ماذا يقول العلم عن الأحلام واستشراف المستقبل

يشاع في الكثير من الثقافات بأن الأحلام تنبئ بالغيب، حتى أن تفسير الأحلام وحلحلة رموزها عادة ما يُنظر إليهما بشيء من القداسة. وفي ظل ثورة التواصل المُعاصرة يستخدم مروجو الزيف والدجل هذه الموروثات للتسويق لزيفهم محاولين استدراج الناس. فهل فعلا للأحلام القُدرة على التنبؤ بالغيب؟ وماذا يقول العلم؟
الاثنين 2016/11/21
ماذا تنتظر أن تكون أحلامه

بينما كان يهوي مذعورا من حافة جبل شاهق من دون أي مُعدات نجاة كان يستمع لصوت ضعيف أشبه برنين الهاتف.

ارتفع الصوت شيئا فشيئا، حتى تحركت يده لا إراديا وسحب هاتفه النقال من قرب السرير فتبين له أن السقوط من المرتفع لم يكن سوى كابوس مزعج وأن اتصالا هاتفيا في وقت مبكر جدا أيقظه من هذا الكابوس.

كان المتصل أحد موظفيه فبادره بالسؤال عن سبب الاتصال فإذا به يُصدم بأن مجموعة شركاته تعرضت لخسارة كبيرة وأن أسهمها منيت بهبوط شديد قد يقود إلى إفلاسه قريبا.

بتأمل عناصر الكابوس الذي عاناه بطل قصتنا التخيلي، بالإمكان رؤية أنه كان يتعرض لسقوط من جبل شاهق وليست لديه أي وسائل للنجاة فيما تتعرض شركاته لخسارة وأسهمها لهبوط وليس هناك من حلول للمشكلة. هل تعتقد الآن بأن الكابوس هو إشـارة قـادمة من المجهول لتنذره وتحذره؟

وللإجابة عن هذا السؤال لنتخيل سيناريو آخر، تخيل أنه استيقظ من كابوسه المزعج على صوت هاتف يُخبره بأنه حقق أرباحا كبيرة هل كان ليربط بين الكابوس وحادثة الهاتف؟ هل كان ليتذكر الكابوس حتى؟ إنه التحيز الإيجابي في التفكير البشري. حيث يعمد دماغنا كبشر إلى التركيز على عدد محدود من الحوادث التي تعطينا ربطا مقبولا للأحداث التي تجري من حولنا. فلو رأيت سيدة تقود سيارتها بشكل خاطئ ستأخذ هذا على أنه دليل على أن النساء أقل كفاءة في قيادة السيارات من الرجال حتى لو كانت الإحصائيات تشير إلى أن النساء أقل تسببا في حوادث السير من الرجال بصورة كبيرة.

في المرة القادمة التي ترى فيها صديقا في منامك ثم تستيقظ صباحا لتجد في بريدك الإلكتروني رسالة منه لا تفكر بالماورائيات

يعتمد التحيز الإيجابي على محاولة تأكيد فرضية ما باختيار الأدلة الداعمة لها وتجاهل الأدلة غير الداعمة وهذه العملية عادة ما تكون عن غير وعي، أما لو كانت عن وعي فهي ليست تحيزا إيجابيا إنما تدليس وغش.

هذا النوع من التفكير هو على النقيض تماما من التفكير العلمي المبني على مبدأ “قابلية التخطئة” الذي يُنسب لفيلسوف العلم الشهير كارل بوبر. حيث يُعامل العلم الحديث، حتى قبل تنظيرات بوبر، النظريات والأفكار العلمية بجدية كبيرة ويحاول تخطئتها وتحدي تنبؤاتها بالتجارب تحرزا من الوقوع في التحيز الإيجابي وطلبا للتفسيرات الصحيحة غير المغلوطة للظواهر الطبيعية.

يختلف المنهج العلمي التجريبي عن غيره من مناهج التفكير بكونه لا يعول كثيرا على الدماغ البشري في الجزم بصحة أو خطأ الاستنتاجات.

نعم كل الأفكار العلمية الخلاقة والثورية جاء بها العقل البشري، لكنها صحيحة ليست لأنها نتاج العقل البشري بل لأنها اجتازت التجارب ونجحت في تفسير الظواهر الطبيعية. فالنظرية النسبية صحيحة ليس لأن أينشتاين هو من كتب معادلاتها، بل لأن معادلاتها تصف حركة الأجرام السماوية بدقة كبيرة ولولا ذلك لما أصبحت لها أي قيمة.

على خلاف هذه الشفافية والتحرز في توخي الدقة الذي نجده في المنهج العلمي يعتمد مروجو تفسير الأحلام، كما غيرهم من بائعي الدجل، على مغالطات مثل التحيز الإيجابي أو دعم مزاعمهم بربطها بشخوص ذوي قدسية. فتجد روايات تفسير الأحلام تُنسب لشخصيات ذات مكانة دينية بل حتى أن من يمارسون مهنة تفسير الأحلام يتكلمون بلغة دينية مُبالغ فيها ليضعوا من يحاول نقدهم في مواجهة مباشرة مع المُقدس بدل أن يكون في مواجهة مع الدجل الذي يحاولون ترويجه.

وكما أشرنا في مقال سابق فإن البيئة التي ينشط فيها التفكير الديني هي بيئة خصبة للترويج للزيف والدجل العلمي، ومن أمثالها تفسير الأحلام، لأسباب تتعلق بالتشابه في المنهج وربما الأهداف.

