ماذا يحدث حين يجلس ضحايا الإرهاب مع الإرهابيين

مسائل التوبة والمراجعة والانخراط من جديد في المجتمع، ليست مضمونة دائما وتتطلب رعاية خاصة ومعقدة.
الخميس 2018/03/01
إرهابيان سابقان مع ضحيتين سابقتين

جاكرتا - قاطع ناجون من الهجمات الإرهابية يوم الأربعاء الماضي اللقاء الأول من نوعه الذي يعقد في أندونيسيا بين مدانين قدامى وناجين، ما شكل ضربة لمبادرة اعتُبرت مرحلة أساسية على طريق المصالحة.

وجمعت هذه المبادرة التي دعت إليها الحكومة في أحد فنادق جاكرتا، بين 124 مدانا بجرائم على صلة بالإرهاب و51 من الناجين أو من أقرباء الضحايا الذين قتلوا في الهجومات، لكن جمعيتين للضحايا قاطعتا الاجتماع احتجاجا على فكرته.

وكانت الحكومة الأندونيسية قد دعت إلى تنظيم اجتماعات بين العشرات من المسلحين المدانين وناجين من هجمات إرهابية، وذلك على أمل أن تكافح التطرف وتعزز المصالحة.

وقدم نحو 120 مسلحا اعتذارا لضحايا وناجين من هجمات متفرقة مثل تفجيرات بالي عام 2002 وتفجير السفارة الأسترالية في جاكرتا عام 2004، وذلك بحسب مدير وكالة مكافحة الإرهاب في أندونيسيا.

كانت الاجتماعات مغلقة على مدار ثلاثة أيام بداية من يوم الاثنين الماضي، وسمح فيها للصحافيين بحضور فعالية اليوم الأخير، وذلك بالنظر إلى حساسيتها حيث لا يمكن الاستهانة بخصوصية وقع مثل هذه المواجهة بين الجناة من ناحية والضحايا وذويهم من ناحية ثانية.

ويقول أحد ضحايا تفجير فندق شهير في جاكرتا إنه سامح مرتكبي الهجوم ويدير الآن منظمة لدعم ضحايا التفجيرات.

أندونيسيا مرشحة لأن تكون ملاذا لمقاتلي داعش بعد اندحار التنظيم في العراق وسوريا، مما ينذر بالمزيد من العمليات الإرهابية

يشار إلى أن تفجيرات بالي التي وقعـت عام 2002 تعتبر مـن أقـوى الهجمـات الإرهـابية في تاريخ أندونيسيا، وراح ضحيتها 202 شخص من بينهم 150 من جنسيات أجنبية.

وقالت ني لوه ارنياتي، المستشارة في “مؤسسة الناجين الأندونيسيين” التي قاطعت اللقاء “ثمة عدد كبير مـن قـدامى الإرهابيين في هذه القاعة.. لسنا مستعدين نفسيا لملاقاتهم والاستماع إليهم”، وأضافت “لقد غفرنا لهم لكننا لا يمكننا التنبؤ بردات فعلنا إذا ما استفاقت عواطفنا”.

ويذكر أن أندونيسيا، البلد الأكبر تعدادا للمسلمين في العالم، قد تعرض لسلسلة من الهجمات التي شنها متطرفون، منها اعتداءات بالي التي أدت إلى مقتل أكثر من 200 شخص في 2002.

وكان معظم الضحايا من السائحين الأجانب لكن ما يقارب 38 أندونيسيا قتلوا أيضا في تلك العملية الإرهابية التي تعد الأعنف والأشد دموية في سجل الإرهاب بجنوب شرق آسيا.

وأنشأت ارنياتي التي خسرت زوجها في تلك الاعتداءات مؤسسة ايسانا ديواتا، لتمثيل عائلات القتلى وبقيت هذه المؤسسة مثل مؤسسة الناجين بمنأى عن الاجتماع.

وحضر فيبي فيرمانسيا، الذي نجا من الاعتداء على فندق جي.دبليو ماريوت في جاكرتا الذي أسفر عن 12 قتيلا عام 2003، الاجتماع. ويقول فيبي إنه يرفض أي ضغينة على الرغم من تمزق وتشوه يده، بالإضافة إلى آثار الحروق التي تغطي كامل جسمه. واعتبر مشاركون ومراقبون الخطوة التي أقدم عليها الناجي من اعتداء فندق ماريوت، بالرغم من الإصابات التي تعرض لها في ذلك العمل الإرهابي، رسالة في التسامح والسلام كان على الكثير أن يحذوا حذوها من أجل أن تندمل الجراح وتطوى الصفحات السوداء، ذلك أن الأحقاد لا تعالج بالأحقاد و”الشرور لا يمكن أن نرد عليها بالشرور” كما قال البابا فرانسيس في عظته يوم الأحد الماضي بالفاتيكان.

