مارتن سكورسيزي سيد هوليوود الذي خانه الأوسكار مجدداً

نقاد كثر يرون أن سكورسيزي ظُلم كثيرا كونه لم ينل سوى جائزة أوسكار واحدة طوال حياته الفنية، وكانت عن فيلمه الرائع "المغادرون" عام 2007.
الثلاثاء 2020/02/11
أسطورة سينمائية حية

قبل ساعات انتهى حفل توزيع جوائز الأوسكار للعام 2020. ولم يحصل أكثر المرشحين في تاريخ هوليوود على أية جائزة. لكن ذلك لا يغير شيئاً من مكانته الكبيرة، فعندما تكتب أو تتحدث عنه، تجد أنك لست أمام إنسان مبدع وحسب، بل هو مدرسة فنية فريدة من نوعها. عملاق سينمائي وجزء مستمر من تاريخ الأفلام العالمية، عمره الفني يتجاوز النصف قرن، وعطاؤه كل مرة يفاجئ الجميع، ينافس المخرجين الشباب وهو بعمر الـ77 ولا يستطيع أحد منهم منافسته، تلك المعادلة الغريبة الصعبة التي جعلت منه أسطورة سينمائية حية.

مارتن سكورسيزي كان بالتأكيد سابقا لعصره عندما احترف الإخراج السينمائي وهو فتى، من بوابة الفيلم الوثائقي، ومن ثم أنتج الأفلام القصيرة إلى أن جاء العام 1967 حين قدم فيلمه الأول “من طرق بابي”، من بطولة رفيق عمره وزميل دراسته الممثل الكبير هارفي كيتيل، وهذا الفيلم لم يقدم سكورسيزي للجمهور، بل قدمه فقط للوسط السينمائي في ذلك الوقت، وتعرف بسببه على أسماء لامعة من مخرجين ومنتجين وكتاب أمثال المنتج روجر كورمان والمخرج برايان دي بالما الذي عرّف سكورسيزي بالممثل الشاب، وقتها، روبرت دي نيرو، وبدأت الشراكة الفنية الناجحة بين الاثنين بفيلم “الشوارع الخلفية” عام 1973 وهو الفيلم الذي صنع شهرة حقيقية لسكورسيزي وقدم أفكاره الجريئة عبر قصة رائعة عن المافيا الإيطالية في نيويورك، الملعب الذي برع فيه المخرج الشاب واستكمله بعدة أفلام كان أحدثها فيلم ”الأيرلندي“ العام الماضي.

فلسفة سينمائية خاصة

نصف قرن من العطاء السينمائي الرفيع
نصف قرن من العطاء السينمائي الرفيع 

نجاح “الشوارع الخلفية” جعل الممثلة إيلين بريستين تختار سكورسيزي لإخراج فيلمها “أليس لم تعد تعيش هنا بعد اﻵن”، وكانت صائبة ومحظوظة باختيارها، حيث نالت الأوسكار الوحيد في مسيرتها عن أدائها لدور البطولة.

عاد سكورسيزي إلى رفيق دربه دي نيرو، وقدم معه التحفة السينمائية “سائق التاكسي”، التي عرض فيها المخرج المبدع فلسفة جديدة عن الصراع النفسي ما بين سائق سيارة أجرة، وبين المجتمع الذي يعيش فيه، المجتمع المتخم بالفساد والفوضى، وفي هذا الفيلم كانت الإطلالة الأولى للنجمة جودي فوستر وهي لم تتجاوز بعد الرابعة عشر من عمرها.

