مارتن إنديك.. صانع حرب أم صانع سلام.. أم منظر للمرحلة البلاستيكية العالمية

الأحد 2014/01/12
عرف أنه لن يصبح رئيسا لأميركا.. فتحرر بلا حدود

مارتن إنديك هو الأب الروحي للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، اقترح تأسيسه بعد أن رأى أن التغيير مكلف جدا لأميركا وإسرائيل. حصل إنديك على الجنسية الأميركية في العام 1993 ليوضع في أكثر السفارات الأميركية حساسية في العالم.. سفارة واشنطن في إسرائيل. يترأس إنديك اليوم الطاقم الأميركي المشرف على عملية السلام في الشرق الأوسط الذي يسعى إلى ما تطبيق ما سمّي بسياسة “مد الجسور الزمنية”.

كتب مارتن إنديك في ديسمبر من العام 2010 في مقال له عن السلام في الشرق الأوسط “ماتت عملية السلام في الشرق الأوسط، لكن أحدا لم يبد أسفه، وانتهت عشرون شهرا من الجهود الأميركية لتجميد الأنشطة الاستيطانية الإسرائيلية من أجل تهيئة بيئة مشجعة على التفاوض بأزمة، بل إن قليلين على ما يبدو هم الذين انتبهوا لإعلان إدارة أوباما هذا الأسبوع عن وقف هذه الجهود، وتحول واشنطن إلى التركيز على مفاوضات واعدة مع الكونغرس بشأن تجديد سريان التخفيضات الضريبية، وتحول اهتمام إسرائيل إلى أزمات شتى، أولا فضيحة جنسية للشرطة ثم كارثة طبيعية”.

كان مارتن إنديك في مقاله ذاك ينعى عملية السلام التي تم تكليفه بإعادة إحيائها مؤخرا، ويطرح فيه سؤالا شديد الأهمية يعكس العقلية التي يصدر عنها إنديك والخط الأميركي الموازي والذي عمل طويلا في الظلال ولكن من مواقع قوية، يقول إنديك “هل يمكن أن يكون الشرق الأوسط قد وجد سبيلا للبقاء دون عملية سلام؟ من المؤكد أن ذلك، إذا كان صحيحا، سيجعل الحياة أكثر سهولة بالنسبة إلى كل من الرئيس أوباما ورئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو والزعيم الفلسطينى محمود عباس. فهو سيعفيهم من عبء قرارات خطيرة سياسيا يمكن أن تغيّر العلاقات بين العرب والإسرائيليين، لكنها قد تطيح بهم كذلك”.

هذا ما كان فيه مارتن إنديك في أواخر العام 2010، بالتزامن مع اندلاع الثورات العربية، كان يعرف أنه لا بد من التمسّك بما عرف باسم “قضية العرب المركزية” لتحافظ الأطراف التي ذكرها على مواقعها وأدوارها، فحين يتم إعفاء الجميع من التفكير في الحرب والسلام سيتجه الجميع إلى التفكير في التغيير والحريات والديمقراطية وما صار فيما بعد مطلبا عارما داميا لشعوب الشرق الأوسط.


السفير الخبير


مارتن إنديك الأسترالي الأميركي، المولود في لندن لأسرة يهودية في العام 1951، والذي عاش ودرس فيما بعد في سيدني، حتى حصوله على درجة الدكتوراه من “أستراليا ناشيونال” في العام 1977، بعد ذلك هاجر إلى الولايات المتحدة الأميركية، وحصل على الجنسية الأميركية في العام 1993.

وبعد وصوله إلى أميركا بثمانية أعوام انشغل ولفت الأنظار بالأبحاث والدراسات الكثيفة والدقيقة حول القضايا الإشكالية في العالم، وقدّم محاضراته على مدرجات الجامعات الأميركية، وتمكّن من الحصول على وظيفة أستاذ مساعد في كلية جونز هوبكنز للدراسات الدولية العليا في واشنطن، وشغل منصب المدير التنفيذي لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى ودرّس في “معهد الشرق الأوسط” في جامعة كولومبيا و”مركز موشيه دايان للدراسات الشرق أوسطية والأفريقية” في جامعة تل أبيب، ونشر عددا من الكتب والأبحاث تتعلق بعملية السلام العربية الإسرائيلية، وأصبح موظفا رسميا في منظمة “أيباك” اليهودية الأميركية الشهيرة، الأمر الذي خوله لشغل منصب نائب السفير الأميركي في إسرائيل، وفي العام 1992، اختاره الرئيس بيل كلينتون ليكون مستشارا له لشؤون الشرق الأوسط، ثم مديرا لقسم الشرق الأوسط في مجلس الأمن الوطني في البيت الأبيض، وبعد حصوله على الجنسية الأميركية، عُيّن سفيرا للولايات المتحدة في إسرائيل لفترتين من العام 1995 وحتى العام 1997، ومن العام 2000 إلى العام 2001.

