ماذا يريدون من ليبيا

الجمعة 2014/10/03

كان حلم مفكرين كثيرين على مدى أحقاب طويلة هو أن تتحد البشرية في حكومة واحدة، تؤكد الوشائج الكثيرة التي تربط بين الجنس البشري، وتنظر إلى الكرة الأرضية باعتبارها وطنا للنوع الإنساني، من مصلحة سكان العالم دفع الضرر عنها، لأنه عندما يأتي، لا يفرق بين شمال وجنوب وشرق وغرب، مثل هذه الأوبئة التي لا يدعي أحد إنه بمنجاة من شرورها.

فمرض الأيدز عندما جاء، لم يفرق بين أوروبي، أو أفريقي. والخير أيضا يعم ويصل إلى كل الناس، فالتقنية العلاجية التي تظهر في جنوب أفريقيا، تصبح تقنية علاجية تنتفع بها البشرية في كل مكان من الأرض، وهذه الجهود هي التي أنتجت عصبة الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الأولى، وهي التي أنتجت هيئة الأمم المتحـدة عقب الحرب العالمية الثانية، فكل حرب من هاتين الحربين أشعرت العالم بخطورة هذه الصراعات التي تنشب بين شعوبه وأقطاره، وأن توحيدها في كيان واحد، سوف يقضي على أسباب التناحر والاحتراب.

وتعاظمت الدعوة لمثل هذه الحكومة على أيدي رجال عظام مثل الفيلسوف الحائز على جائزة نوبل في الآداب برتراند راسل، وكنت ممن ذهبوا وراءه في مسيرات من أجل السلام وضد حرب فيتنام كان يقودها في حديقة الهايد بارك، وكان واحدا من أكبر الدعاة لإنشاء هذه الحكومة العالمية التي تختفي تحت مظلتها الحروب، لأنها ستدير موارد العالم وشؤونه لصالح كل البشر.

أفضت هذه الجهود، إلى أشكال مختلفة من الكيانات الدولية التي تتبع الأمم المتحدة، مثل منظمة الصحة العالمية، ومنظمة الأغذية، ومنظمة الزراعة، واليونسكو، وغيرها ممن تتخذ طابعا غير ملزم. ولكن أناسا كثيرين يؤكدون أن حكومة سرية، تحكم العالم الآن غير تلك التي دعا إليها المفكرون من أمثال برتراند راسل وغيره، حكومة تديره بشكل يشبه عصابات المافيا، التي تعمل تحت الأرض، لصالح قوى دون أخرى، ولاستغلال جزء من العالم لصالح جزء آخر، وهي فوق كل الحكومات، وتعمل خارج أي غطاء قانوني أو شرعي، وتخضع لمخططاتها كل حكومات الأرض لأنها تستخدم وسائل لا يستطيعون إبطالها أو مقاومتها، وتفتح الطريق لوصول حاكم تريده ويخدم مصالحها، دون آخر، تراه لا يخدم هذه المصالح، ويديرها أناس يسميهم نعوم تشومسكي “لا وجوه لهم” Faceless people، لأن لا أحد يعرفهم، ولم ينتخبهم أحد لوظيفة عامة أو لإدارة شأن من الشؤون، وربما كانوا يمثلون غرفا سرية في المخابرات فوق سلطة السياسيين، ومنظمات ذات بروتوكولات سرية مثل الماسونية العالمية، ولا يستبعدون مخابرات دولة صغيرة في الشرق الأوسط هي اسرائيل، لها أعوان من الصهاينة في كل بقاع الأرض هم الموساد، ذات تمثيل في هذه الغرفة العالمية، التي لن تكون بعيدة عن مخابرات دول كبيرة مثل أميركا وبريطانيا وربما روسيا.

هذه الغرفة السرية السوداء، غرفة عابرة للحواجز السياسية والأيديولوجية، وترتكب جرائم لا أحد يعرف من ارتكبها، ولا أحد يشك أنها جرائم فوق إرادة حكومات ورؤساء وملوك، ورغم إراداتهم بل تطال هؤلاء الرؤساء أنفسهم، بما في ذلك الرئيس الأميركي، لأن أحد هؤلاء الرؤساء كان ضحية لها هو جون كينيدي، الذي لا أحد يعرف بعد نصف قرن على مقتله، من الذي كان وراء هذا القتل، فهي تعمل بأسلوب الأشباح. وكما ظلت جريمة كينيدي غامضة، فإن جريمة قتل الأميرة ديانا، التي لا يشك أحد في أنها ذهبت نتيجة حادث مدبر، ظلت غامضة وسجلت ضد مجهول، ومن المستحيل أن يُعرف من كان وراء الحادث.

لا استطيع الجزم بحقيقة وجود هذه الغرفة، لكن شواهد وأحداث كثيرة، تقول بوجود قوة خفية تتدخل لتعصف بعمل ما، أو تخرجه عن سياقه ومساره، دون أن نعـرف كيف حدث هذا العصف أو هذا الخروج. واعتقد أن هذه القوة الخفية، ظهرت واضحة في تغيير مسار أحداث الربيع العربي، فهو ربيع لم يصنعه أحد غير القوى الشعبية التي قامت به، وجاء تعبيرا عن توق هذه الشعوب للانعتاق والتحرر من حكومات ظالمة، ولكن الحصاد المر لهذا الربيع، لا يتفق إطلاقا مع منطلقاته ودوافعه.

واعتقد أن الحالة الليبية حالة واضحة، فقد انحرف مسار ثورة 17 فبراير، انحرافا معاديا لطموحات الشعب الليبي وآماله، وهناك الآن دعوات تتصاعد من كل العالم لمعاونة ليبيا في إعادة الاستقرار والسلام إلى شعبها وأرضها، ولكن أحدا لا يفعل شيئا لتحقيق هذا المطلب الذي تتفق عليه أقطار العالم، ولن يستطيع أن يفعل شيئـا في المدى المنظور، لأن هناك قوة خفية مجهولة لا تريد ذلك، ولديها بالتأكيد خطة جهنمية لاستخدام ليبيا في غرض من أغراضها التي سوف تسفر الأيام عن مغزاها ومقاصدها.


كاتب ليبي

9