مارغريت دوراس المرأة المسرفة في كل شيء

السبت 2014/06/07
دوراس تصرّ من خلال أعمالها الروائية على تعرية خفايا حياتها

تحتفل فرنسا هذا العام، 2014، بمرور 100 سنة على ميلاد مارغريت دوراس، تلك المرأة قصيرة القامة، المسرفة في كلّ شيء، في الحبّ، كما في الكراهيّة، وفي الغضب، كما في الهدوء، وفي الجد كما في الهزل والإقبال على ملذّات الحياة، وفي القسوة كما في الرحمة.


اللغة المتوترة


حتى النهاية ظلّت دوراس مصرّة من خلال أعمالها الروائية على تعرية خفايا حياتها. وأبدا لم تنقطع عن الكتابة جاعلة منها سلاحا قويّا لفرض نفسها، والدفاع عن أفكارها، مبتكرة لغة متوترة، وأسلوبا بديعا أتاحا لها أن تحتلّ مكانة بارزة في الأدب الفرنسي خلال القرن العشرين. وبعد وفاتها بسنة واحدة، أصدرت لور أدلير عام 1997، كتابا روت فيه تفاصيل سيرتها من البداية حتى النهاية. وعن الأسباب التي دفعتها إلى كتابة هذه السيرة، قالت لور أدلير: “بعد وفاة طفلي، كنت أمرّ بأزمة نفسيّة حادة.. وفي يوم ما وقعت على رواية “سدّ ضدّ المحيط الهادي” (رواية لمارغريت دوراس). وكان هذا الكتاب بمثابة الصدمة المنقذة بالنسبة إليّ. فلقد ساعدني على الخروج من البئر. وأذكر أني كتبت رسالة إلى مارغريت دوراس فهتفت لي بعد يومين على تلقيها رسالتي داعية إيّاي إلى شرب القهوة معها. أثناء اللقاء، تحدثنا عن فنّ الطبخ، وعن الشراب، وعن الأطفال، وعن المدرسة. ولا كلمة واحدة عن الأدب! وقد لاحظت أن مارغريت دوراس تحبّ التحدث مع الآخرين. ولها اهتمام كبير بالسياسة. بعد ذلك التقينا العديد من المرات لنتحدث في مسائل شتّى. غير أن الدافع الحقيقي لتأليف كتاب عنها كان فرانسوا ميتران. فبعد صدور كتابي عن فترة رئاسته الثانية، والذي حمل عنوان: “سنوات الوداع”ولاقى رواجا هائلا، دعاني إلى تناول طعام الغداء. وأثناء ذلك تحدثنا عن مارغريت دوراس التي تربطه بها صداقة قديمة تعود إلى أيام شبابها. وعندما أخبرته أني أنوي كتابة سيرتها ابتهج كثيرا، وأضاء لي بعض الجوانب التي لم أكن أعرفها من قبل. ومنذ ذلك الحين بدأت أعمل على إنجاز هذا المشروع”.

عندما اندلعت الحرب التحريرية الجزائرية، أدانت دوراس بشدة جرائم الجنرالات، وعمليات التعذيب الوحشية التي كان يتعرض لها الوطنيّون الجزائريّون. وكانت حريصة على زيارة أحياء المهاجرين والتحدث معهم،ومع أطفالهم ونسائهم، وكانت تبدي تعاطفا مع المهمشين والفارين من الأنظمة الديكتاتورية


