ماذا يعني أن تكون صحفيا في مدينة يسيطر عليها داعش

تروي الصحفية الموصلية شيماء جمال قصة الرعب التي عايشتها مع تنظيم داعش خلال وجودها في الموصل مرورا برحلة الموت إلى أنقرة والأهوال التي رافقتها، وهي لسان حال جميع الصحفيين الذين أعلن داعش الحرب ضدهم، لقتل الكلمة قبل خروجها.
الاثنين 2015/10/26
أحد صحفيي الموصل الذين تم ذبحه بعد خطفه

أنقرة - لا تبدو كلمة انتهاكات المصطلح المناسب لما يمارسه تنظيم داعش ضد الصحفيين في الأماكن التي يسيطر عليها، وهي حرب يشرّع فيها التنظيم استعمال كل الأسلحة لمواجهة القلم والكلمة معا، حتى قبل أن تتوجه ضده.

وتتواتر أنباء اختطاف أو إعدام أحد الصحفيين، بشكل شبه يومي من مدينة الموصل العراقية، منذ سيطرة داعش عليها في العاشر من يونيو 2014، بينما يعيش بقية الصحفيين المتخفين جحيم الرعب المتواصل في كل لحظة، وهو ما عايشته الصحفية شيماء جمال طيلة عام كامل في مدينتها، وما رافقها من كوابيس فوهات البنادق الموجهة نحوها والرجم بالحجارة والرمي من فوق أسطح البنايات.

شيماء غادرت الموصل وسلكت طريق الموت لتصل إلى تركيا، لتصف للعالم ماذا يعني أن تكون صحفيا في مدينة يسيطر عليها متطرفو داعش، وتبدو في حديثها الذي نقله موقع نقاس، محاصرة تماما بذكريات سنّة الرعب كما تسميها، وما يعيشه السكان هناك من مصاعب وأهوال بانتظار أن تصل إليهم النجدة، سواء كانت عراقية أم دولية.

وأكدت شيماء أن الموصل لم تسقط بأيدي داعش في العاشر من يونيو 2014 بل قبلها بمدة طويلة، مشيرة إلى أنه ومن خلال عملها في قسمي إعلام محافظة نينوى وتحرير الأخبار في قناة سما الموصل الفضائية الحكومية، كانت ترد إليها الكثير من المعلومات أو تصبح هي أحيانا شاهد عيان بشأن تفجيرات واغتيالات وابتزاز يومي مصدره عناصر داعش وضحيته أهالي الموصل بكل أطيافهم وشرائحهم وسط عجز تام من قبل قوات الأمن العراقية.

وتذكر بوضوح أنه في صباح يوم الخميس، الـ05 من يونيو 2014، شهدت الموصل عاصفة رملية لم تشهد لها مثيلا من قبل، ومدى الرؤية لم يكن يتجاوز أمتارا عدة وخلال ذلك كان مقاتلو داعش يتسللون إلى أحياء المدينة الغربية مثل “مشيرفة و17 تموز”.

وأرسل عناصر داعش في بداية سيطرتهم عل المدينة تطمينات للصحفيين بأنهم سيكونون في أمان، لكن غالبية الصحفيين غادروا المدينة مع حوالي مليون ونصف مليون شخص تركوا محافظة نينوى، في أكبر موجة نزوح تشهدها المدينة. فيما بقيت شيماء متخفية عن الأنظار وتتنقل من منزل إلى آخر، إثر حملة اعتقالات واسعة طالت الصحفيين وأسفرت على قتل العديد منهم، ومنهم زملاءها في قناة سما الموصل، في حين أجبر آخرون من الموظفين على إعلان التوبة أمام قاض في المحكمة الشرعية.

