مارغريت نخلة أنثى روحانية الألوان مدينية التكوين

الأحد 2016/04/17
مارغريت نخلة فنانة عاشت حياة غامضة ورسمت المسيح المصري

لندن - بالرغم من أنها عاشت حياة عزلة غامضة فإن مارغريت نخلة كانت تنظر إلى سنة ولادتها بتفاؤل وهي تفكر بما جلبته تلك السنة من تحول عظيم على مستوى التفكير في الفن بمصر.

لقد ولدت الفتاة التي ستصبح في ما بعد واحدة من رائدات الفن في مصر في السنة نفسها التي أنشأ فيها الأمير يوسف كمال من ماله الخاص أول مدرسة أهلية للفنون الجميلة بمصر.

ألا يعد ذلك فأل خير جلبته ولادة فتاة في عائلة لبنانية مهاجرة إلى الإسكندرية؟

شهيدة الفن المصري

أصولها اللبنانية لم تقف عائقا بينها وبين الانغماس عميقا في حياة المصريين، وهو ما انعكس بقوة على فنها الذي لا تخطئ العين ملامحه المصرية.

يبدو الطابع جليا في لوحات ابنة الجيل الثاني من الفنانين المصريين التي نفذتها بتكليف من كنيسة العذراء في القاهرة عام 1967.

كانت مشاهد تلك اللوحات مستوحاة من قصص الكتاب المقدس، غير أن الفنانة أزالت من ذاكرتها الصور التي أنجزها فنانو عصر النهضة مستلهمين القصص ذاتها لتحتفي بالحياة من حولها ولتقتبس من تلك الحياة صور الناس العاديين وتضفي على وجوهم مسحة من نور. لذلك لا تذكّر لوحتها “العشاء الأخير” بلوحة دافنشي الشهيرة.

كان المسيح وحواريوه مصريين. وهو ما كان قد جرب الخوض في غماره فنان مصري آخر هو راغب عياد الذي ترك الكثير من لوحاته في كنائس وأديرة مصر.

وإذا كانت ولادتها قد جلبت حظا سعيدا للفن المصري فإن وفاتها وحيدة عام 1979 قد فتحت الباب على مصير تراثها الفني الذي ضاع جزء كبير منه، فلم يبق إلا القليل من لوحاتها وبعض الصور التي تذكّر باللوحات المفقودة.

ما لم تفصح عنه مارغريت نخلة في حياتها أخذته معها أعمالها الفنية التي غابت بغيابها، فلم يبق أمام نقاد الفن المصريين سوى أن ينعوها باعتبارها واحدة من شهيدات الفن في مصر.

الأصول اللبنانية لنخلة لم تقف عائقا بينها وبين الانغماس عميقا في حياة المصريين، وهو ما انعكس بقوة على فنها الذي لا تخطئ العين ملامحه المصرية

بين باريس والقاهرة

ولدت مارغريت نخلة عام 1908 في الإسكندرية لعائلة لبنانية هاجرت إلى مصر من أجل العمل في التجارة أواخر القرن التاسع عشر. منذ السادسة من عمرها انهمكت في تزيين دفاترها بالورود والزخارف والنقوش، وهو ما أهّلها حين بلغت سن الثالثة عشرة أن ترسم المناظر الطبيعية وصور الأشخاص، الأمر الذي رأى فيه والدها نوعا من الموهبة المبكّرة. وهو ما شجّعه على أن يزجّ بها في محترف الفنانة الإيطالية مدام كازاناتو التي هاجرت هي الأخرى إلى الإسكندرية.

بعد ذلك بدأت الفتاة التي تفتّحت موهبتها في إطار تعليم مدرسي منضبط في الاشتراك في المعارض العامة وهو ما دفع بها إلى الواجهة حين فازت لوحتها “تكوين فرعوني” بالميدالية الفضية لمعرض القاهرة الصناعي عام 1931.

وحين بلوغها سن الساسة والعشرين التحقت مارغريت بالمدرسة الأهلية العليا للفنون الجميلة بباريس وذلك عام 1934 بعد أن تخرّجت من كلية الفنون الجميلة بالقاهرة. مكثت هناك خمس سنوات لتحصل بعدها على دبلوم إعداد المعلمين عام 1939.

في باريس درست الرسم بين يدي معلم الرسم الفرنسي ساباتيه وكانت توقّع أعمالها يومها برسم نخلة في إشارة رمزية إلى اسمها. في بداية الأربعينات كانت نخلة واحدة من معلّمي المعهد العالي للفنون الأكاديمية للمرأة. يومها تتلمذت على يديها فنانات ستكتب لهنّ الشهرة في ما بعد من أمثال بدور لطيف وصوفي حبيب وصوفي ويصا واصف.

