ماركوس غابريال فيلسوف ألماني يؤسس لأفلاطونية عصر التكنولوجيا

مفكر طموح على خطى كانط ونيتشه وهيغل وهابرماس يعيد إلى الفكر الألماني حساسيته المفقودة.
الخميس 2019/11/07
مؤسس الأفلاطونية الجديدة في العصر الرقمي

ماركوس غابريال هو نجم الفلسفة الألمانية الصاعد، وأحد منظري الواقعية الجديدة التي كنا تعرضنا لها في مقالة سابقة. رغم حداثة سنّه (39 سنة)، استطاع أن يفرض نفسه في الساحة الفكرية المحلية والعالمية كواحد من أهم المفكرين الجدد، بعد أن كان أصغر مدرس للفلسفة في جامعة بون.

انجذب المفكر الألماني ماركوس غابريال إلى الفلسفة منذ سن الخامسة عشرة، حيث كان غالبا ما يتساءل عن محلّ وجودنا في الواقع. هل نحن مجرد مجموعات من جزَيْئات في كون لا معنى له ولا أهمية؟ هل الواقع الذي نعيشه هو محض خيال، أو نوع من الحلم؟ وهل نستطيع التعرف على الأشياء كما هي في حقيقتها؟ إلى أن اقتنع أنّ لا وجود لعلم قادر على إيضاح هذه المسائل بشكل جليّ يفهمه الناس غير الفلسفة، لكونها على صلة وثيقة بالعلوم الطبيعية والإنسانية.

لفت الانتباه عام 2013 عند نشر كتاب أول بعنوان “لِمَ العالم غير موجود”، حاز إعجاب أهل الصناعة، وترجم إلى عدة لغات عالمية، من بينها الصينية والهندية، ودعي إثره ماركوس غابرييل لإلقاء محاضرات في الولايات المتحدة والبرتغال والبرازيل كأستاذ زائر، ثم شفعه هذا العام بكتاب ثان عنوانه “لِمَ الفكر البشري لا يضاهى” يجمع فيه، مثل سابقه، بين المفاهيم الفلسفية ومرجعيات حديثة كألعاب الفيديو وأدب الخيال العلمي.

مقاربة غير مسبوقة

العمل الأول كتاب ميتافيزيقي طموح، تجنب فيه ماركوس غابرييل المصطلحات التقنية المعقدة، وأضفى عليه روحا مرحة لتقريبه من القارئ العادي. أما محتواه فقد حمل مفارقة كبرى تتبدى من العنوان، ائتلف فيها الحدس الغنائي في الرومانسية الألمانية والمنطق الجاف للفلسفة التحليلية الأميركية، لتدمير واحد من أقدم المفاهيم في التقاليد الميتافيزيقية من خلال إعلانه عن خبرين متناقضين في ظاهرهما.

من ناحية، إن العالم كجماع كل ما هو موجود، وتمام كل ما هو منظوم لا وجود له، ومن ثَمّ وجب الكفّ عن تخيل وجود شيء كالكلّ والكائن والطبيعة والكوسموس، وإعلان الحداد على “الشيء السوبر”، أي ذلك الذي يحوي كل الأشياء الأخرى، التي ما انفك الفلاسفة يصدّعون رؤوسنا بالحديث عنها.

يمكن أن نبتكر دائما حقول معانٍ جديدة لمقاربة الحقائق، مثلما نستطيع أن نساهم في بروز عدة وقائع جديدة

ومن ناحية ثانية إن كل شيء، باستثناء العالم، موجود. كذا الكون والكواكب والحجر وسوبر ماريو والديمقراطية والعولمة النيوليبرالية وأزيز عجلات المترو والمزاج الصباحي العكر والأحلام والألوان والكائنات الخرافية والقيمة المضافة… لأنه إذا كان الكلّ غير موجود، فإن ما هو قريب منّا يأخذ حجما أكبر وإشعاعا أكثر.