غالبية الصحفيين غادروا الموصل مع مليون ونصف شخص تركوا محافظة نينوى، في أكبر موجة نزوح تشهدها المدينة

وعادت مدينة الموصل قرونا إلى الوراء، بسبب إجراءات التنظيم المتطرف، وذلك بسن إجراءات تعسفية منها مثلا منع المرأة من العمل أو الخروج من غير محرم مع إلغاء المحاكم وكليات الحقوق والفنون الجميلة والقاعات الفنية ودور المسرح والسينما، لكن أكثر القوانين التعسفية والرجعية كانت أكثرها فائدة لشيماء وربما أسهمت في إنقاذها من موت محقق وهو فرض الخمار على المرأة. وكان هذا طوق نجاتها الحقيقي عندما غادرت الموصل بهوية مزورة في الثامن والعشرين من شهر يونيو 2015. وكان ذلك بعد اعتقال التنظيم لـ11 صحفيا وموظفا من قناة سما الموصل (أربعة منهم مازالوا مجهولي المصير).

وبدأت رحلت شيماء مع خمس نساء أخريات، تفاوضن مع أحد المهربين لتأمين وصولهن إلى تركيا مقابل (900 دولار) عن كل واحدة منهن مدعيات حاجتهن الماسة إلى علاجات طبية غير متوافرة في الموصل.

وقضت شيماء مع مرافقاتها الخمس رحلتها إلى ريف حلب وفي الطريق أوقفتهن نقطة تفتيش لداعش دقق عناصرها في بطاقات الهوية الخاصة بالراكبات، وتذكر الصحفية الموصلية أن جميع عناصر نقطة التفتيش كانوا من غير العرب وبينهم رجال شقر.

وترسخ في ذهنها مشاهدات الطريق إلى ريف حلب، من عناصر لحزب العمال الكردي أو مقاتلين من فصائل أخرى مسلحة لم تستطع أن تحدد هوياتها وكيف أنها دخلت إلى مناطق كانت آثار المعارك بادية على أبنيتها المدمرة والحفر عميقة في كل مكان. وأضافت “شاهدت على جانب أحد الطرق جثث ثلاثة شبان سوريين قال سائقنا إنه وقع إعدامهم من قبل داعش وتركوا على قارعة الطريق لكي يصبحوا عبرة للآخرين”.

وعند الواحدة من بعد منتصف الليل وصلوا أقصى الشمال الغربي إلى الحدود مع تركيا، حيث تركهم السائق هناك مع مرشديْن سورييْن أكملا معهن مشيا على الأقدام طريقا وعرا جدا يمر بجبلين.

وتذكر شيماء، أنهما كانا يحثاننا على الإسراع باستمرار لكي نجتاز الحدود التركية قبل طلوع الفجر وإلا فسنعتقل أو نقتل جميعا من قبل الجيش التركي”، وهذا يعني أن مرحلة جديدة من المخاطر كان عليهم أن يخوضوها وإلى أبعد نقطة رعب.

وتصف نوبة الهستيريا التي انتابتها وجعلتها تتقلب وسط دهشة من حولها في الجانب التركي، حيث تقول “كنت مثل شيء وصل حد الانفجار، غضبا وحزنا وخوفا وشوقا إلى أولادي.. اختلطت كلها وأخذت مثل الأسلاك الشائكة تمزق روحي”،

وهو ما جعلها تنزع النقاب وتلقي ثوبها الفضفاض وكفيها ثم دفنت رأسها في حجر رفيقة لها وأخذت تهتز باكية. ولا تستطيع أن تنسى كيف فوجئ المرشدان بشكلها الجديد بقميص وبنطلون كاوبوي وتسريحة شعرها وطالبها على الفور أحد المرشدين بمبلغ إضافي لقناعته التامة من أنها إيزيدية (سبية) وهاربة من أحد عناصر داعش، ولم يتراجع عن ذلك إلا بعد أن قرأت له بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي أثبتت من خلالها أنها مسلمة.

وقبيل شروق الشمس وصلت مدينة أنطاكيا وهناك تفرق الجميع. وشدت شيماء قبضتها كمن حقق انتصارا كبيرا “كنت أريد ساعتها أن أركض وأن أحتضن الناس من حولي.. أن أفعل أي شيء أعبر به عن فرحتي بنجاتي من الموت المحقق ومن حياة في ظل الخوف من داعش كان عليّ أن أعيشها دائما بشخصية غيري وليست أنا”.

18