ماذا يبقى من بانكسي

تجار الفن يسعون لترويض فنان غرافيتي الحرية، لخلق جاذبية تساعد في التسويق ورفع السعر.
الأحد 2019/11/17
تحية غرافيتية من بانكسي لستيف جوبز بوصفه المهاجر السوري المبدع (غرافيك "الجديد")

من هو بانكسي؟ المعلومات الرسمية تقول إنه فنان بريطاني، من مواليد مدينة بريستول عام 1974، ولكن هناك من يعتقد أن بانكسي أكثر من شخص واحد، ويستدلون على ذلك بتنقله السريع بين الدول، يتابع الأحداث والكوارث، ويسجلها رسوما على الجدران.

مقابل هذه النظرية هناك من يقول إن بانكسي شخص واحد بدليل أن رسومه تتخذ أسلوبا واحدا، لا يمكن لأياد مختلفة أن تنجزها، والوحدة الفنية تؤكد ذلك.

هذا الجدل يخدم شهرة بانكسي، ويحوّله إلى عرض مشوق، يبدو معه الأمر وكأن هناك أياد خفية تخطط له وتحيطه بالغموض، في لعبة تسويقية بحتة.

هل هو غونينغام؟

"كوزيت" بانكسي لاجئة على جدار
"كوزيت" بانكسي لاجئة على جدار

الجهود التي بذلت للكشف عن حقيقة الشخصية، انتهت إلى اقتراح أن يكون واحداً من شخصين، إما روبرت بانكس أو روبن غونينغام، المولود هو الآخر في بريستول عام 1973، وانتقل إلى لندن عام 2000، نفس العام الذي بدأت فيه أعمال بانكسي بالانتشار.

مؤخرا قامت مجموعة من الباحثين في جامعة “الملكة ماري” البريطانية بمحاولة التعرف على بانكسي، مستخدمين علوم الرياضيات والجريمة، أو ما يعرف باسم التنميط الجيوغرافي، وهو تحليل إحصائي، يتم من خلاله حصر الأماكن التي تواجد فيها المشتبه به.

قام الباحثون بتتبع 140 عملا للفنان في مواقع مختلفة، تتوزع بين لندن وبريستول، ثم ربطوا بين هذه المواقع وبين معلومات قدمها أشخاص تواجدوا في المنطقة، ليتوصلوا في النهاية إلى قائمة تضم عشرة أسماء محتملة.. بالطبع، كان اسم غونينغام بينها.

عند هذه النقطة، قرر الباحثون التوقف، دون تقديم أيّ معلومات إضافية، ودون تفسير يبرر قرارهم هذا، ليبدو أن الجميع يفضّل بقاء بانكسي لغزا دون حل.

تنقلات بانكسي لا تقتصر على بريطانيا وأوروبا.. إنه في كل مكان، يظهر حيث تظهر القضايا الكبرى والأزمات والكوارث.

مؤخرا قامت مجموعة من الباحثين في جامعة {الملكة ماري} البريطانية بمحاولة التعرف على بانكسي، مستخدمين علوم الرياضيات والجريمة، أو ما يعرف باسم التنميط الجيوغرافي

في غزة، يقولون “بانكسي مرّ من هنا” وفي أكثر من مناسبة. الزيارة الأولى صادفت أعياد الميلاد، غادر بعد أن ترك وراءه رسما على جدار الفصل العنصري، يمثل مريم ويوسف النجار، وقد اعترض طريقهما الجدار الفاصل، في الطريق إلى بيت لحم.

الزيارة الأخيرة له تلت حرب عام 2014 على غزة، التي أطلق عليها الجانب الإسرائيلي عملية الجرف الصامد، وعرفت من الجانب الفلسطيني بمعركة العصف المأكول وعملية البنيان المرصوص، إثر خطف وتعذيب وحرق الطفل محمد أبو خضير، على أيدي مجموعة من المستوطنين الإسرائيليين.

قام بانكسي برسم عدد من أعمال الجرافيتي، على الأبواب وجدران البيوت المهدمة، من بينها رسم لقطّة تلهو بقطعة معدنية، من بقايا قصف، وأخرى لفتاة تفتش جنديا إسرائيليا مدججا، في سخرية واضحة، عكس فيها الواقع المؤلم للفلسطينيين داخل قطاع غزة.

رسالة بانكسي التي أراد إيصالها للعالم هي “إن غسلنا أيدينا من الصراع بين القويّ والضعيف، فإننا نكون بذلك قد اخترنا الوقوف إلى جانب القويّ، وهذا لن يجعلنا محايدين كما نعتقد”.

أنا ستيف جوبز

عمل حائطي في فلسطين لبانكسي
عمل حائطي في فلسطين لبانكسي

قضية اللاجئين، هي الأخرى، واحدة من اهتمامات بانكسي.. وكان الرسم الذي نفّذه على جدران مقابلة لمبنى السفارة الفرنسية في لندن، قد أثار موجة تضامن مع اللاجئين المحتجزين في مخيم أقامته السلطات الفرنسية في مدينة كاليه، على بحر المانش، الفاصل بين فرنسا وبريطانيا.