ويطرح موضوع المصالحة بين مدانين سابقا بأعمال إرهابية وبين ضحايا كانوا مستهدفين ضمن تلك العمليات، إشكاليات نفسية وأخلاقية يصعب تجاوزها، وتتطلب خبراء ومتخصصين يعملون على مساعدة الضحايا وأهاليهم على تجاوزها.

ويؤكد الخبراء النفسيون أنه ليس من السهل تصور تلك الاجتماعات التي ستأخذ حتما شكل المواجهة الخفية مهما أريد لها أن تكون تصالحية، ومهما كانت النوايا التي تحركها سواء من الطرف الراعي الذي ينظم تلك الاجتماعات أو من جهة الفريقين اللذين يحضران بالنيابة والوكالة عن القاتل والمقتول.

الناجون من الإرهاب والتائبون عنه جميعهم يشتركون في أمور شديدة التعقيد والحساسية والغرابة أيضا

الناجون من الإرهاب والتائبون عنه جميعهم يشتركون في أمور شديدة التعقيد والحساسية والغرابة أيضا، وهي أن “الناجي” ضحية كادت تكون في عداد الهالك دون ذنب، و“التائب” إرهابي اهتدى إلى طريقه بعد خطئ، وبمحض المصادفة ربما، لذلك يعود السؤال المشروع ليطرح نفسه بقوة أشدّ: ماذا لو كانت هذه المواجهة حقيقية افتراضية -وليست واقعية تشخيصية- أي بين ضحية وإرهابي.. كيف ستكون حجة كل منهما؟

ما يدعو إلى هذه الأسئلة الافتراضية ويضفي عليها طابعا غير مفرط في التفاؤل هو أن أندونيسيا بلد مرشح لأن يكون ملاذا آمنا لمقاتلي داعش بعد اندحار التنظيم في العراق وسوريا، مما ينذر بالمزيد من العمليات الإرهابية رغم نجاعة طرق التصدي، إذ اتهمت محكمة أندونيسية منذ أيام المتشدد أمان عبدالرحمن، مؤسس جماعة “أنصار الدولة” المرتبطة بتنظيم داعش، بأنه دبر من سجنه سلسلة من الهجمات في البلاد، بينها هجوم انتحاري في العاصمة جاكرتا عام 2016.

ووفقًا للائحة الاتهام يحاكم عبدالرحمن بتهم التخطيط وحشد آخرين لتنفيذ هجمات. وأبلغت المدعية أنيتا ديواياني، المحكمة بأن عبدالرحمن بايع تنظيم داعش في 2014، وحث آخرين على تنفيذ سلسلة من الهجمات.

وتحدثت المدعية عن مخطط لشن هجوم على غرار هجوم باريس يستهدف الأجانب ولا سيما المواطنين الفرنسيين والروس.

وتلت ديواياني أسماء الضحايا في بعض الهجمات التي اتهم عبدالرحمن بتدبيرها ومنها هجوم في يناير 2016 قتل خلاله ثمانية أشخاص بينهم أربعة مهاجمين بعد أن هاجم مفجرون انتحاريون ومسلحون وسط العاصمة.

وقالت المدعية إن عبدالرحمن مسؤول عن هجوم انتحاري العام الماضي أسفر عن مقتل ثلاثة من رجال الشرطة في محطة حافلات بجاكرتا وتفجير كنيسة في ساماريندا بجزيرة بورنيو أدى إلى إصابة أربعة أطفال.

وبالعودة إلى جدوى مثل هذه الاجتماعات التي تنظم بين الجاني والضحية ضمن مساع تصالحية من شأنها أن تخفف من حدة الأحقاد، وتبلسم الجراح، فإن ما بدر من الإرهابي الأندونيسي أمان عبدالرحمن في المحكمة لا يشجع كثيرا على أن غالبية المتورطين في أعمال قتل وعنف لا يمكنهم أن يتوبوا ويعودوا إلى جادة الصواب، وذلك بدليل أن عبدالرحمن “أبلغ المحكمة أنه فهم الاتهامات ولا اعتراض لديه على لائحة الاتهام” أي أنه غير نادم على ما أقدم عليه ولا أمل في صلحه ولا تصالحه مع ذوي الضحايا رغم أن الشرطة كانت قد أعادت إلقاء القبض على عبدالرحمن العام الماضي بعد أن قضى عقوبة السجن لإقامته معسكرًا لتدريب متشددين في إقليم أتشيه الأندونيسي.

13