ماذا يريد المغرب من إفريقيا

الأحد 2016/12/04

لن تتآلف كل تلك الدول والمؤسسات التي تتفق مع قرار المغرب استعادة مقعده بالاتحاد الأفريقي، ولن تختفي الأحقاد ضده بين عشية وضحاها. نقولها بصراحة، إن هذا البلد القابع في موقع استراتيجي يشكل شوكة في حلق العديد من أصحاب المصالح الذين لا يريدونه متضامنا مع الهم الأفريقي ولا مشاركا في تنمية قارة ينتمي إليها بالجغرافيا والسياسة والثقافة والتاريخ.

وأكبر من هذا وذاك لا يستسيغون فكرة انفتاح المملكة على شرق أفريقيا كما كان مع صنوها الغربي ويتهيبون من اللغة التي تتحدث بها الرباط مع الأفارقة ولا يجيدون تهجئة كلماتها.

ماذا يريد المغرب من أفريقيا؛ إنها الشراكة والتضامن والتنمية والاهتمام المشترك بالحاضر بتطويره والمآل بالتخطيط الجيد له، بلغة مقتصدة تجمع المغرب بأفريقيا شرقا وغربا الكلمة السحرية، رابح-رابح.

المغرب لن يختار العودة إلى ما قبل إيداع ملف عودته للاتحاد الأفريقي، فالمسألة مرتبطة بإستراتيجية دولة جرى الاشتغال عليها طيلة سنوات بتأن وحسابات جد دقيقة للمتغيرات الجيوسياسية وحان وقت بسطها على أرض الواقع.

هناك من يستعين بمتتالية حسابية في تحليل انسحاب المغرب من قمة مالابو الأفروعربية ويستنتجون أن إضافة مقدار ثابت من البراغماتية على القرار الذي اتخذه بالعودة إلى الاتحاد الأفريقي سيحتم عليه الجلوس على طاولة واحدة مع البوليساريو والتعايش معه.

لكن هذا الرأي يمكن نسفه بمتتالية قانونية مضادة تفنّد كافة المبررات التي تحاور تشبيك استعادة المغرب لمقعده بالاتحاد الأفريقي مع الانصياع لحيل الخصم ومناوراته، وهذا ما تعمل الدبلوماسية المغربية في ظلالها غير المرئية للتعامل معه بندية وحزم. فالبوليساريو لا ترقى إلى مصاف الدول المتوفرة على أركان وجودها، وبالتالي سيكون مقعد المغرب بالاتحاد الأفريقي أكثر استقرارا وثباتا مقابل الكيان الانفصالي.

فتوجهات القارة الأفريقية المستقبلية تستند على مسلك التعاون المبني على الشراكة مع دول تحترم التزاماتها وتتوفر على إمكانيات وعلاقات تمكّنها من تنفيذ برامجها وتصوّراتها الاقتصادية والتنموية والزراعية وغيرها. وبالطبع البوليساريو لا تمتلك شيئا من هذا، لذا ستكون في مرمى حجر براغماتية حديّة لدول لا تعترف بخسارة حاضرها ومستقبل أبنائها.

وندد المغرب في 30 نوفمبر بـ”المناورات المتواصلة” لرئيسة مفوضية الاتحاد الأفريقي نكوسازانا دلاميني زوما، كونها “تسعى لعرقلة قرار المغرب استعادة مكانه الطبيعي والشرعي داخل أسرته المؤسساتية الأفريقية”، واختارت زوما حسب بيان الخارجية المغربية مواصلة “تحركها للعرقلة من خلال اختلاق شرط مسطري (إجرائي) غير مسبوق ولا أساس له ترفض من خلاله بشكل تعسفي رسائل دعم المغرب الصادرة عن وزارات الشؤون الخارجية للدول الأعضاء بالاتحاد الأفريقي”.

