ماذا ينتظر العراق بعد التسوية النووية

الأربعاء 2015/01/07

يبدو أن الجانب الأميركي لم يعد يخشى تعاظم نفوذ إيران، بقدر ما يقلقه طموحها النووي، فباراك أوباما قد بشّر إيران أخيرا، بمستقبل إقليمي جيد في حال تم تحقيق اتفاق نووي معها. وبالتالي أي اتفاق ينهي هذا الملف بشكل مرضي للولايات المتحدة، سيقابله اعترافا أميركيا لإيران بحقوق إقليمية، وربما تصبح شريكا رسميا في الحرب على الإرهاب، بعد أن فرضت نفسها كشريك موضوعي على الساحة العراقية، وذلك عبر ميليشياتها العسكرية ذات النفوذ والقوة المتعاظمين.

فلا هواجس أميركية من إيران بلا نووي إذن، ولا تهديدا منها سيطال أمن إسرائيل والمنطقة بعد اتفاق شامل، يفتح البوابات الإيرانية للغرب، فحسن روحاني أزال، أخيرا، من مبادئ الجمهورية الإسلامية، اعتبار الانفتاح الاقتصادي والاستثمار الأجنبي أمرا يمس الاستقلال الوطني، حيث شدد في كلمته التي ألقاها في ملتقى “اقتصاد إيران” على أن المصالح المشتركة والتهديدات هي الأساس في المباحثات الخارجية.

تتأهب إيران لخوض الجولة المقبلة من المفاوضات مع مجموعة الستة زائد واحد، وفي يدها ورقة التهديدات والمصالح المشتركة في الحرب على “داعش”، وباتت أكثر وضوحا في رسائلها للغرب، التي تظهر حجم دورها على الساحة العراقية، فممثل خامنئي في الحرس الثوري يد الله جواني، يعلن بأن لإيران الفضل الأكبر في وقف تمدد “داعش”، بينما هادي العامري زعيم ميليشيا بدر التابعة لإيران، يستخف بإنجازات التحالف الدولي. بل أصبح التشكيك بما تقدمه الضربات الجوية من جدوى يشغل بال الكثير من المعلقين السياسيين حول العالم.

فقد أصبح تجاهل إيران أميركيا مسألة صعبة، ولابد من الاعتراف بها كشريك إقليمي، وليس لدى الولايات المتحدة اليوم سوى ورقة الضغط الاقتصادي، والتي تمارسها عبر العقوبات الدولية، وتدعمها بانخفاض أسعار النفط، ومن أجل ذلك تستعد إيران للتخلي عن بعض مبادئها، ولا ضير من التنازل عن النووي مقابل الحصول على الانفتاح وكسر العزلة، والاعتراف بحصتها الإقليمية، التي سيكون العراق أكبر أجزائها، وقد سعت، ولا تزال تسعى، لتأبيد هيمنتها على هذا البلد.

نجحت الجمهورية الإسلامية في عرقلة معظم ما طرح أميركيا، ضمن سياق الموجبات الاستراتيجية في الحرب ضد تنظيم “داعش” في العراق، فلم يتحقق من تلك الموجبات سوى الإطاحة بنوري المالكي، وبقيت العملية السياسية عرجاء لم تشهد إلا تغييرا شكليا، والدولة العراقية تزداد ضعفا وهشاشة، بعد الاستمرار في إفشال محاولات تطهير مؤسساتها من إرث نوري المالكي، بينما تستمر عرقلة تشكيل ما سميّ بـ“الحرس الوطني”، وإدماج “العرب السنة” في المؤسسة العسكرية.

مع تعاظم دور الميليشيات، والتي غدت “باسيج” الثورة الإسلامية في العراق،، وذلك حسب تأكيد الجنرال حسين سلامي نائب قائد الحرس الثوري الإيراني، فما تعنيه تسمية “باسيج” من دلالات الاندماج العضوي لتلك الميليشيات سياسيا وعقائديا وقياديا بالمركز في طهران، يجعل احتواءها “وطنيا” أمرا في غاية الصعوبة إن لم يكن مستحيلا في ظل تعقد الوضع العراقي على الصعيد الوطني. كل ذلك في وقت تتصاعد فيه أعمال التطهير الديمغرافي في العراق على يد “الباسيج العراقي”، بحسب تأكيدات ميدانية وتقارير دولية، وتُرسى قواعد السيطرة العسكرية الإيرانية، في مناطق بعينها تشكل بعدا إستراتيجيا ومذهبيا للجمهورية الإسلامية، مما يؤشر إلى محاولات فرض أمر واقع، تستثمره طهران في تأبيد سيطرتها، وترسيم حدود حصتها من هذا البلد.

تنتظر إيران عملية ترقيتها أميركيا، لمستوى حليف رسمي في الحرب على الإرهاب، وذلك بعد الاتفاق النووي المرتقب، لفرض ما تريده على طاولة التفاوض، بعد الانتصار على الإرهاب، فالحلفاء يتقاسمون الجغرافيا، ولكل طرف ما حرّر، فهذا ما عوّدنا عليه تاريخ التحالفات الدولية ضد عدو مشترك، وإمعان إيران في التطهير الديمغرافي وتعزيز سلطة ميليشياتها، مقدمة للظفر بالجغرافيا.

هنا نتساءل عن مصير مناطق “العرب السنة”، فهي بطبيعة الحال لن تلحق بالمناطق التي ستخضع للإدارة الإيرانية، وفي الوقت الذي ينتزع فيه الأكراد المزيد من الاستقلالية والتوسع عبر قضم المناطق المتنازع عليها، تبقى الحيرة سيدة الحال في البحث عمّن يدير مناطق السنة بعد تحريرها من “داعش”، هنا يستمر البحث أميركيا عن مشيخات تثق بهم، لتسليمهم هذه المهمة. ربما نعرف المصير بعد ستة أشهر من الآن حين ينجز الاتفاق وتتحرك الأمور بديناميكية سلسة.


كاتب عراقي

9