ماذا يعني أن تكون حداثيا

الأحد 2018/01/28
عمل فني يعكس تصورات الفن الحديث في علاقته بالأحوال والأفكار والموضوعات الشائعة في المدن الكبرى

ولدت الحداثة مع التطور الصناعي ومع إشعاع نور العواصم الكبرى في الغرب التي استقبلت مهجري الثورات والحروب الأوروبية، فالحداثة حقبة تاريخية واستراتيجية ثقافية تبرز فيها سطوة الآلة على الإنسان بوصفها تحمل خلاصه، إلا أن المصطلح بدأ بالتبلور منذ نهاية القرن التاسع عشر والحضور في القطاعات الفنيّة والثقافيّة، أما فنانو الحداثة الذين بدأوا نشاطهم بوصفهم حركة ضد البرجاوزية، فتحولوا بسرعة إلى فئة عابرة للقارات تعكس “روح العصر” محتلين أهم الصالات والمعارض إلى جانب الهيمنة على سوق الإنتاج والاستهلاك، لتغدو مأساة الإنسان الحديث أنه عبد للسوق منتجاً كان أو مستهلكا.

تقيم مؤسسة لويس فيتون في باريس معرضا بعنوان “أن تكون حديثا- موما في باريس” وفيه تتعاون المؤسسة مع موما أو متحف الفن الحديث في نيويورك مستضيفة ما يقارب الـ200 عمل من مجموعة المتحف الدائمة والتي تعكس تاريخه وتاريخ الفن الحديث، وذلك في محاولة لاستعادة المعالم الفنيّة لمنتصف القرن العشرين حيث كانت العواصم الكبرى مفتوحة على بعضها ويتنقل الفنانون عبر المحيط لعرض أعمالهم ونتاجهم، وحينها لمع نجم مدينة نيويورك التي لجأ وهاجر إليها الكثير من الفنانين إثر ما شهدته أوروبا أثناء وبعد الحرب العالمية الثانية.

عمل يعكس الفن الحديث

الأعمال في المعرض مرتبة زمنيا حسب تاريخ اقتنائها من قبل متحف موما، إذ ندخل لنشاهد بداية لوحة لإدوارد هوبر بعنوان “منزل قرب سكة الحديد” التي اقتناها المتحف عام 1930 بعد افتتاحه بعام، كما نشاهد لوحة “المستحمات” لبول سيزان، إلى جانب فيلم لوالت ديزني ولوحة لجاكسون بولوك باسم “صدى: رقم 25” والتي تعكس إحباط ما بعد الحرب العالمية الثانية وويلاتها، فكانت الأعمال الفنية حينها ردة فعل على الحرب وذلك عبر رفض أشكال التعبير التقليدية والميل نحو الاندفاعات والنزوات البشرية الصرفة.

يحوي القسم الثاني من المعرض اللوحات والأعمال التي تنتمي للستينات في أميركا وحينها ظهر شكلان فنيان متباينان، التصغيرية والبوب أرت، واللذان يعكس كل منهما العلاقة مع الآلة وهيمنتها واستبدالها للجهد البشري، وتحويل البشر إلى قطعان من المستهلكين عبر الإعلانات بأنواعها المختلفة، كما تعكس أعمال تلك الفترة روح المدينة وغابات الإسمنت وغيرهما من العناصر الاستعراضية التي تهيمن على الفضاء العام، كما تحضر بكثرة أعمال التصوير الفوتوغرافي والكولاج التي تسخر من الصيغ الإعلانيّة وتعيد تكوين الجسد ضمن الصورة في وضعيات مغايرة لتلك التي تنشر على الصعيد جماهيري.

تعكس الأعمال في المعرض موقفا نقديا من الفن نفسه، إذ تتم إعادة إنتاج الأشكال الفنية السابقة ومساءلة تاريخ الأفكار وهذا ما نراه في لوحة “أنا أتسوق إذا أنا موجود” لباربرا كروغر، كذلك الأمر مع الأعمال الفنيّة الأخرى التي يسخر البوب أرت منها ويفتضح قيمها المضافة والتي لا تنتمي للفن كلوحة “أنت تستثمر في إلهية الرائعة الفنيّة” لذات الفنانة.

كما أن الأعمال “الحديثة” تنتقد الصناعة الثقافية والإنتاج الجماهيري، فالقدرة على الطباعة والنسخ تركت العمل الفني متاحا للجميع وجعلته استهلاكيا ومتوافرا كالكيتش وغيره من أشكال الزينة، إلا أن تقنيات الإنتاج هذه أتاحت لبعض الفنانين تقديم أساليب جديدة للتعبير، ما جعل عملية صناعة العمل الفني أقرب إلى إعادة ترتيب العناصر الموجودة من حولنا والمصنعة سابقا.

تحوي مجموعة موما أيضا أعمالا تنتمي لمنتصف القرن العشرين، ومنها تلك الموقعة باسم الأرجنتيني ريركريت تيرافانيجا، بعنوان “أيام هذا المجتمع معدودة” التي تعود إلى عام 2009 والتي تعكس الأزمات التي نعيشها الآن، إذ نرى مجموعة من الصحف مطبوعا عليها العبارة السابقة، إذ يستفيد الفنان من تقنيات الاتصالات البصرية والطباعة الصحافية، كأنه يكتب نعي النظام الرأسمالي الغارق بالمعلومات وبرامج التسلية الأيديولوجية وورق الصحف الذي لا يتجاوز عمره اليوم الواحد.

كاتب من سوريا

13