مارتن شولتز رئيس البرلمان الأوروبي القلق من انحلال عقدة الاتحاد

السبت 2016/03/05
لاعب كرة قدم في عباءة اشتراكي

بروكسل - ضمن إطار العمل الوحدوي الفريد من نوعه في الاتحاد الأوروبي، تنطلق مؤسسات ترعى الدولة المنضوية تحت مظلة الاتحاد الذي انطلق رسميا بعد توقيع اتفاقية ماستريخت بهولندا عام 1992، تلك الاتفاقية التي أخرجت الأقطار الأوروبية من عباءة القومية المنفردة لتشكل العلم الواحد ذا الأرضية الزرقاء التي تتلألأ عليها نجمات صفراء تشير إلى عدد الدول الأعضاء حيث لم يُغلق الباب أمام من تنطبق عليه شروط الانضمام.

في هذه المعادلة يمارس الجميع صلاحياتهم الموسومة بدستور وقانون يرسم تفاصيل الحياة السياسية والعسكرية والاقتصادية للخطط التي يبنى بها مستقبل القارة العجوز ككل، ولأن الفعل في الشرق لا بد أن يلقى صداه مترددا في الغرب، فإن الأزمات التي تعصف بالشرق الأوسط منذ انطلاق ثورات الربيع العربي، وجدت لها في الأنظمة الأوروبية أرضية خصبة دفعت رئيس السلطة التشريعية في الاتحاد مارتن شولتز إلى الاعتراف، في الثامن من ديسمبر الماضي، بإحساسه بأن الاتحاد الأوروبي لن يدوم لأكثر من عشر سنوات مقبلة!

الأزمات المتلاحقة

أزمات متلاحقة تسير على اتجاهات عديدة بين السياسة والاقتصاد والتدخل العسكري، فضلا عن موجات اللاجئين التي وصلت في تدفقها إلى قيام الكثير من الأحزاب والناشطين بدق ناقوس الخطر الذي بات يهدد الهوية الأوروبية، ربما كان هذا السبب هو الذي أظهر قلق مارتن شولتز المولود في هيراث غربي راينلاند بألمانيا على الحدود الهولندية البلجيكية في العشرين من ديسمبر لعام 1955.

بدأ شولتز حياته في مدرسة هيراث الابتدائية وتربى كأخ خامس في عائلة يعيلها الأب الذي كان يعمل شرطيا محليا مما أكسب الطفل حينها التزاما حقيقيا بقيمة الوقت وضرورة الإنجاز ضمن خطة عمل واضحة، التخطيط الذي اتخذه شولتز في بداية حياته منهجا دفع به دائما إلى أن يكون متميزا عن أقرانه في المدرسة الابتدائية، حين بزغ نجمه في كرة القدم، ذلك المشوار الرياضي الذي سرعان ما توقف نتيجة إصابة خطيرة في ركبته اليمنى جعلته يغادر الملاعب إلى الأبد حاملا معه القاعدة الذهبية التي تقول “إن الفريق هو الذي يفوز وليس لاعبا واحدا”، عبر هذه النظرية اتجه شولتز مبكرا لسوق العمل ضمن حقل المكتبات ودور النشر إلى أن استطاع افتتاح مكتبته الخاصة عام 1982 في فورسلن حيث ظل يديرها حتى عام 1994.

على مسار عملي آخر انطلق شولتز مبكرا أيضا في طريقه السياسي حيث انضم في عام 1974 إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي لينخرط مع الاشتراكيين الشباب الذين أمّنوا له الدعم الحزبي الكافي ليكون عام 1984 عضوا في المجلس البلدي لفورسلن وليستلم بعد ذلك زمام الإدارة الكاملة في تلك البلدية عام 1987 كأصغر رئيس بلدية في منطقة شمال نهر الراين وستفاليا، في تلك الفترة المبكرة في الإدارة استخدم الشاب حينها ذاكرته الأولى من خلال زياراته المتكررة للجمهورية الفرنسية خلال دراسته في المرحلة الابتدائية فاشتغل حثيثا على إنجاز التوأمة بين فورسلن ومدينة مورلي الفرنسية، من هنا يمكن فهم العقلية التكاملية التي يؤمن بها شولتز الاشتراكي.