نجاح فيلم "الشوارع الخلفية" يعود إليه الفضل في دفع الممثلة إيلين بريستين لاختيار سكورسيزي لمهمة إخراج فيلمها "أليس لم تعد تعيش هنا بعد اﻵن"، وكانت محقة ومحظوظة باختيارها ذاك، حيث نالت الأوسكار الوحيد في مسيرتها عن أدائها لدور البطولة فيه

الثنائي الرائع قدّم عدة أفلام ناجحة منها “نيويورك نيويورك”، “ملك الكوميديا”، و”الثور الهائج” الفيلم الذي حصد بفضله دي نيرو جائزة الأوسكار لأفضل ممثل رئيسي، ومن بعدها لم ينل أي أوسكار في مسيرته الفنية. أما اليوم، فقد اختار سكورسيزي ممثلا بارعا ليكوّن معه ثنائيا جديداً. إنه ليوناردو دي كابريو، الذي أعطاه دور البطولة إلى جانب المخضرم دانيال داي لويس، والنجمة كاميرون دياز في فيلم “عصابات نيويورك”، وتوالت النجاحات بينهما في أفلام “الطيار”، “المغادرون”، “جزيرة شاتر”، و”ذئب وول ستريت”.

عانى سكورسيزي في طفولته من مرض الرّبو، وهو ماجعله يمتنع عن النشاطات الرياضية المدرسية، فأمضى أغلب وقته حبيس المنزل أمام التلفاز يتابع المسلسلات والأفلام، وفي عمر الثامنة كان سكورسيزي قد رسم العديد من القصص المصورة خاتماً كلا منها بعبارة “إخراج وإنتاج مارتن سكورسيزي”.

لم يأخذ والداه اللذان ينحدران من أصول إيطالية هوس ابنهما بالأفلام على محمل الجد، إلا أنه ناضل كثيرا وعمل بجهد للحصول على منحة دراسية بقيمة 500 دولار من جامعة نيويورك على خلفية إنتاجه لفيلم كوميدي قصير مدته لا تتجاوز العشر دقائق.

الأيرلندي

"قتلة قمر الزهور" عنوان لنجاح جديد متوقع لـ "دي كابريو "
"قتلة قمر الزهور" عنوان لنجاح جديد متوقع لـ "دي كابريو "

أشهر مقولات سكورسيزي التي تعتبر أيضا نصيحة لكل صناع الأفلام، هي “أنت لا تصنع فيلما لكي تفوز بالأوسكار”، ومن يطّلع حقيقة على مسيرته المهنية بدقة يجد تماما أنه يطبقها، ولا يسعى إلى الجوائز بقدر سعيه إلى إنجاز تحف سينمائية جعلت من اسمه خالداً في تاريخ السينما العالمية عموما. كثير من النقاد يرون أن سكورسيزي ظُلم كثيرا كونه لم ينل سوى جائزة أوسكار واحدة طوال حياته الفنية، والتي كانت عن فيلمه الرائع “المغادرون” عام 2007، حينها احتفل الحضور من النجوم بطريقة ملفتة ومختلفة وكأن كلا منهم يقول لنفسه وأخيرا نال هذا العملاق الأوسكار. جاك نيكلسون ومات ديمون ومارك والبيرغ احتفلوا بإطلاق الصافرات، حتى أن اللجنة المنظمة لذلك الحفل قررت أنّ من يقدم الجائزة هم ثلاثة من عمالقة هوليوود هم مخرج “العراب” فرانسيس فورد كوبولا، وأشهر منتجي الأفلام وخصوصا سلسلة “حرب النجوم” جورج لوكاس، والمخرج العبقري ستيفن سبيلبرغ.

يعدّ سكورسيزي المخرج الحي الأكثر ترشحا لجائزة الأوسكار في تاريخها، بما يفوق تسعة ترشيحات ولا يزال لديه وقت لكسر الرقم القياسي للمخرج الراحل ويليام ويلر، الذي يتربع على عرش ترشيحات هذه الفئة برصيد 12 ترشيحا.