اختار بانكسي شخصية “كوزيت” وهي فتاة رواية البؤساء، للروائي الفرنسي فيكتور هيجو، التي تعرض على مسارح لندن. بدت كوزيت في الرسم باكية، بعد أن تعرضت لغاز قنبلة مسيلة للدموع، في اتهام واضح للسلطات الفرنسية التي استخدمت العنف للسيطرة على اللاجئين داخل مخيم كاليه.

ومن أشهر رسومه في نفس المخيم، رسم لستيف جوبز، مؤسس شركة أبل الأميركية العملاقة، وهو ابن مهاجر سوري، في لفتة تضامن واضحة مع اللاجئين السوريين الذين تشردوا عبر أوروبا. وتبرع أحد الأثرياء بنقل الرسم في جولة عبر العالم، أملا في أن يساهم في تغيير النظرة السلبية نحو المهاجرين.

آخر هموم فنان الجرافيتي هو الربح، فهو قد اختار التحدي ومواجهة الخطر، فنانون عدة انتهوا في السجن بتهمة التعدي على أملاك الغير، أو دفعوا حياتهم ثمنا لإنجاز رسم على جدار.

إلى هنا تبدو قصة بانكسي مع الجرافيتي منسجمة مع طبيعة هذا الفن الثائر، والمتضامن مع المعذبين في الأرض أينما كانوا.

الحياة قصيرة

افتتاح متجر يعرض أعمال بانكسي في مدينة بريطانية
افتتاح متجر يعرض أعمال بانكسي في مدينة بريطانية

خلال الفترة الماضية تكرر اسم بانكسي أكثر من مرة، الأولى كانت خبر افتتاحه متجرا في منطقة كرويدن بضواحي لندن. افتتحه كما يقول احتجاجا على شركة تنتج بطاقات للأعياد، استخدمت اسمه في عملية الترويج لمنتجاتها. ووصف بانكسي الدافع بأنه “أقل الأسباب شاعرية لإنجاز أعمال فنية”.

الدافع، مثلما هو واضح، وكما أكد خبراء قانونيون في مجال الفن الذين نصحوه بافتتاح صالة العرض، هو حماية حقوق الملكية، وحماية أعماله من التقليد والتزوير.

“الحياة قصيرة” عبارة اختارها بانكسي لتحتل مكان الصدارة، وتكون أول شيء يواجه الزوار الفضوليين وعشاق الفن، مؤكدا أن أرباح المعرض ستذهب لشراء زورق إنقاذ للمهاجرين، بدلا عن زورق صادرته السلطات الإيطالية.

 الجرافيتي عند بانكسي، رسالة سياسية واجتماعية من جانب، واحتجاج على تحويل الفن إلى سلعة من جانب آخر. لا أحد يشكك في نجاحه في الهدف الأول، رسائله السياسية والاجتماعية وصلت إلى العالم.

إنه عالم بانكسي..
إنه عالم بانكسي..

الخبر الثاني، نشر بعد يومين من الخبر الأول، يؤكد أن بانكسي لم ينجح في الشق الثاني، الفن كان وسيبقى سلعة تسوّق، تجار الفن اقتفوا آثار أقدام بانكسي حيثما ارتحل، وانتظروا الفرصة المناسبة للحصول على أعماله وتسويقها محققين أرباحا طائلة، لم تدخل جيب بانكسي غالبا.

الخبر كان حول آخر تلك الصفقات، لوحة ضخمة طولها أربعة أمتار، رسمها الفنان عام 2009، تصور قردة الشامبانزي تجلس مكان النواب في البرلمان البريطاني، باعتها دار سوذبي للمزادات بمبلغ تجاوز 12 مليون دولار.

وكان الخبراء قدروا سعرها بين 1.5 مليون ومليوني جنيه إسترليني. بأقل من 13 دقيقة صعد السعر ليصل إلى 8.5 مليون جنيه إسترليني، وبإضافة الرسوم والعمولة بلغ سعر العمل 12.2 مليون دولار.

السعر النهائي كان مدهشا، حتى بالنسبة إلى بانكسي، الذي علق على أنستغرام قائلا “سعر قياسي لعمل فني لبانكسي في مزاد الليلة. عار أني لم أعد أمتلك العمل”. وأرفق تعليقه هذا بتعليق للناقد الفني روبرت هيوز، حول قيمة العمل الفني، يقول فيه “سعر العمل الفني جزء من وظيفته، وهي أن يقبع على الجدار ويعلو ثمنه. وبدلا من أن يكون ملكية عامة للبشرية مثل الكتاب، يصبح الفن ملكية خاصة لشخص يمكنه تحمل الكلفة”.

قد يعلق العمل على جدار، ولكنه غالبا ينتهي في مخازن مصفحة مبنية بعناية فائقة، يتم التحكم بدرجة حرارتها ورطوبتها وإضاءتها. بالنسبة إلى الشاري هو مجرد استثمار، قد لا يجد الفرصة للوقوف أمامه وتأمله.

الغموض الذي يحيط بشخصية بانكسي بدا عفويا في البداية، شاب ثائر يخرق القانون وحمى نفسه من العقاب. ولكنه اليوم أصبح هدفا مدروسا يخطط له، لخلق جاذبية تساعد في التسويق ورفع السعر، في عالم يسوق فيه كل شيء، بدءا ببقايا الطعام، وانتهاء بأشعة الشمس. إنه عالم بانكسي.

ينشر المقال بالاتفاق مع "الجديد" الشهرية الثقافية اللندنية

13