وبعد فشل تجربته في مفاوضات كامب ديفيد في العام 2000، ابتعد مارتن إنديك إلى الخلفية، ليعمل في مركز “بروكينجز” في واشنطن، وبقي يتابع من خلال المركز الأكبر في العالم مجريات الأمور وتطورات الأحداث، ويتدخل فيها في كثير من الأحيان، بصيغ مختلفة، وفي بداية الولاية الأولى للرئيس الحالي باراك أوباما تقرّب منه، عرض عليه منصب نائب وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، ولكن إنديك كان يرى أن الوقت لم يحن بعد.

ومؤخرا أعلن وزير الخارجية الأميركي جون كيري تعيين مارتن إنديك مبعوثا خاصا للشرق الأوسط، وذلك بعد الإعلان عن عودة مفاوضات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، جاء إنديك بعد ديفيد هيل الذي شغل المنصب نيابة عن جورج ميتشل المستقيل، أول مبعوث خاص أميركي للسلام في إدارة أوباما، وقال كيري للصحافيين إن مهمة إنديك ستكون الإشراف على استئناف العملية التفاوضية بين الجانبين، وهي “عملية شاقة” بعد توقفها ثلاثة أعوام، وقال إنديك وهو يقف إلى جانب كيري “أنا مقتنع منذ أربعين عاما بأن السلام ممكن” وتابع موجّها كلامه إلى كيري “ولأنك واثق بأن ذلك ممكن رفعت التحدي في الوقت الذي كانت غالبية الأشخاص تعتقد أنك تقوم بمهمة مستحيلة”.

فشل مارتن إنديك في مفاوضات كامب ديفيد في العام 2000، وابتعد عن الأضواء ليتابع عمله وفق الرؤية ذاتها مع رؤساء أميركيين قادمين


ماذا فعل إنديك بالمعارضة السورية؟


يعتقد مارتن إنديك من خلال جملة الأفكار التي يؤمن بها، أن السلام ممكن، ولكن الصراع لا بدّ وأن يستمر، لأن التغيير كما قال في مقالاته أكثر من مرة مكلف جدا، وهذا ما عمل على تثبيته جيّدا من خلال موقعه الحساس كمدير لمعهد بروكينجز، الذي كلفته الإدارة الأميركية بالإشراف على دراسة أوضاع المعارضة السورية، ووضع المشاريع الملائمة لأفضل الحلول للتعامل معها، فكانت ترتيبات إنديك تنص على ضرورة توحيد المعارضة، بأي ثمن، لأن جمعها في إطار واحد سيؤدي إلى تفجّر العلاقات فيما بين أطيافها، وهذا ما كان في القاهرة حيث وجه معهد بروكينجز الدعوة إلى الإخوان المسلمين وإعلان دمشق وهيئة التنسيق والشخصيات السياسية السورية المستقلة، لتشكيل جسم سياسي للتنسيق المشترك، وأشرف مارتن إنديك مباشرة من خلال فرع معهد بروكينجز في الدوحة في دولة قطر، على مشروع توحيد المعارضة الذي أطلق عليه فيما بعد اسم “الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية”.

وكانت نتائج الماكيتات والتجارب التي أشرف عليها مارتن إنديك، تقول إن جمع تلك الأطراف بمستويات سياسية وتوجهات مختلفة، لن يؤدي إلاّ إلى المزيد من تفكك أي جسم سياسي جامع يمكن تشكيله، وبالتالي سيكسب المجتمع الدولي المزيد من الوقت، للتهرب من الاستحقاقات المترتبة عليه أمميّا، لاسيما في ظل تطبيق إنديك لرؤية “أيباك” ذاتها في ما يتعلق بالنزاع في سوريا، والإبقاء على “الشيطان الذي يعرفون” المتمثل في نظام عائلة الأسد الذي قام بالحفاظ على أمن إسرائيل وضمن عدم إطلاق رصاصة واحدة على جبهة الجولان منذ وقف إطلاق النار في العام 1974، وحتى العام 2011، ونفّذ عددا من المشاريع الاستراتيجية التي تخدم السياسة الإسرائيلية في المنطقة، فقام بتفكيك منظمة التحرير الفلسطينية واحتلال لبنان وتغيير شكل المقاومة الوطنية فيه، والهيمنة على الحياة السياسية اللبنانية، وبادل النظام العراقي العداء طيلة حكم صدام حسين، على مدى عشرات السنوات.