الترشيح الأخير هو عن فيلمه الأخير ”الأيرلندي” وهو الفيلم الرائع الذي انتظره الجمهور بفارغ الصبر، حيث أعاد لنا سكورسيزي “الشلة” الكبيرة وجمعهم مع بعضهم البعض، وهنا نقصد المخضرمين من دي نيرو وآل باتشينو وجو بيشي، وهو التعاون الأول بين مارتن وشركة نتفليكس التي وافقت على ميزانية الفيلم الكبيرة، وهو بالمقابل قبل قواعد اللعبة مع هذه الشركة، من أجل تصوير قصته في 3 ساعات ونصف الساعة، وتقديم فيلم للجمهور، سواء في السينما أو الهواتف الذكية أو أجهزة الكمبيوتر المتعددة في توقيت واحد.

الفيلم القادم لسكورسيزي سوف يشهد عودة دي كابريو ليقف مجددا أمام كاميرته، والمفاجأة الكبرى أنه سوف يجتمع مع دي نيرو، تحت إدارة المخرج الذي يحقق كل منهما نجاحات منفردة معه.

“الأيرلندي” شهد عودة الثنائي الأشهر في هوليوود، هنا نقصد سكورسيزي ودي نيرو اللذين تعاونا في ثمانية أفلام في ما سبق، حيث ظن الكثير أن خلافا نشب بينهما جعلهما يفترقان فنيا لمدة طويلة تجاوزت 25 عاما.

 لكن سكورسيزي أوضح في لقاء صحافي سبب هذا البعد بالقول “لقد اشتغلنا معا في فيلمي (الرفاق الصالحون) و(كازينو) ولم يعد لدينا ما نقوله عن عالم المافيا، كنا نبحث عن فكرة أخرى من أجل عمل سينمائي مشترك، خصوصا في هذا العمر المتأخر، حيث تعدو دقائقه أمامنا. ولكن قبل تسع سنوات اكتشف دي نيرو كتاب شارل برانت (لقد قتلت جيمي هوفا)، واتصل بي، وكان متأثرا بشخصية فرانك شيران الصديق الحميم لجيمي هوفا، الذي كلف بتصفيته، لقد كان الموضوع مناسبا للقبض على الزمن الماضي، موضوع يلمسنا نحن الاثنين معا، ثم هناك هذه القصة لرجلين لا يستطيعان الهروب من عالم الأعمال، حتى لو كان هذا المسار يؤدي بهما في النهاية إلى الموت، هذه قصتنا أنا وروبرت دي نيرو، خصوصا هناك في الأفق، إننا سننسى خلال عشرة أو عشرين عامًا المقبلة”.

الفيلم القادم لسكورسيزي سوف يشهد عودة دي كابريو ليقف مجددا أمام كاميرته، والمفاجأة الكبرى أنه سوف يجتمع مع دي نيرو، تحت إدارة المخرج الذي يحقق كل منهما نجاحات منفردة معه.

الفيلم بعنوان “قتلة قمر الزهور” يتوقع البدء بتصويره في الأشهر القادمة، تدور أحداثه في مدينة أوكلاهوما في بداية القرن الماضي، حيث اكتشف الهنود الحمر النفط، وأصبحوا أغنى الأفراد في الولايات المتحدة، وكانت النساء الأكثر استفادة من عائدات النفط، لذلك حاول البيض الزواج منهن، وبما أنه لم تنجح مبادرتهم، فقد فضلوا قتلهن.

العمل فكرة دي كابريو الذي كان قد اشترى منذ زمن حقوق الرواية التي تروي حكاية الفيلم، من كاتبها ديفيد غرانن، وتولى السيناريست الشهير إيرك روث تحويلها إلى سيناريو، وبالتأكيد نحن بانتظار تحفة سينمائية مقرر عرضها في العام القادم 2021.

 سكورسيزي قدم تحف سينمائية جعلت من اسمه خالداً في تاريخ السينما العالمية
 سكورسيزي قدم تحفا سينمائية جعلت من اسمه خالداً في تاريخ السينما العالمية

 

13