ماذا يحدث حين تنام الآلهة القديمة؟

"إلياذة" مونودراما أميركية عن الحرب التي لم تتوقف منذ أيام طروادة.
الأحد 2020/01/19
الحرب حكاية لا تنتهي

قرر الممثل الأميركي  دينيس أوهاير منذ أكثر من عام ترك الولايات المتحدة الأميركيّة والانتقال إلى باريس هرباً من ترامب والجو المتوتر الذي يحكم البلاد، إذ يقول أوهاير إنه لم يعد يشعر بالأمان في بلاده التي انتشرت فيها العنصرية والتنمر والنزعة الوطنيّة السامة، ويضيف أن الشرطة أصبحت أشد عنفا، أفرادها يحدقون في وجوه ويحكمون عليهم دون أن يعرفوا أي شيء عنهم، قرار أوهاير لا يختلف عمّا قام به الكثيرون الذين تركوا بلادهم خوفا من خطر قادم يهدد الجميع، ويجعل الناس أشبه بطرائد لا تعلم صيادها في عالم على وشك الانفجار.

  يستضيف مسرح “الدوّار” في العاصمة الفرنسية باريس مونودراما “إلياذة” من تأليف ليزا باتيرسون ودينيس أوهاير، الذي يلعب الشخصية الرئيسيّة، وهي راوٍ عابر للزمن، أشبه بهوميروس الحيّ منذ ثلاثة آلاف عام، والذي ينتظر كل يوم ربات الإلهام ليطلقوا العنان للسانه، كي يحدث المشاهدين عن الإغريق الذين تحركت سفنهم لأجل عيني هيلين المخطوفة، مستذكراً الجثث التي انتشرت على شواطئ طروادة، والموت المستمر الذي تحركه الآلهة، باكيا أمام ماكينة الحرب التي تلتهم الناس والمدن لأجل الآلهة التي تراقب وتتسلى بالأقدار، أشبه برياضة للترفيه عن النفس على حساب دموع ودماء المتحاربين.

ندخل المسرح لنرى الخشبة التي تبدو للوهلة الأولى غير مجهزة، إذ لا يحيل الفضاء إلى أي مكان.

هناك فقط طاولة وكرسيّ على المنصة التي تحوي تجهيزات المسرح، ليظهر أوهاير عليها مرتديا درعا فوقه ثياب معاصرة، ويحمل حقيبة سفره وهو يردد شعراً باللغة اليونانيّة، مناديا ربات الإلهام كي ينطُقنَ بلسانه، ويضبطن إيقاع كلامه،  خصوصاً أنه يواجه صعوبة في بداية قصته، إذ لا يتذكر بدقة تفاصيل الحرب التي مضى عليها مئات السنين، لذا يشعل الإضاءة ويتأمل الجمهور، يتحدث معهم، يسألهم عن أبطال طروادة، وصراع الآلهة الذي أودى بحياوات الآلاف، ليبدو مجرد راو لحكاية حرب شهدها، ولعنَته الآلهة إثرها وأجبرته على ترديد أحداثها، لأنه في كل مرة يقصُّ الحكاية، يفقد جزءا من روحه.

هوميروس الخالد عبر التاريخ
هوميروس الخالد عبر التاريخ

علاقة الراوي مع ذاكرته تتضح حين نكتشف أنه يخفف عن نفسه باستخدام الكحول، محاولا استيعاب أهوال الحرب التي تتلبسه شخصياتها، ليعيش من جديد الموت الذي شهدوه، هو دوما بمواجهة رعب يترك أثره الجسدي عليه كلما بدأ يتذكر، إذ ينفعل، ويغضب، ويحزن، وهو يحدثنا عن تفاصيل القتل والموت، الغضب العارم الذي يملأ جسد المحارب حين يدخل في نوبة قتل، يفقد بسببها وعيه، ويطلب دماء أكثر لتسيل أمامه.

يسألنا أوهاير عن أسماء الأبطال أثناء العرض، يختبر معرفتنا عن المشاركين في الحروب، أولئك الذين ليسوا مجرد شخصيات في حكاية، بل أناس عرفهم وعاش معهم، فزمن الحرب الطويل يترك أثرا في الذاكرة، إذ يعيد تكوينها والحفر في تلافيفها ما يجعل كل كلمة ألما، لنكون للحظات كهوميروس شهود على الموت، كلما تذكرنا حكاياته، ازددنا وعياً بخراب العالم من حولنا.

