظن أنها “نقشت معو”، وأن هذا التلميذ المشاغب سيقع في فخ الاستجابة لضغط الإرهاب المفروض على بيئة، وأنه سيعمد إلى تشجيع نشوء إرهاب مماثل ما سيجعله في وضعية اشتباك مع الجيش اللبناني تسمح بدمغه بدمغة الإرهاب التي ستقضي عليه دفعة واحدة.

بخع التلميذ الأستاذ و”علّم” عليه وفاقه أستاذية، فما كان منه إلا أن اتبع الدرب الصعب وغير المتوقع. بادر بنفسه إلى شن الحرب على الإرهاب ونجح بالتحالف مع المؤسسة العسكرية في تجنيب الشمال كارثة محققة. استطاع أن ينتزع من الأستاذ المزعوم كرسي الأستاذية في الوطنية وتحمل المسؤوليات والعض على الجراح.

وجد الأستاذ نفسه في وضع حرج فما كان منه إلا أن قرر منح التلميذ علامات عالية فصرح قائلا “الآن هنا سنتكلم خارج الغرائز، نريد أن نحكي العقل والإنصاف. الإنصاف يقول إن العامل الآخر والأساسي جدا الذي ساهم في تخطي الشمال، وبالتالي تخطي لبنان، لهذه المصيبة الكبرى هو موقف أهل طرابلس وموقف أهل الشمال عموما، وبالأخص المرجعيات الدينية والسياسية والعلماء والشخصيات في الطائفة الإسلامية السنيّة الكريمة في لبنان. لو لم يكن هذا الموقف الوطني الشريف والواضح والحاسم من كل هذه المرجعيات والقيادات السنيّة لأخذت الأمور في الشمال وفي طرابلس منحى مختلفا تماما، وسواء كانت هذه المرجعيات تنتمي إلى الفريق الآخر أو إلى هذا الفريق.يجب أن نخص بالتأكيد -نحن نتحدث عن تقدير عال لهذا الموقف- أولا نقول، هذا الموقف كان عاملا حاسما في إنقاذ لبنان مما كان يحضّر له، وأيضا نقدر عاليا هذا الموقف وهذا السلوك وهذا الأداء. يجب أن نقدر عاليا موقف رئيس مجلس الوزراء، رئيس الحكومة اللبنانية و سماحة مفتي الجمهورية اللبنانية، وكل القيادات السياسية ورؤساء الحكومات السابقين، وطبعا يجب أن نسجل أن الدور الأبرز في هذا الموقف هو لتيار المستقبل ولقيادة تيار المستقبل”.

بعد ذلك تحدث السيد عن رغبته في فتح حوار مع تيار المستقبل. ما الذي غيّر الأحوال حتى بات تيار المستقبل راعي التكفير والإرهاب تيارا صالحا يساهم لا بل ينسب إليه الفضل الأكبر في إنقاذ لبنان.

هل يمكن أن نتخيل أن حزب الإصبع ومنتج خطاب تحسس الرؤوس قد صحا من سكرة النصر الدائم وبات راغبا في الركون إلى السياسة والتسويات؟ الجواب هو بالنفي قطعا.

مغازلة الحزب لتيار المستقبل ليست سوى محاولة منه لإجباره أن يدفع كل الفواتير عنه مقابل شهادة حسن السلوك التي يعطي الحزب نفسه دوماً الحق في إصدارها.

يريد منه أن يدفع فاتورة الحرب على الإرهاب الذي جرّه هو إلى لبنان. يريد منه أن يدفع من رصيده فاتورة لملمة الغضب السنّيّ، وكذلك يريد أن يدفع التيار فاتورة الصراع الداخلي الذي سينشأ في صفوفه جراء طرح فكرة الحوار مع حزب الله الذي كان قد دعا منذ فترة إلى مؤتمر تأسيسي يتضمن الدعوة إلى إعادة إنتاج النظام اللبناني برمته.

لا يريد الحزب أن يدفع أي فاتورة. فقط يريد أن يمضي شيكات باتت بلا رصيد على الإطلاق. يعتقد أنه لا زال قادرا على منح صكوك الغفران، وأن ثمن هذه الصكوك غال للغاية، بشكل لا يبدو فيه أي تنازل يبذله الطرف الآخر مهما كان سوى بادرة حسن نية، وربما نوعا من الواجب الذي لا يستوجب الشكر.

يصفق السيد لتيار المستقبل لأنه حارب إرهابا سنيّا محاولا الإيحاء الضمني بأنه قد نجح في فرض توصيفه الخاص للإرهاب على التيار في حين أن تيار المستقبل يحارب الإرهاب كمفهوم عابر للطوائف.