لماذا السلام في الشرق الأوسط الآن؟


ويتجه مارتن إنديك اليوم إلى إعادة إحياء المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية لتحقيق ما عجز ميتشيل عن تحقيقه، في وقف الاستيطان، وحل الدولتين، ويقول إنديك: “لماذا لا نجعل إسرائيل تعلن اعترافها بدولة فلسطين العربية، التي يتمتع مواطنوها جميعا بحقوق متساوية، وتعلن منظمة التحرير اعترافها بدولة إسرائيل اليهودية، التي يتمتع مواطنوها جميعا بحقوق متساوية؟ وحينها، يمكن للطرفين إعلان دخولهما مفاوضات حل الدولتين ورسم الحدود بينهما، ويمكن للدول العربية أن ترحب باعتراف إسرائيل بدولة فلسطين العربية واتخاذ الخطوات من جانبها للاعتراف بدولة إسرائيل اليهودية، وهذه الخطوات المؤثرة يمكن أن تدفع المفاوضات حيث تعطي كل طرف شيئا أساسيا يطالب به الاثنان هو الاعتراف المتبادل بتطلعاتهما الوطنية”.

وقد بدأ مارتن إنديك اجتماعاته مع الوفدين الفلسطيني والإسرائيلي، وكذلك اتصالاته التي طالت عددا من القضايا والاتجاهات، فقد أجرى اتصالاته مع أمين عام الجامعة العربية نبيل العربي وكذلك مع وزير الخارجية المصري نبيل فهمي، ويترأس إنديك اليوم الطاقم الأميركي المشرف على عملية السلام في الشرق الأوسط الذي يسعى إلى تطبيق ما سمّي بسياسة “مد الجسور الزمنية”، وأجرت الفرق الأميركية المرافقة لإنديك عشرات اللقاءات وبشكل متواصل، ولم تتوقف إلا في عيد الميلاد ورأس السنة، مع فلسطينيين وإسرائيليين، وهذه الفرق تتنقل يوميا بين رام الله والقدس، وبعضها يشرف عليها ويديرها بشكل مباشر مارتن إنديك نفسه، والبعض الآخر يشرف عليه الجنرال الأميركي “جون ألن”، ومن أهم الملفات التي يناقشها إنديك اليوم “مسألة اللاجئين” والبحث عن “تصور خلاق” يكون بديلا عما يسميه الفلسطينيون “حق العودة”، ونقل مارتن إنديك إلى الرئيس محمود عباس ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أفكارا تفيد بأن أميركا لا تحاول فرض أية اتفاقيات سلام على الجانبين، لكنها، تسعى في الوقت نفسه إلى الخروج في الجولة الراهنة من المفاوضات باتفاق يمنع تدهور الأوضاع الأمنية، ويسمح بمواصلة إدارة الصراع.

ويساعد مارتن إنديك في فريقه، دافيد ماكوفسكي، الذي كان حتى وقت قريب متخصصا في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، والذي يعدّ مركز الأبحاث غير الرسمي لـ “أيباك” وماكوفسكي صهيوني متشدّد خدم في كل من إدارتي الحزبين الجمهوري والديموقراطي، ويقول المحللون الاستراتيجيون إنه بوجود فريق أميركي يضم بين أعضائه مارتن إنديك، ماكوفسكي، ودنيس روس من وراء الستار، فإنه ليست هناك فرصة لتكون الولايات المتحدة “وسيطا نزيها”، فقد كانت أولى نتائج رغبة أوباما وكيري بإعادة إحياء المفاوضات، رسالة منه لنتنياهو وعدت بتقديم ثلاثة مليارات دولار إضافية في العتاد العسكري، وأن تستخدم الولايات المتحدة حق النقض لأي قرار في مجلس الأمن في الأمم المتحدة تعترض عليه إسرائيل، وألا تذكر أميركا المستوطنات مرة أخرى إلى حين بدء “مفاوضات الحل النهائي”.