من فيتنام إلى العالمية


المراحل الأساسية في حياة مارغريت دوراس التي شغلت الناس العديد من المرات سواء من خلال رواياتها، أو من خلال مواقفها الاستفزازيّة دائما. صاحبة “سدّ ضدّ المحيط الهادي” ولدت عام 1914 في ما كان يسمى بـ”الهند الصينية” (فيتنام اليوم)، وتحديدا في بلدة قريبة من سايغون. وكان والدها يعمل أستاذا للرياضيّات هناك. أما والدتها فقد كانت معلّمة. وبعد وفاة والدها عام 1924، انتقلت مارغريت دوراس مع والدتها وأخويها إلى “ماديك”، ثم إلى “فينغ لونغ” على ضفاف نهر “الميكونغ”. وبسبب المصاعب الماديّة، أصيبت الطفلة الصغيرة التي كانت آنذاك في الثانية عشرة من عمرها بأزمة نفسيّة حادة كادت “تفقدها الصواب”. وسوف تظلّ تأثيرات تلك الأزمة تعذّبها لسنوات طويلة. وفي ما بعد، صرّحت مارغريت دوراس أن تلك الأزمة هي التي حفّزتها على أن تكون كاتبة لتؤرّخ وقائع طفولتها المعذبّة بين أمّ مرهقة بالمتاعب الماديّة، وأخوين متناقضين في السلوك. فالأول عدواني، وشرير، وعنيف. أما الثاني فهادئ، وخجول، وهشّ الصحّة. وتلك مواصفات سجّلتها مارغريت دوراس في روايتها: “سدّ ضدّ المحيط الهادئ”. أما قصّة الحب العنيفة التي عاشتها في سنوات المراهقة وهي تلميذة بمدرسة داخلية في سايغون، فقد صورتها على أبدع صورة في رائعتها “العشيق” التي بيعت بملايين النسخ في جميع أنحاء العالم وحُوّلت إلى فيلم أحرز على إعجاب ملايين المتفرجين. وعن قصة الحب التي عاشتها، قالت مارغريت دوراس: “لقد كانت قصة عنيفة ومثيرة جنسيا بالخصوص. وكانت أقوى من طاقتي على الاحتمال. وأعترف أنها هي التي غيّرت طريقتي في الكتابة، وساعدتني على اكتشاف فراغات، وحفر كانت في داخلي، ومكنتني من أن أكتسب الشجاعة اللازمة للبوح بذلك”.

من أصدقاء دوراس الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران و كانت في بداية حياتها تبدي ميولا واضحة للأفكار اليمينية، بل وغالبا ما كانت تمجد فضائل الاستعمار، ولم تكن تخفي احتقارها للشعوب المستعمرة عليها باعتبارها "قطعانا لا بدّ من ترويضها وتهذيبها، وتعريفها بالقيم الحضارية"

راحت الأحوال المادية للعائلة الصغيرة تتدهور يوما بعد آخر. وكانت الأم تنخرط أحيانا في البكاء. أحيانا أخرى تعتريها نوبات عصبيّة حادة تخرجها عن طورها فتأخذ في الصياح والعويل، وتكسير الصحون، والكؤوس. وكان ذلك يفزع البنت المراهقة الجميلة، ذات العينين الحالمتين. وفرارا من ذلك الواقع المرير اختارت أن تصبح مومسا، وراحت تطوف في الشوارع بحثا عن الراغبين في اللذات السريعة. وعندما أصبحت كاتبة مشهورة، زعمت مارغريت دوراس أنها فعلت ذلك مرة واحدة فقط. غير أن الذين حقّقوا في حياتها الخاصة، ولور أدلير من بينهم، أكدوا أنها ظلّت تمارس مهنة الدعارة لبضع سنوات.


عتبة باريس


وفي عام 1932،غادرت مارغريت دوراس الهند الصينية إلى باريس لتلتحق بالجامعة لدراسة الحقوق، والعلوم السياسية، والرياضيّات. ومثل الذين سيصبحون أصدقاء لها في ما بعد من أمثال الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران، والناقد الشهير موريس بلانشو، والكاتب والشاعر كلود روا، كانت مارغريت دوراس في تلك الفترة من حياتها، تبدي ميولا واضحة للأفكار اليمينية، بل وغالبا ما كانت تمجد فضائل الاستعمار، أو تصفق بحماس للشخصيّات السياسية المعروفة بدفاعها عن العنصرية وعن الشوفينية القومية، ولم تكن تخفي احتقارها للشعوب المُولّى عليها باعتبارها “قطعانا لا بدّ من ترويضها وتهذيبها، وتعريفها بالقيم الحضارية”.