يرى التيار أن الإرهاب السنّيّ هو الأخ التوأم والوليد المسخ للإرهاب الشيعي. حزب الله لا يريد محاربة الإرهاب فهو لا يمكن أن يقضي على الرئة التي يتنفس منها، والتي بات يرى فيها مع حليفه الأسد المذعور الفرصة الوحيدة للخلاص. يريد أن يجعل هذا الإرهاب مشكلة سنيّة خالصة ومحصورة في المجال الجغرافي والسياسي الذي يناصر الثورة السورية في حين يستكمل هو مشروع إبادة الشعب السوري.

ما لجم طموحات الحزب كان فشله في خلق حرب بين الجيش والطائفة السنية، ويسجل له أنه دفع بالعجلة السياسية السعودية إلى الدوران بسرعة على خلاف عادتها، فكان أن وُضعت الهبة السعودية على نار حامية فأثمرت توقيع اتفاق تسليح الجيش اللبناني بقيمة ثلاثة مليارات والشروع بتسليم السلاح في مدة شهر واحد.

أهمية هذه الهبة أنها أنقذت الجيش اللبناني من براثن حزب الله الأمنية والتسليحية فالجيش لا يكون قابلا للاختراق إلا في لحظة ضعفه. تقويته ومده بالعتاد اللازم من شأنه لجم طموحات حزب الله في تحويله إلى أداة تعمل لصالحه. من هنا تكتسب الهبة السعودية قيمة تأسيسية لأن من شأنها إتاحة المجال لبناء الجيش كمؤسسة، وهو الأمر الذي لا يحتمله حزب الله، ولكنه لا يستطيع الوقوف في وجهه كما أنه كذلك لا يستطيع ادعاء أبوّته.

ربما بسبب هذا المعطى بالغ الأهمية عمد الحزب إلى إحراق الجنرال عون من خلال اعتباره مرشح قوى الثامن من آذار لرئاسة الجمهورية. فعل الحزب ذلك في اللحظة التي باتت فيها الكنيسة المارونية تستشعر خطرا داهما من الفراغ الرئاسي دفع بها إلى توصيف معطلي انتخاب الرئيس بالدواعش.

أصبح معطلو الانتخاب المسيحيون في مواجهة مباشرة مع الكنيسة المارونية ومع البيئة المسيحية ككل إضافة إلى خصومتهم مع تيار المستقبل وحلفائه الذين بدوا الأكثر حرصا على انتخاب الرئيس وإنهاء حالة الفراغ. قائد الجيش العماد جان قهوجي المرفوض من حزب الله ارتدى ثوب المرشح الرئاسي الأقوى بوصفه صاحب الإنجازات الذي يغازله الجميع، والذي سيدفع الحزب ثمنا سياسيا وأمنيا باهظا في حال وقف حائلا دون وصوله إلى سدة الرئاسة.

يضاف إلى ذلك أن المخرج الإسرائيلي لم يعد متاحا فإسرائيل ردت على لسان وزير النقل يسرائيل كاتس على عنتريات نصر الله بالقول “إن أي اعتداء على إسرائيل يعني تدمير لبنان وإعادته إلى العصر الحجري”، كما هدد الوزير الإسرائيلي نصر الله شخصيا بقوله “إنه هو من سيكون تحت الحجارة”.

يعلم نصر الله أنه لا يستطيع أن يمزح مع إسرائيل حالياً لأنها هي من وقف حائلا دون سقوط بشار الأسد لذا لا يملك حديثه حول إسرائيل أي قيمة فعلية. العامل الذي يجب الانتباه إليه والذي يفسر جزءا كبيرا من حنانه الوطني المستجد إنما يكمن في المسار غير المبشّر بالخير الذي يتخذه التفاوض مع إيران بشأن ملفها النووي والذي حُدّد له سقف نهائي في الرابع والعشرين من شهر ديسمبر القادم.

إيران تعيش حاليا لحظة مخاض فمركزية القوة التي وضعت في يد المرشد الأعلى والحرس الثوري خلقت في لحظة احتضار المرشد جيوشا من الطامعين بالوصول إلى الحكم، كما أن الصراع بين التيار الإصلاحي والمتشددين بات حادا وينذر باحتمال نشوب حرب أهلية في أي وقت، إضافة إلى أن قمع النظام لعرب الأهواز والأقليات بات يشكل دافعا قوياً للركون إلى خيار المقاومة المسلحة.

التيار الإصلاحي الإيراني لا يريد حرباً مع الجوار العربي ويحاول الانفتاح على العالم ، ولعل نجاح وساطة أبرز رموزه هاشمي رفسنجاني في نيل عفو من السعودية عن الشيخ نمر النمر المحكوم بالإعدام بتهمة إثارة الفتن يقول إن إيران الولي الفقيه المعادية للعرب بشكل عام وللسنّة بشكل خاص قد بدأت تتغير، وتالياً فإن حزب الله لن يكون في ظل هذا التغيير سوى نوع من بضاعة فاسدة منتهية الصلاحية.

هل يمكن بعد ذلك أن نسأل لماذا استبدل نصرالله الإصبع بالدعوة إلى الحوار؟

6