ماذا يمكننا أن نحصل من "النقد الأركوني" للعقل الديني

الباحث حسن حماد يرى أن المفكر الجزائري محمد أركون في نقده للثقافة وللعقل الديني استخدم مناهج كثيرة جدا، ولفهمه لا بد من فهم المناهج التي اعتمد عليها.
الثلاثاء 2018/09/11
النقد الأركوني للعقل محدود جدا

القاهرة - رأى الباحث حسن حماد أستاذ الفلسفة وعلم الجمال جامعة الزقازيق أن المفكر الجزائري محمد أركون اجتهد قدر استطاعته لكن لم يصل بنا إلى فضاءات النقد التي نريدها وهي النقد الجذري أو الراديكالي للتراث، بل كثيرا ما كان يتقنع، أي لا يتحدث بصراحة، ويهرب من بعض الأمور مثلا لا يتحدث بصورة واضحة عن علاقة الفكر الديني بالتشريع، ويتحدث عن الدغمائية الدينية كما يتحدث عن الدغمائية العلمانية، وهذا أمر خطر، حيث يقول إن في فرنسا توجد دغمائية علمانية مثلما توجد في الشرق دغمائية دينية إسلامية، وهذا غير صحيح، لأن فكرة الدغمائية تقوم على فكرة امتلاك الحقيقة، ولا يوجد أي علماني يقول إنه يمتلك حقيقة مطلقة، العلماني يمكن أن يكون متشددا لكنه لا يكفر الآخر لمجرد أنه غير علماني. وهكذا فإن لديه بعض الأمور التي تقلل من قيمة نقده للعقل الديني.

جاء ذلك في الندوة التي أقامتها مؤخرا حركة علمانيون بعنوان “نقد العقل الديني عند محمد أركون”، والتي حاضر فيها الباحث حسن حماد، وحلل فيها الكثير من كتابات أركون في نقد العقل الديني، وقد انطلق من أن العالم العربي كله يشهد أزمة تتعلق بالدين أو المقدس أو اللاهوتي، وقال “إن أركون  كان أحد هؤلاء الذين اهتموا بالديني ونقد العقل الديني، كان المتفق عليه أن نعرض بشكل عام لفكر أركون، لكن كتاباته كثيرة ومتعددة وخصبة وصعبة، فليس كل ما كتب يمكن أن يتم استيعابه بسهولة، مثلا هو مختلف عن حسن حنفي الذي يكتب بأدبية وأسلوب أكثر بساطة. أركون أستاذ أكاديمي يكتب بطريقة أكاديمية، ويستخدم مصطلحات أقرب إلى فكر النخبة منها إلى فكر الجمهور المثقف العام”.

ولفت حماد إلى أنه اختار من أركون فكرة نقد العقل الديني أو اللاهوتي أو الإسلامي، لأن معظم حديثه عن العقل الإسلامي، وإن كان العقل الديني من حيث التكوين والبنية هو عقل واحد وخاصة في الديانات الإبراهيمية لأن الشجرة واحدة، وبحسب أركون نفسه أن العهد القديم أو التوراة والإنجيل قد خضعا لعملية تفكيك ونقد شديدتين في الغرب، وإذا تحدثنا عن العقل المسيحي أو اليهودي المسألة تختلف عن العقل الإسلامي، الذي مازال يعاني من حالة من الجمود تؤدي إلى شلل ثقافي، وأركون يؤكد ذلك ويرى أن العقل الديني الإسلامي يحتاج إلى خلخلة من أجل اللاحق بروح العصر.

وأشار حماد إلى أن نقد الفكر الديني هو نقد العقل الديني، فالمسألة مرتبطة ببعضها البعض لأن العقل ماثل وموجود في أي محاولة، حتى التيارات الأصولية تستخدم العقل لكنها تستخدمه بشكل يقوم على فكرة المسلمات، والمسلمات هنا ليست رياضية لكنها مسلمات النصوص أو المسلمات الدينية التي تلغي العقل أو توقفه أو يقف أمامها مشلولا. وأركون لم يقدم تحديدا علميا لمفهوم العقل وكيف نقول عقلا إسلاميا أو يهوديا أو مسيحيا أو غربيا أو شرقيا.

نقد أركون أقرب إلى ثقافة النخبة حيث يستخدم مصطلحات فلسفية وأكاديمية لا تفيد كثيرا في نقد الخطاب الديني

في تصور حماد أنه تعامل مع تجليات العقل، لأن العقل يظهر من خلال تجلياته وإنتاجاته، فهو تحدث عن نقد العقل من خلال نقد المنتج الإسلامي في سياق الإنتاج العقلي والثقافي، ولذا فهو يقول إن موقفه من العقل الإسلامي لا يتوقف عند الأصولية السنية فحسب، ولكنه يقول إن هناك أصوليات مختلفة أو أرثدوكسيات متعددة، فهناك “الأرثدوكسية السنية والشيعية”، وداخل كل منهما توجد فروع، ونقده للعقل ينصب على كل الأرثدوكسيات وعلم الكلام والفلاسفة.