ونرى أن زوما لعبت ورقة التماطل في توزيع طلب المغرب وعرقلة عودته إلى مؤسسات الاتحاد الأفريقي، لسببين، الأول، هو زيارة العاهل المغربي الملك محمد السادس لمدغشقر وحجم الاتفاقيات المبرمة بين البلدين والذي وضع الدول المناوئة له ومنها لبلدها جنوب أفريقيا أمام أمر واقع جديد، لم تستوعب بعد أن يدخل المغرب إلى مجالهم الحيوي ونشر عقيدته المتأسسة على مبدأ التعاون والشراكة المتوازنة بدل الهيمنة والإضعاف الذي تمارسه تلك الدول.

الثاني، محاولة إدخال المغرب في حالة غضب وجرّه إلى الانغماس في جدل قانوني حول أحقيته في استعادة مقعده بالاتحاد الأفريقي، بغرض ترك المساحة لمناوئيه وإظهاره بوضع الضعيف الذي لن يقدر على الدفاع عن رؤيته الأفريقية المعززة بدينامية رابح-رابح.

فهل يتم الإعداد لخليفة زوما لا يقل عنها شراسة في مناهضة مصالح المغرب والوقوف ضد رغبته في استعادة مقعده بالاتحاد الأفريقي؟ هذا مؤكد، فالمعركة شرسة للغاية والمغرب يجتهد دبلوماسيا وسياسيا لتسجيل نقط تثبيت رؤيته والحفاظ على تموقعه داخل أفريقيا ومن داخل مؤسسات الاتحاد هذه المرة.

النفوذ المغربي بالقارة الأفريقية يقضّ مضاجع العديد من الدول وتسعى هذه الأخيرة إلى إشغال المغرب بقضايا داخلية وتخويفه من حرب في الصحراء. وكان هذا واضحا في قضية الكركرات على الحدود مع الجزائر.

فتخوفات جنوب أفريقيا من تحركات المغرب واستراتيجيته القوية عبر أذرع سياسية وتجارية واقتصادية وأمنية من داخل القارة السمراء، تحكمه نزعة هيمنة بريتوريا على القرار الأفريقي وخشيتها من فقدانها.

الرد جاء في حوار أجراه الملك محمد السادس مع وسائل إعلام ملغاشية قبل ذهابه لنيجيريا، أكد فيه أن “المغرب يتوفر على مشاريع في عدد من بلدان أفريقيا، ونحن نحرص على أن نعطي ونتقاسم دون أيّ تعال أو غطرسة، ولا حسّ استعماري”، مضيفا، أن “الحضور المغربي في أفريقيا، وبشكل خاص الجولة التي أقوم بها حاليا، لا تروق للبعض”.

لقد قرر المغرب العودة إلى أفريقيا مؤسساتيا رغم أن حضوره على أرضها كان دائما وأبدا طيلة الـ32 سنة الماضية وعلى مستويات متعددة.

بالتالي لم تعد تفاجئنا مواقف ولا سلوكيات رئيسة مفوضية الاتحاد الأفريقي، دلاميني زوما، المنحازة لأطروحة الانفصال وتطالب علانية ودون أدنى تحفظ بتمكين ما تسميه “شعب الصحراء الغربية” من “تقرير مصيره”. وعندها يمرّ الحل لمشكل الصحراء المفتعل عبر “الاستفتاء، هو وعد قطعناه على أنفسنا، ولا بد من تحقيقه”، جاء ذلك في كلمة لها، خلال الجلسة الافتتاحية للقمة الأفريقية الـ26 التي انعقدت في يناير 2016 بالعاصمة الأثيوبية، أديس أبابا.

وها هي دلاميني زوما تهيئ الأجواء لكي لا يكون المغرب ضمن الحاضرين في قمة الاتحاد الأفريقي في يناير المقبل، والغاية هو قطع الطريق على كل فرصة للمملكة للتضييق على البوليساريو من داخل الاتحاد. ونحن نعرف أن زوما مجرد قفاز لسياسات جنوب أفريقيا المناوئة لتواجد المغرب في شرق أفريقيا.

وأخيرا نؤكد على أن الواقع الجديد الذي تخشى منه الدول المناوئة للمغرب هو الرؤية الواضحة والمدروسة للمغرب تجاه شركائه الأفارقة، المتمثلة في النمو والتنمية والديمقراطية والحكامة الجيدة.

كاتب من المغرب

6