ماذا يعني أن تعيش في جلباب قامة سياسية عملاقة مثل الباجي

قد نختلف مع الباجي، حول ألف موضوع وموضوع، ولكن دعونا نتفق حوله على أمر واحد؛ الباجي الأب قامة سياسية عملاقة، دفع حافظ قائد السبسي ثمن العيش في جلبابها.
الاثنين 2019/04/22
زعيم بالفطرة

أثار إعلان الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي عدم رغبته في الترشح للانتخابات الرئاسية القادمة -رغم أن الدستور يسمح له بذلك- الكثير من الجدل، وتبارى الكثير من المحللين في تقديم التفسيرات.

بعض المحللين ربطوا بين عدم رغبة الباجي في الترشح، وبين عوامل تتعلق بالتغيرات الإقليمية والوضع الجزائري (استقالة عبدالعزيز بوتفليقة تحديدا). وحسب هؤلاء يدرك قائد السبسي أن حظوظه لن تكون كبيرة، ولن يحقق هذه المرة الإجماع الذي حققه عام 2014.والبعض الآخر ينتقد قائد السبسي ويقول إنه خذل ناخبيه بالتعامل مع النهضة بعد أن وعد بقطيعة سياسية معها.

الباجي لم يخذل ناخبيه؛ لم يكن، ولن يكون، بين النهضة والنداء أي لقاء سياسي، ما كان هو فقط تكتيك، الهدف منه الحفاظ على وحدة تونس ومصلحة تونس وأمن تونس.

التقارب المؤقت الذي أشاد به العالم حينها، حمى التجربة التونسية. وللمنتقدين، من يعيبون على الباجي تبنيه نهج الحوار مع الأحزاب التي لا تتفق معه في الرأي، نقول “إنه فن السياسة” حيث لا صديق دائما ولا عدو دائما.

لم يكن قائد السبسي، السياسي، منحازا إلى حافظ قائد السبسي، الابن، كما يحاول البعض أن يلوي الحقائق. في الحقيقة لم ينحز الباجي إلى ابنه أكثر مما انحاز إلى الشيخ راشد الغنوشي وحمة الهمامي

الباجي، في حقيقة الأمر، مهد للظرف الذي أجبر فيه النهضة على التبدل والسير خطوة ولو بسيطة في اتجاه الاعتدال. حتى لا تتبدد، كان على النهضة أن تتبدل، وأن تثبت أنها لا تشكل تهديدا لمدنية الدولة.. وما كان لذلك أن يحدث لولا حكمة قائد السبسي.

خشية الهزيمة في الانتخابات التي ساقها آخرون، ليست هي الأخرى سببا مقنعا، لو أن الهزيمة تخيف “الأسد العجوز” ما كان اليوم داخل العرين. ويرى المشككون أن في الدعوة التي وجهها قائد السبسي إلى يوسف الشاهد للعودة الى صفوف النداء دليل ضعف، وتنبؤا مبكرا بالهزيمة. بينما هي في حقيقة الأمر دعوة مبطنة إلى التحالف مستقبلا، ومبادرة لقطع الطريق على أي تحالف بين النهضة والشاهد.

فالقوى التي تدعم الشاهد، داخليا وخارجيا، تجعل منه لاعبا لا يمكن تجاهله اليوم، خاصة بالنسبة إلى قائد السبسي الذي يعمل على إنجاز توافق جديد في انتخابات أكتوبر 2019، يضمن مصالح تونس والتونسيين.

وكانت استطلاعات للرأي، نُشرت مؤخرا، قد أبرزت تقدم النهضة في نوايا التصويت بـ24.3 بالمئة، وحل ثانيا لأول مرة حزب الشاهد “تحيا تونس” بـ16.8 بالمئة من نوايا التصويت، وجاء “نداء تونس”، ثالثا بـ16.3 بالمئة. قراءة بسيطة للأرقام تثبت أن تونس لن تحكم إلا بالتوافق، تونس اليوم لا تعيش بالرقم السحري للأنظمة القديمة، 99.9 بالمئة. اليوم، أقصى ما تطمح إليه الأحزاب أن تصل إلى الحكم بربع أصوات الناخبين.

لم يكن قائد السبسي ليحتاج إلى مؤسسات سبر آراء ليدرك الحقيقةَ، فهو زعيم بالفطرة، وخبير محنك بالتجربة الطويلة. اللازمة الأخيرة، التي يحلو لبعض المتابعين ترديدها، هي الخلافات التي شقت حركة النداء (الحزب الحاكم)، آخذين على الرئيس اصطفافه إلى جانب ابنه، على حساب الشق الآخر من الحزب. يبدو أن رفض الباجي الانحياز إلى أيٍّ من الطرفين فُسر من قِبل هؤلاء بأنه انحياز إلى الابن. وهذا باطل أريد به باطل.

الهم السياسي عند المواطن التونسي جزء لا يتجزأ من الهموم اليومية، فالتونسي يمارس العمل السياسي 24 ساعة في اليوم، 7 أيام في الأسبوع، وثلاثين يوما في الشهر. جولة مع سائق تاكسي في شوارع تونس، أو جلسة على كرسي في مقهى، تكشف لنا أن التونسيين، على مختلف مشاربهم، يتنفسون سياسة.

الباجي لم يخذل ناخبيه؛ لم يكن، ولن يكون، بين النهضة والنداء أي لقاء سياسي، ما كان هو فقط تكتيك، الهدف منه الحفاظ على وحدة تونس ومصلحة تونس وأمن تونس

في تونس لا يوجد، كما يقال، 217 حزبا سياسيا، بل يوجد 11 مليون حزب سياسي.. حزب لكل مواطن. ومن المدهش، في جو مثل هذا، أن نرى من يقول “الأحزاب في تونس تُفصّل حسب المقاس″، في محاولة غير بريئة للإيحاء بأن المصالح الفردية هي التي تحرك العملية السياسية في البلاد.

الأحزاب في تونس تُفصل حسب رغبات الناس، ونبض الشارع.. لن نرى ديناميكية يوما، كما نراها في تونس اليوم. لم تقص تونس بعد الثورة أحدا عن العمل السياسي، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، حتى “أنصاف الشياطين” وجدوا الفرصة لإثبات براءتهم. في الحياة السياسية، كما مارسها قائد السبسي، ليس من حق أحد أن يطلق الأحكام، إلا الشارع. وهذا ما حدث ويحدث، رغم محاولات التشويه.

لم يكن قائد السبسي، السياسي، منحازا إلى حافظ قائد السبسي، الابن، كما يحاول البعض أن يلوي الحقائق. في الحقيقة لم ينحز الباجي إلى ابنه أكثر مما انحاز إلى الشيخ راشد الغنوشي وحمة الهمامي؛ وقف بكل حزم، على مسافة واحدة من الجميع.

قد نختلف مع الباجي، حول ألف موضوع وموضوع، ولكن دعونا نتفق حوله على أمر واحد؛ الباجي الأب قامة سياسية عملاقة، دفع حافظ قائد السبسي ثمن العيش في جلبابها.

الباجي أرسى حكم الوسط. والوسط عنده، هو الابتعاد عن التطرف، بشقيه اليسار واليمين. الوسط هو مصلحة تونس والتونسيين.. ليس بين التونسي والتونسي اليوم إلا صندوق الاقتراع. الباجي الذي ترك باب الترشيح للرئاسة مواربا، يدرك جيدا أن ما بينه وبين الفوز بعهدة ثانية هو 93 عاما، هي عمره الآن.

7