البرلمان الأوروبي أدان في الخامس والعشرين من فبراير الماضي تزويد بعض الدول الأوروبية للمملكة العربية السعودية بالسلاح خلال عاصفة الحزم لإعادة الشرعية في اليمن، تلك الحملة العسكرية التي يراها البرلمان عدوانا على اليمن في تناقض غريب بين الدعوات إلى الحرب على الإرهاب والوقوف على الحياد منه

تدرج سريع

إنجازاته المحلية دفعت به مرة أخرى، منتصف تسعينات القرن الماضي، إلى أن يكون عضوا في الاتحاد الأوروبي، تلك الخطوة التي مهّدت له الطريق ليكون منسقا عاما للجنة الفرعية الأوروبية لحقوق الإنسان ومن ثم منسقا عاما للجنة الحريات المدنية والعدالة والشؤون الداخلية حتى عام 2000، ليتقلب بعد ذلك في العديد من المناصب في المفوضية الأوروبية حتى تم انتخابه رئيسا للبرلمان الأوروبي في السابع عشر من يناير لعام 2012.

النظرة التاريخية للمشهد الحالي تخبرنا أن البرلمان بشكله اليوم هو حالة متطورة من الجمعية المشتركة التي تم تأسيسها عام 1952 من قبل الجماعة الأوروبية للفحم والصلب التي اشتغلت عليها كل من فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبلجيكا ولوكسمبورغ وهولندا، ليتم استبدال تلك الجمعية عام 1957 بمظلة السوق الأوروبية المشتركة ولتكون في وقت لاحق الجمعية البرلمانية الأوروبية وأخيرا البرلمان الأوروبي منذ عام 1962، البرلمان الأوروبي بدأ مهامه بطريقة استشارية فقط بعد أن يتم اختيار أعضائه وفقا لنظام الاقتراع العام ولكن مع تطور مؤسسات الاتحاد الأوروبي وارتفاع مستوى الأزمات الداخلية بدأ البرلمان ينشط باتجاهات عديدة مما أتاح لسلطاته التوسع أيضا وفقا لآلية بطيئة في بداية الأمر ما لبثت أن تسارعت وتيرتها ليقف اليوم على قدم المساواة مع كل من المفوضية ومجلس الاتحاد.

تحديات القمة الأوروبية الأخيرة

الاتحاد الأوروبي الذي بدأ بفكرة اقتصادية بحتة ثم ما لبث أن اتخذ طابعا سياسيا، هذا الكيان الذي دافع عنه شولتز مرارا أمام اليمين المتطرف الفرنسي والإيطالي والمجري، إلا أنه يقر اليوم بالصعوبات الكبيرة التي تواجه استمرار المنظومة الأوروبية، يبدو ذلك جليا في أحاديثه المقتضبة التي يدلي بها، فالبلاد التي خاضت الحروب الأكثر شراسة عبر التاريخ الحديث يؤمن شولتز بطريق السلام طريقا وحيدا لاستقرارها، ذلك السلام المشوب بالحذر منذ أن ضربت الأزمة المالية العالمية اقتصادات العالم وألقَت بظلالها على الاقتصادات الأوروبية التي دخلت في دورة الركود المالي لفترات طويلة، ومع بدء بوادر الانتعاش الاقتصادي استفاقت القارة العجوز على أمواج اللاجئين من الشرق الأوسط وأفريقيا مما جعل التحديات تتفاقم في ظل المخاطر الحقيقية التي تُفرزها كل هذه التغيرات في ظل صعود واضح لليمين المتطرف في حكومات عديدة داخل الدول الأعضاء في الاتحاد.

يرى شولتز أن المنقذ الوحيد من الأزمة التي تلوح بوادرها في الأفق هو العدالة الاجتماعية وتطبيق مبدأ المساواة من خلال نظام حقيقي يتيح الفرص للشاب، يضمن السياسي الأوروبي تنفيذ المعادلة من خلال تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تقضي على البطالة أو تتيح استثمارا في رأس المال البشري.

الانفتاح المهرول تجاه إيران يفسر اعتبار شولتز حرب السعودية على الحوثيين في اليمن عدوانا على البلاد

بريطانيا والمنظومة الأوروبية

يؤمن مارتن شولتز الذي يتحدث الألمانية والفرنسية والإنكليزية بالعدالة الاجتماعية كمنهج للحياة، من هنا ينطلق في تعبيره عن التزام القارة الأوروبية بملف اللاجئين رغم ما يشوب ذلك من عقبات وتحديات عديدة، إلا أنه يصر على إمكانية معالجته في الخطوط العريضة ضمن مفهوم العمل التكاملي الأوروبي، في سبيل ذلك قام شولتز بزيارات ميدانية عديدة إلى مخيمات اللاجئين في دول عديدة أبرزها كانت مخيمات اليونان التي يصلها اللاجئون بحرا.