مارغريت نخلة ترسم بقوة الأنثى عالما يتسيّده الرجال

حين عادت نخلة إلى باريس بعد سنوات قليلة كانت امرأة أخرى. لقد اكتسبت من الخبرة والدربة ما أهلها لأن ترسم المشهد الفرنسي بأسلوبها الخاص. تمكّنها الأكاديمي لم يخف نزعتها التعبيرية وبالأخص في لوحاتها “حديقة لوكسمبورغ في باريس″ و”ميدان بيغال” و”تويلري”.

شغفها بباريس جعلها تتردد على عاصمة النور بين حين وآخر، فكان أن توزّعت حياتها بين القاهرة وباريس، وهو ما ألقى بظلال تأثيره على فنها. فالمرأة التي عرفت بغزارة نتاجها كانت تبدو أحيانا انطباعية الهوى في محاولة منها للانسجام مع هواء باريس وفي أحيان آخري تبدو فطرية، كما لو أنها تعجن لوحاتها من طين القرى المصرية.

من المؤكد أن مارغريت نخلة اللبنانية، لم تكن معنية كثيرا في أن يكون فنها جزءا من التراث الفني القبطي المصري. كانت تجربة الرسوم الدينية محاولة منها لاختراق فضاءات عامة جديدة، لم يكن الفنانون يجرؤون على العرض فيها أو التماس بجمهورها. غير أن قدرا من نوع غريب هو الذي حفظ جزءا من تراث الفنانة من غير أن تخطط بنفسها لذلك. وتمثل ذلك القدر في حصول متحف مار مرقص القبطي في كندا على عدد من لوحات الفنانة الدينية لتكون جزءا من مقتنياته إلى جانب الأيقونات والصلبان والمخطوطات والطوابع والعملات والأنسجة.

وحكاية حصول ذلك المتحف على أعمال نخلة تستحق أن تُروى.

يقول مؤسس المتحف، الذي فتح أبوابه للجمهور عام 1999 أي بعد عشرين سنة من وفاة مارغريت، إنه اهتدى إلى الفنانة عن طريق أخيها انطوان الذي كان يقيم يومها في مونتريال. وبتشجيع من الأب بيير دي بورجيه الذي كان يعمل يومها رئيسا لقسم الآثار المصرية في متحف اللوفر، وكان قد تعرّف في وقت سابق على الفنانة.

صلاة أنقذت تراثا

توجّه الرجل إلى مصر لمقابلتها في بيتها في الإسكندرية من أجل إقناعها ببيع إحدى لوحاتها من أجل أن تعرض في المتحف. حسب روايته، فإن المال لم يكن متوفرا بين أيديهم ليتمكنوا من شراء اللوحات التي حثهم الأب دي بورجيه على اقتنائها. “لوحة واحدة تكفي” كان ذلك هو القرار الذي سبق مفاوضات مع الفنانة انتهت إلى الفشل بسبب إصرار الفنانة على أن رسالتها في الفن تضيق بتلك الخصوصية.

تجربة الرسوم الدينية محاولة من نخلة لاختراق فضاءات عامة جديدة

قبل أن يعود القمّص إلى كندا حاملا خيبته، اتصل بالفنانة يائسا فإذا بها تخبره أنها صلّت كثيرا من أجل أن تصل إلى قرارها الأخير. وكان ذلك القرار واحدا من أعظم المفاجآت السارة في تاريخ الفنانة. لقد قرّرت أن تهب لوحاتها إلى المتحف القبطي بكندا من غير مقابل. ذلك القرار حفظ جزءا من تراث فنانة تعرّضت أعمالها للإهمال الرسمي.

عام 1940 رسمت مارغريت نخلة لوحتها “مشهد البورصة”. في تلك اللوحة التي تعدّ الأشهر من بين لوحات الفنانة اجتمعت كل العناصر التي تشكل عالمها الفني. فعلى مستوى الأسلوب مزجت الفنانة بين الرؤية التعبيرية بجانبها الساخر وحسّ فطريّ قلل من تأثير المهارة الأكاديمية المتكلفة، ليبدو كل شيء كما لو أنه يحدث في حلم.

أما على مستوى التكوين الذي جاء دائريا، فقد نجحت الفنانة في نقل حالة الهلع التي يعيشها أبطالها وهم يتكدسون في دوائر متراصة هي أشبه بدوائر الراقصين. وبالرغم من طابعها المديني فإن تلك اللوحة تذكر بطريقة أو بأخرى بمشاهد الأعراس الريفية، حيث تختلط الأجساد بعضها ببعض.

كما في كل لوحاتها فإنها في لوحة البورصة التي يمكن النظر إليها باعتبارها خلاصة لتجربتها الفنية، لجأت الفنانة إلى تقنيات المزوّق القديم.

هناك الكثير من التصرف الدقيق بالمفردات وهناك أيضا محاولة لافتة لضبط الإيقاع من خلال حركة الأشخاص داخل اللوحة. تلك الدقة والانضباط كانا انعكاسا لرغبة الفنانة في عدم تغليب الجانب الجمالي البحت على المعاني الروحانية التي ينطوي عليها فعل الرسم. كانت مارغريت نخلة ترسم بقوة الأنثى عالما يتسيّده الرجال.

10