أداء أوهاير الجسدي وقدرته على التنقل بين اللغات الإنكليزية والفرنسية واليونانية يكسب العرض حيويّة، ويجعلنا قادرين على التماهي مع ما يقوله، وبالرغم من أن العرض مونودراما، ومهدد دوما الملل، إلا أن أوهاير يقدم حلولا مسرحيّة لما “يسرده” مراهناً على قدرته كراو لجذب انتباهنا، إذ يصف لنا درع أخيل، ذاك الذي صنعه الإله الحداد هيفستوس ورسم فيه مدناً وحقولاً وأفراحاً قبل أن يرتديه أخيل.

مأساة الراوي / هوميروس تتجلى بحقيقة أنه لن يرتاح إلا عندما تنتهي الحرب
مأساة الراوي / هوميروس تتجلى بحقيقة أنه لن يرتاح إلا عندما تنتهي الحرب

يحدثنا أيضاً عن هيكتور، الذي يصفه بالرجل الحقيقي، ذاك الذي يبذل كل شيء لأجل وطنه وأسرته، في ذات الوقت، يحيلنا إلى الحرب، تلك التي أشعلها الجبناء، باريس وهيلين، القابعان وراء أسوار المدينة المحاصرة، يحلمان بمستقبل بلا حرب على حساب كل من يسقطون موتى يومياً بسبب طيشهما.

يتأمل الراوي في قادة الحرب المدفوعين بغرورهم الشخصي، كأغاممنون الذي رفض أن يعيد كاهنة أبولو إلى معبدها، تاركا مقاتليه تحت لعنة يمكن أن تتلاشى إن أعاد الكاهنة، لكنه رفض، كونه لا يتراجع عن موقفه الذي قد يودي بحياة الجميع، ذات الإصرار نراه لدى أخيل، البطل الأسطوري، الذي رفض أيضا مساعدة المقاتلين كي لا يتراجع عن كلمته، لكن حين قَتلَ هيكتور قريبه، اشتعل الانتقام في دمه، وطارد هيكتور لساعات قبل قتله على مرأى من الجميع، هذه التناقضات والصراعات التي تحويها الحرب تُدمي الراوي، تبكيه و تفرحه، هو يتقمص كل شخصية يتحدث بلسانها، وكلما ازداد سكره، ازداد تأثير ما يروي عليه، وكأنه في ساحة المعركة شاهداً على الموت الذي يتكرر أمامه في كل لحظة، حتى أن جسده ينهار من شدة ما يتذكره.

يستدعي أوهاير كل حروب العالم، يُسمّيها ويعددها كقائمة لا متناهية، وكأن كل حكاياتنا تدور حول الحروب التي أحرقت المدن والتهمت الناس، يبكي نهاية لأن الحرب لم تنته، وما زالت حكاياتها مستمرة، لكنه لا يخبرنا عن مصير طروادة، يعلم أننا نعرف ما حصل، وربات الإلهام والشعر يعرفن أيضاً أنه لن يكمل الحكاية، وهنا يتضح معنى العنوان “إلياذة”، هو دون أداة تعريف، وكأن أوهاير يقدم حكايته الخاصة عن الحرب، تلك التي قد تتكرر وتلتهم الجميع.

مأساة الراوي / هوميروس تتجلى بحقيقة أنه لن يرتاح إلا عندما تنتهي الحرب، أمنية عاش قروناً بانتظار أن تتحقق، ولطالما هناك موت فهناك أغنيات وآلهة تتصارع، وهنا يأخذنا أوهاير إلى الحاضر، بصورة أدق، زمن ترامب الذي يقود أميركا إلى الخراب، فهوميروس/ أوهاير  غير قادر على استيعاب العنف داخل الإنسان، ذاك الذي ينتقل من جيل إلى آخر،  ويلتهم الأجساد والعقول، وكأن الناس لم تتغير منذ أيام طروادة، حروب وقتل لا يتوقفان، وهذا ما يدفع أوهاير إلى تغيير أسماء الأماكن والحروب في كل مدينة يقدم فيها العرض، وكأن الحرب ظاهرة عالميّة، سواء كنا في أميركا أو مصر أو أستراليا، فكل مُشاهد يحمل ذاكرة عن موت شهده أو سمع عنه.

14