كان ظاهرا على الاشتراكي القديم إحساسه بالقلق خلال المفاوضات الأخيرة مع بريطانيا حيث استحوذ هذا الملف على كل جلسات البرلمان التي استمرت أكثر من ثلاثين ساعة، متقدما بذلك على قضية اللاجئين، يبرر ذلك شولتز بأن لندن عضو رئيسي في مجموعة الدول الصناعية السبع، فضلا عن امتلاكها حق النقض في مجلس الأمن ووجودها في الاتحاد هو مسألة تطول صميم الوحدة الأوروبية، يجزم شولتز اليوم بأن المفاوضات لن تتم إعادتها في حال صوّت البريطانيون ضد الاستمرار في منظومة العمل الأوروبي.

الشرق الأوسط حاضر

يصف مارتن شولتز الواقع الأوروبي الحالي بالمليء بالمشاكل الخطرة التي تكوِّن أوضاعا متفجرة في بلدان عديدة، داعيا الجميع إلى الالتزام بالهدوء وعدم الانفعال كي تعود الأحوال إلى نصابها الطبيعي، هكذا بكلمات بسيطة ومباشرة يؤكد شولتز دائما وجود جهات -دون أن يسميها- تسعى لإنهاء مشروع العمل الأوروبي المشترك.

لا يدخل شولتز في متاهات السياسات الداخلية أو العالمية، لكنه ينظر من شرفة البرلمان الأوروبي إلى الواقع العالمي ويجلس على منصة التشريع في السلطة القانونية مديرا ملفات تمس بشكل مباشر المواطن الأوروبي دون غيره، و نادرا أيضا ما يتحدث شولتز عن ملفات تتعلق بالشرق الأوسط، ولكن لا بد هنا أن نذكر خطابه في الكنيست الإسرائيلي في الثاني عشر من فبراير لعام 2014 حين هاجم الحكومة الإسرائيلية بسبب انتهاجها لسياسات الحصار والاستيطان في غزة والضفة الغربية، ذلك الخطاب الذي أثار ضد الرجل انتقادات حادة بعد أن غادر أعضاء كتلة حزب البيت اليهودي الإسرائيلي القاعة الرئيسة خلال إلقائه للخطاب.

البرلمان الأوروبي الذي استقبل مفتي النظام السوري وأعطاه الفرصة كي يخاطب العالم مدافعا عن جرائم النظام في قتل الشعب الثائر ضده منذ سنوات، أدان في الخامس والعشرين من فبراير الماضي تزويد بعض الدول الأوروبية للمملكة العربية السعودية بالسلاح خلال عاصفة الحزم لإعادة الشرعية في اليمن، تلك الحملة العسكرية التي يراها البرلمان عدوانا على اليمن في تناقض غريب بين الدعوات إلى الحرب على الإرهاب والوقوف على الحياد منه، هو تناقض يمكن فهمه ضمن السياسة البراغماتية التي تنتهجها عموما دول أوروبا والولايات المتحدة الأميركية تجاه ثورات الربيع العربي، فالانكفاء الأميركي والصمت الأوروبي أعطيا المساحة كاملة للدب الروسي كي يفرض سياسة الأمر الواقع في الشرق بعد أن فرضها في أوكرانيا وشبه جزيرة القرم.

هي السياسة التي يشرّع مارتن شولتز من خلال قيادته للبرلمان الأوروبي قوانينها الداخلية ويُقدّمها في قالب استشاري لقادة دول الاتحاد عندما يتعلق الأمر بالملفات الخارجية.

مارتن شولتز الذي لم يدخل أسوار جامعة قط إلا ضمن ما أتاحت له حملته الانتخابية ليصل إلى سدَّة البرلمان الأوروبي يعتمد اليوم على إحياء الهوية الأوروبية المتجددة من خلال نظام العدالة الاجتماعية الذي يراه بوابته اليوم للوصول إلى رئاسة المفوضية في الانتخابات المقبلة بعد أن تم منحه في مدينة آخن جائزة شارلمان الدولية كأرفع جائزة ألمانية في مجال الخدمة الإنسانية.

12