صدفة أم نبوءة

تروي نتالي أنجيز، وهي مؤلفة وصحافية علمية في صحيفة نيويورك تايمز، في كتابها “المبادئ” قصة مشابهة لحادثة الكابوس التي افتتحنا بها مقالنا، لكن هذه المرة قصة حقيقية حدثت مع فيزيائي في معهد ممت يُدعى آلان جوث.

صور غير واضحة المعالم في حلم بلا بداية ولا نهاية

تروي أنجيز أن لجوث خالا يعيش وحيدا وقد وجد ميتا ذات يوم، وبينما كانت الشرطة في بيت عائلة جوث لتنقل إليها خبر وفاة الخال اتصلت أخت جوث هاتفيا بالمنزل إذ صدف أنها ذهبت في زيارة عمل بعيدا عن المنزل.

وخمنت الأخت وأمها أن الاتصال كان نوعا من التخاطر، لكن لجوث رأيا آخر، حيث فكر أن ذلك حصل بالنظر إلى أن أخته عادة ما تتصل بأمها عدة مرات خلال الأسبوع بحسب وقت فراغها.

وقام جوث ببعض الحسابات أخذا في الاعتبار طول وعدد مرات المكالمات والأوقات المُعتادة لها، إضافة إلى ساعات عمل أفراد الشرطة والأوقات التي يستغرقونها في التبليغ عن هكذا أمور لينتهي إلى نتيجة مفادها أن احتمالية حصول هذه الحادثة تساوي احتمالية حصولك على خمس مرات متتالية لنفس الوجه عند رميك لقطعة نقدية.

قد يبدو هذا احتمالا صغيرا لكن جرب أن ترمي قطعة نقدية لمئة مرة وستحصل على تسلسل خمس مرات لنفس الوجه على الأقل ثلاث مرات.

لو اتفقنا على أن المعجزة حادثة صغيرة الاحتمالية، لنفترض أن احتماليتها واحد بالمليون، وأخذنا بعين الاعتبار عدد المُتغيرات والأحداث التي تحدث من حولنا بكل ثانية فإن جون ليتلوود، وهو رياضي يعمل في كامبريدج، يُخبرنا بأننا سنشهد معجزة كل شهر حسب قوانين الإحصاء.

وفي المرة القادمة التي ترى فيها صديقا في منامك ثم تستيقظ صباحا لتجد في بريدك الإلكتروني رسالة منه فلا تفكر بالماورائيات وتفسير الأحلام بل فكر بالإحصاء، فالأمر لا يتعدى أكثر من الحصول على سلسلة من الوجوه المتشابهة برميك لقطعة نقدية!

لماذا نحلم؟

قد يقدم لنا الإحصاء دليلا على أن توافق أحلامنا مع الواقع في بعض الأحيان ما هو إلا مُصادفة، لكن يبقى السؤال عن ماهية أحلامنا وسببها مطروحا، وليس للإحصاء وحده أن يجيب عليه بكل تأكيد.

يُشير مايكل بريوس وهو طبيب نفسي ومختص بمشكلات النوم، في مقال له منشور على موقع سايكولوجي تودي، إلى أنه من الصعب تخيل أن نظرية واحدة بإمكانها الإجابة على مثل هذه الأسئلة.

العلم يرى الأحلام على أنها انعكاس للماضي أو الحاضر بإحباطاته وإنجازاته على هيئة ومضات صريحة أو مشفرة أثناء النوم قد لا يمتلك تفسيرا جازما لها

وبحسب بريوس هناك العديد من النظريات التي تستند على البايلوجيا وعلم النفس على حد سواء لتقديم تفسير حول سبب رؤيتنا للأحلام عند النوم. من هذه النظريات أن الأحلام قد تكون آلية لمعالجة المعلومات المُخزنة في الذاكرة قصيرة الأمد وتحويلها إلى الذاكرة طويلة الأمد.

ونظرا لأننا نشهد الكثير من الأحداث في فترات يقظتنا فإن أمر تحليلها والتعلم منها مسألة صعبة، ويعمل الدماغ على استرجاع البعض من هذه الأحداث خلال النوم ليُشبعها تحليلا ويحتفظ بها.

وهذه النظرية تتشابه مع نظرية أخرى تقول بأن الأحلام ما هي إلا امتداد لما نشهده في الحياة اليومية.

ومن النظريات الأخرى والتي تلقى رواجا كبيرا، أن رؤية الأحلام ما هي إلا آلية لتفريغ الدوافع السلبية والإحباطات التي يعاني منها الفرد خلال فترة يقظته أو لتحقيق بعض الرغبات التي يعجز الفرد عن تحقيقها في العالم الواقعي، حيث تُساعد في الوصول إلى التوازن النفسي.

وبهذا الخصوص يشير بريوس في مقاله إلى بعض الإحصائيات التي تربط بين رؤية الأحلام المزعجة والكوابيس مع الشعور بالإحباط والاكتئاب وتنامي الميل للانتحار.

ومن الواضح أن العلم يرى الأحلام على أنها انعكاس للماضي أو الحاضر بإحباطاته وإنجازاته على هيئة ومضات صريحة أو مشفرة أثناء النوم، قد لا يمتلك تفسيرا جازما لها، لكنه كذلك لا يرى أي دليل على أن ما تقدمه الأحلام بالإمكان الاعتماد عليه في استشراف أو في اتخاذ قرارات تخص المستقبل. لذا فليس هناك من سبب مُقنع ومنطقي يدفعنا إلى الوثوق بما نراه في الأحلام أو بما يبثه بائعو الدجل من مُفسريها.

كاتب عراقي

12