ماذا يعني أن تكون رئيسا في بيتك

المناصب العليا تجعل أحيانا أصحابها شخصيات متكبرة ومتعالية على الناس، ورغم أن الرؤساء قد يكونون في الأصل لطيفين وطيبين، إلا أنهم قد يتبنون في الغالب سلوكا مستبدا.
الجمعة 2018/03/02
الرئيس بشر مثلنا

مازلت أتذكر أسئلة صديقة لي في الجامعة، كانت تسرح بخيالها بعيدا، وتطمح لأن تعرف كل صغيرة وكبيرة عن حياة الرؤساء، والكثير من الأشياء الغريبة كانت تحيرها وتتمنى أن تجد بيننا من يعطيها إجابة شافية ضافية لما يدور في خلدها، لكن ردودنا لم تكن في الغالب ترضي فضولها.

كنا نصاب جميعا من أسئلتها بهستيريا من الضحك، فتنساب منا تعليقات ساخرة وحركات بهلوانية، نجسد من خلالها ما تود صديقتنا أن تعرفه عن الحياة الشخصية للرئيس، ومن حسن الحظ أن تهكمنا لم يقدنا إلى “دار خالتي” أي السجن في لهجتنا التونسية.

كانت تمثيلياتنا الدراماتيكية التهكمية عن حياة رئيسنا في ذلك الوقت مقفولا عليها باب غرفتنا في المبيت الجامعي، ومن ألطاف الله أن حيطان غرفتنا لم يكن لها آذان لتتنصت علينا، وإلا لكنا الآن من أصحاب السوابق.

لم تكن صديقتي مقتنعة تماما بأن الرئيس بشر مثلنا، والأسئلة التي كانت تراودها وكثيرا ما ترددها “هل الرئيس يدخل الحمام وهل هنالك طبيب أو مرافق له يدخل معه ليساعده اثناء الوضوء؟”. استفهامات صديقتي بقدرما جعلتني أذرف الدموع ضحكا، بقدرما أثارت بداخلي نوعا آخر من حب الاستطلاع، جنح بعيدا عما يدور في الحمام مع الرئيس وأشيائه المقرفة، وتمنيت بدوري أن أدخل إلى وجدان الرئيس واختبر مشاعره كإنسان.

ماذا يعني أن تكون رئيسا؟

الإجابة عن هذا السؤال تبدو واضحة في نوعية التركة التي يخلفها كل رئيس لشعبه، وسأستعير مقولة إيوان مورغان، أستاذ الدراسات الأميركية في لندن كوليدج لأقول إن أغلب الرؤساء العرب “لم يكونوا ذوي شخصيات مُلهِمة أو ذات مسحة بطولية”، لذلك لم يتخذوا لشعوبهم قرارات عظيمة تذكر فتحمد، أو قالوا حكما تحفظ فتخلد، ولهذا فسياق مقالي يتجاوز شخصية الرئيس السياسي إلى شخصية الرئيس الإنسان.

أغلب من يشغلون الوظائف العليا مثل منصب الرئيس يتقمصون وظائفهم حتى داخل بيوتهم وبين أسرهم، وهذا ليس مستهجنا فالضغوط الناجمة عن العمل والمسؤولية المتزايدة تترجم في صورة سلوكيات استثنائية، وعادة ما تفضي إلى تصرفات غريبة وغير مستساغة.

المناصب العليا تجعل أحيانا أصحابها شخصيات متكبرة ومتعالية على الناس، ورغم أن الرؤساء قد يكونون في الأصل لطيفين وطيبين، إلا أنهم قد يتبنون في الغالب سلوكا مستبدا يُصعب على أفراد أسرهم وخاصة زوجاتهم الدخول معهم في حوار بنّاء يخص مستقبلهم الأسري معا.

الصورة من منظور الدراسات النفسية عن السادة الرؤساء وأصحاب المناصب العليا تبدو مخيبةً لآمال النساء المتزوجات من أصحاب المراكز المرموقة. ولكن ثمة بصيصا من الأمل ربما يصلح ما أفسده منصب العمل، فمهما يكن أسلوب الزوج، فإن الخبراء يحذرون من إطلاق تعابير، مثل متطلب أو متسلط، لأنها ستصبح في النهاية نبوءة تتحقق. وفي اللحظة التي تنعت فيها الزوجة زوجها بكونه صعب المراس، فإنها تكون قد جعلت الحياة معه أصعب فعلاً، لأنها لن تمنحه الفرصة لمراجعة نفسه بعد تلك اللحظة.

21