ويبدو مارتن إنديك أكثر صراحة اليوم في الكشف عن فلسفته القائمة على كسب الوقت في جميع الملفات، فالوقت ثمين للولايات المتحدة، ومعه وفيه تتغيّر معطيات كثيرة، دون أن يتحقق شيء على مستوى الملفات التي هي بين أيدي المسؤولين.

هاجر مارتن إنديك إلى أميركا ليعمل مباشرة في منظمة أيباك.. ويدرس في جامعة كولومبيا ومعهد موشي دايان في تل أبيب


العالم والمرحلة البلاستيكية


كتب مارتن إنديك في نيويورك تايمز: “بات النظام الليبرالي العالمي الذي أنشئ بعد الحرب العالمية الثانية في مهب الريح، وتمثل هذه اللحظة من حالة عدم اليقين وعدم الاستقرار فرصة للرئيس أوباما، فعندما دخلت الولايات المتحدة الحرب العالمية الأولى، قال الفيلسوف جون ديوي إن العالم يمر بـ”مرحلة بلاستيكية”، وأعتقد الكثير من التقدميين أن العالم الذي كان يعاني من حالة عدم الاستقرار آنذاك يقدم فرصة للولايات المتحدة لكي تقوم بإعادة تشكيل النظام العالمي إلى شكل أفضل، وأدار الأميركيون ظهرهم لهذا التحدي، ثم عادوا إليه مرة أخرى بعد الانهيار الكارثي الثاني للنظام العالمي، واليوم، نمر بمرحلة بلاستيكية أخرى، وثمة فرصة فريدة أمام الرئيس أوباما لكي يقوم بتعزيز وتوسيع نطاق النظام العالمي الليبرالي الذي استفاد منه الأميركيون وكثيرون غيرهم في جميع أنحاء العالم، وفيما يتعلق بكثرة الحديث عن تقلص الدور الأميركي، فإن أوباما في حقيقة الأمر في وضع جيّد يؤهله للتأكيد على الزعامة الأميركية للعالم، ولو تمكن أوباما من التوصل إلى التسوية اللازمة مع الكونغرس لمعالجة الأزمة المالية الأميركية، يمكن للولايات المتحدة أن تظهر حينئذ كأحد أكثر الاقتصاديات العالمية نجاحا وديناميكية.. ولذا، فإن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: كيف تستفيد الولايات المتحدة من هذه المرحلة البلاستيكية؟ في المجال الأمني، يجب أن يكون الهدف الأساسي لأوباما هو منع إيران من امتلاك سلاح نووي،.. ويتزايد النفوذ الاقتصادي لدول مثل البرازيل وإندونيسيا وجنوب أفريقيا وتركيا والمكسيك، لكنها تعاني كثيرا في طريقها إلى العثور على هويتها كقوى ديمقراطية على الساحة الدولية،.. وقد اتخذت الدول ذات الأنظمة الديكتاتورية القوية مثل روسيا، مواقف تتناقض مع القيم الليبرالية فيما يتعلق بسوريا على سبيل المثال، إنهم بحاجة إلى إدراك أن المجتمع الدولي الديمقراطي مستعد للتحرك من دونهم.

وفي ظل الثورات التي شهدها العالم العربي وقرب حدوث تغيير في ميانمار، يمكن القول إن الوقت قد حان لوضع الولايات المتحدة مرة أخرى في طليعة الحراك الديمقراطي العالمي. ليس فقط لأن الديمقراطية تتوافق مع القيم الأميركية، بل لما للولايات المتحدة على مستوى العالم من مصلحة استراتيجية وسياسية واقتصادية في انتشار أنظمة ديمقراطية مستقرة ليبرالية، وقد تكون الدول ذات الأنظمة الديمقراطية الناشئة نزقة وغير مستقرة، إلا أنها في النهاية دول داعمة قوية للنظام العالمي الليبرالي الذي يسعى إليه الأميركيون. وينبغي أن يفعل أوباما المزيد من أجل دعم الصراع العسير من أجل الديمقراطية في العالم العربي، فلا يوجد أي بديل آمن للدور الأمني الأساسي الذي تلعبه الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وأوروبا.

يحاول مارتن إنديك قيادة الولايات من خلف الرؤساء، ومن خلف وزراء الخارجية، ليكون فيلسوفا سياسيا جديدا، وبحكم كونه غير مؤهل لتولي منصب الرئاسة بسبب مولده خارج الولايات المتحدة، فهو لا يطمح إلى أكثر من العمل ضمن السقوف المتاحة، وهذا يجعله يتصرّف بحرية أكبر، وربما بأخطاء أكبر.

7