أي أن كليانية تجمع كل الأشياء وكل الأفعال التي ننتجها، وتحيلنا على مبدأ أصلي يعطينا معنى حضورنا، لا وجود لها. والدليل أنك لو كتبت قائمة في كل الأشياء والأحداث الموجودة في العالم، فسوف تخلق شيئا جديدا هو القائمة، ستستدعي بدروها قائمة جديدة، وهكذا دواليك، بلا نهاية. فعدد الأشياء ليس له نهاية، والقول إن مبدأ كلية تحويها جميعا خاطئ.

وفي رأيه أننا يمكن أن نبتكر دائما حقول معانٍ جديدة لمقاربة الحقائق بكيفية غير مسبوقة، مثلما نستطيع أن نساهم في بروز عدة وقائع جديدة. ومن يتحدث عن عالم موجود إنما يصدع ببنية وهمه الخاص. فالواقعية الجديدة في رأيه تعارض المتافيزيقية الكانطية، التي تعتبر أن الواقع لا يدرك، وما بعد الحداثة، التي تعتقد أن الواقع لا وجود له. ذلك أن ماركوس غابرييل يصر على أن وجهة النظر ليست عملا تخييليا، بل هي في مثل واقعية الشيء الذي نشاهده. فالأشياء واضحة الإدراك على الدوام، لأن المعنى ملك لها.

الفكر حاسة

أما العمل الثاني، فثيمته أن الفكر حاسة من الحواس، مثل حاستي البصر واللمس، وهو ما يجعل الإنسان متقدّما دائما على الآلة وعلى الذكاء الاصطناعي، فالآلة تحسب ولكنها تعجز عن الإدراك. وفي رأيه أن الحواس أكثر من خمس، فهو يستغرب أن يعدِّل العلم الحديث شتى نظريات أرسطو السيكولوجية ما عدا حكاية الحواس الخمس، لأن عددها في الواقع لا يحَدّ، إذ ثمة حاسة التوجه، وحاسة التوازن، والحاسة الموسيقية، وحاسة الوقت التي تسمح لنا بالاستيقاظ قبيل رنين جرس المنبه. كذلك الحب والخوف.

الأفلاطونية الجديدة في العصر الرقمي
الأفلاطونية الجديدة في العصر الرقمي

ويستشهد بباحثين أميركان في جامعة نيويورك توصلوا إلى حقيقة مفادها أن جهاز المناعة عندنا يعمل عمل حاسة، تسمح لنا بالتفطن إلى وجود فيروسات لابد من مقاومتها. فالحاسة في مفهومه هي نمط مقاربة للواقع. ومن ثم فالفكر لا يتعارض مع الحواس، بل هو نفسه حاسة، وإن كانت حاسة قادرة على التوحيد بين أحاسيس أخرى، دون أن تدّعي سيادتها. وفي اعتقاده أن من الخطأ اعتبار البصر أهم الحواس بدعوى أنه يسمح لنا بتبيّن واقع من مسافة بعيدة، لأن الفكر يقارب واقعا أكثر بعدا، كالإلكترون أو القوانين الفيزيائية التي تنظم الكواكب الأخرى أو حياة سكان كهف لاسكو. بل إن الفكر هو الحاسة التي تسمح لنا بمقاربة فكرة اللانهائي.

في ظرف وجيز، استطاع ماركوس غابريال بفضل هذين الكتابين وكتابين آخرين هما “لماذا لستُ مخّي”، و”سلطة الفنّ” (سنخصّه بمقالة لاحقة) أن يعيد إلى ألمانيا، بلد الفلسفة، بريقها السابق، بالاستفادة من موروث الكبار من كانط، وفيخته، وشيلينغ، وهيغل، وماركس، ونيتشه إلى هوسرل، وهايدغر، وأدامير، وهابرماس، وأدورنو، وكذلك مما يجدّ في الساحة الأمريكية من تجارب لفلاسفة محدثين أمثال توماس ناغل، وجون سيرل، وجوديث باتلر، وروبرت براندوم.

وإذا كانت ميزة الفلسفة الألمانية أنها لا تعتقد أن بإمكان العلوم الطبيعية وحدها فهْم كل ما هو موجود، فإن ماركوس غابرييل، الذي يحذق عشر لغات، ويملك أسباب الثورة الرقمية، يسعى إلى نقلها إلى طور أطلَق عليه الأفلاطونية الجديدة في العصر الرقمي.

15