إذن لنكن حذرين من فكرة نقد العقل لأنه ليس هناك مفهوم جاهز نستطيع من خلاله القول إن هذا هو العقل الإسلامي، لكن بالتأكيد في تضاعيف وثنايا كتاباته نستطيع استخراج كيف يفكر العقل الديني، وهذا موجود في كتب أركون وكتب كل من قاموا بنقد العقل الديني كالجابري وحسن حنفي ونصر حامد أبوزيد.

وأضاف حماد “الحقيقة المطلقة واحدة خاصة في الديانات التوحيدية ومن ثم تنفي أي مطلقات أخرى، لا يوجد إلا مطلق واحد، والعقل الديني يقوم على مبدأ منطقي أسميه ‘إما أبيض أو أسود، إما كفار أو مؤمنون، إما شيطان أو إنسان، إما الجنة أو النار’، هذه الثنائيات هي التي تشكل جوهر العقل الديني وتحكمه. العقل الديني عقل ماضوي يؤمن أن الماضي يمثل لحظة الانبثاق الأول في هذا الوجود، وقد استخدم أركون مصطلحا ترجمه هاشم صالح بـ’العقل المنبثق’، والشارحون يقولون إنه العقل المتجدد أو الذي فيه تغير وليس جموديا. العقل الديني هو عقل قمعي لا يسمح إطلاقا بوجود هذا الآخر المختلف، ويريد أن يرى كل البشر متشابهين، ربما لم يقل أركون هذا الكلام، لكنني هنا أوضح ما هو مستتر لكي نكمل رؤى بعضنا البعض، فأركون ليس مقدسا هو مجرد مفكر مثلنا. العقل الديني قمعي يريد فرض مسلماته على الواقع والآخر وهذا موجود في كل الديانات الإبراهيمية الثلاث، كل ديانة تعتبر أن نصها هو النص الوحيد الصحيح، وتنظر إلى نص الآخر باعتباره نصا محرفا“.

ورأى أن أركون في نقده للثقافة وللعقل الديني استخدم مناهج كثيرة جدا، ولفهمه لا بد من فهم المناهج التي اعتمد عليها، هو يقول إنه سيقرأ التراث قراءة علمية ويقصد من ذلك أن التراث لا بد أن يخضع لمنهجيات العلوم الحديثة، العلوم الإنسانية مثل علم نفس المعرفة وعلم الاجتماع المعرفي، لأنها علوم تتخذ الثقافة موضوعا لها ومن بينها الثقافة الدينية. ويستخدم أيضا المنهج التاريخي الذي يربط النص باللحظة التاريخية التي جاء فيها أو التي تزامن معها. كما يستخدم أيضا المناهج اللسانية والتأويلية وهي تحليل الألفاظ وربطها بالبنية الخاصة بها.

وخلص حماد إلى أن الصدى أو رد الفعل الذي يمكن أن نجنيه أو نحصله من هذا النقد الأركوني للعقل محدود جدا، لماذا؟ لأنه نقد أقرب إلى ثقافة النخبة حيث يستخدم مصطلحات فلسفية وأكاديمية لا تفيد كثيرا في نقد الخطاب الديني، فأحيانا تغرق في الفكرة فتنسى الهدف، لذا على الرغم من احترامي له حيث حاول بطريقته الخاصة أن يقدم نقدا يستند إلى أدبيات الفكر الحديث والمناهج الحديثة للتراث إلا أن هذه المحاولة لم تؤت ثمارها كما ينبغي، ويعاب عليه أنه استخدم الأفكار القديمة في ثياب جديدة مثل فكرة أنسنة الفكر الإسلامي ليتحدث عن القرن الرابع الهجري وخاصة لدى أبوحيان التوحيدي وبن مسكويه، باعتبار هذا القرن يمثل قمة الخصوبة الفكرية في الإسلام، وللأسف لم يعد أركون إلى كتاب عبدالرحمن بدوي “الإنسانية والوجودية في الفكر العربي” والذي تحدث فيه عن مسألة “الهيومانزم”، وأن المعتزلة تشبه السفسطائية التي ظلمت في تاريخ الفكر اليوناني، حيث أنها كانت تمثل بداية الفكر الإنساني الذي يرجع كل شيء للإنسان.

15