وفي بداية الحرب الكونية الثانية، التقت مارغريت دوراس بروبير أنتالم وتزوجته: وشيئا فشيئا راحت تتخلى عن أفكارها اليمينية المتطرفة لتنضم إلى حلقة يسارية كان أعضاؤها يجتمعون في شقتها المتواضعة الكائنة بشارع “سان بينوا” بباريس. وفي نفس السنة التي صدر فيها كتابها الأول عن دار “غاليمار ” المرموقة، وذلك عام 1943، التحقت بخليّة من خلايا المقاومة الفرنسيّة كان يتزعمها فرانسوا ميتران الذي أصبح آنذاك اشتراكيّا، من أنصار جان مولان الذي قتله النازيون. وفي عام 1944، قام رجال “الغاستابو” باعتقال زوج مارغريت دوراس روبير أنتالم، وأرسلته إلى أحد المعسكرات النازية. وفي ما بعد ستروي هذا الفصل من حياتها في رواية “الألم” التي يعتبرها جلّ النقّاد أفضل أعمالها.

في آخر حوار أجري معها قالت دوراس: "هناك الكتابة، ثم الحياة بفواجعها، ومظالمها. ولا يمكن أن نجمع بين الاثنين إلاّ عندما نجعل من الحياة، ومن كوارثها مادة للكتابة!"


بعد الحرب


عند انتهاء الحرب، انضمّت مارغريت دوراس إلى الحزب الشيوعي الفرنسي. وعندما أصدرت روايتها “سدّ ضدّ المحيط الهادي” عام 1956 والتي لاقت نجاحا منقطع النظير، انفصلت عن الحزب الشيوعي، غير أنها لم تنقطع عن النضال السياسي. وعندما اندلعت الحرب التحريرية الجزائرية، أدانت بشدة جرائم الجنرالات، وعمليات التعذيب الوحشية التي كان يتعرض لها الوطنيّون الجزائريّون. وكانت حريصة على زيارة أحياء المهاجرين والتحدث معهم، ومع أطفالهم ونسائهم، وكانت تبدي تعاطفا مع البغايا والمهمشين، والفارين من الأنظمة الديكتاتورية. وعن هؤلاء جميعا كانت تكتب مقالات ساخنة في الصحف، وفي المجلاّت الفرنسية. وفي عام 1959، أنجزت مارغريت دوراس مع ألن رنييه فيلم: “هيروشيما يا حبّي” الذي لفت الأنظار مجددا إلى مأساة المدينة اليابانية التي أُلقيت عليها أول قنبلة ذريّة وذلك عام 1945. بعدها أصبحت توزع نشاطاتها بين الكتابة الروائية، والمسرح، والسينما. وقد حاز فيلمها “أنديا سونغ” على شهرة عالمية واسعة. وقد ازدادت شهرتها اتساعا مطلع الثمانينات من القرن الماضي بعد أن أحرزت روايتها “العشيق” على جائزة “غونكور” المرموقة.

ورغم أن الأطباء نصحوها أكثر من مرة بالاهتمام بصحتها فإنها لم تبال، وقبل أشهر قليلة من وفاتها، شوهدت في مدينة بريست بشمال فرنسا صحبة ممثلين وممثلات لعبوا أدوارا في مسرحيتها “مطر الصيف”. وكان الليل قد تقدّم، وكانت الشوارع فارغة، ورغم ذلك كانت هي تركض من هذا الشارع إلى ذاك بحثا عن مكان مناسب لإنهاء السهرة.

وفي آخر حوار أجري معها، قالت: “هناك الكتابة، ثم الحياة بفواجعها، ومظالمها. ولا يمكن أن نجمع بين الاثنين إلاّ عندما نجعل من الحياة، ومن كوارثها مادة للكتابة!”…

14