ماركوس لوبيرتز "الداندي" الذي يستلهم من الفلسفة أعماله

للألماني ماركوس لوبيرتز مكانة هامة في الساحة الفنية الألمانية، وتأثير كبير على الأجيال الشابة، أقام معارض عديدة في أغلب المدن الأوروبية الكبرى، ولكنه لم يعرض في فرنسا إلاّ بعد أن أطفأ الشهر قبل الماضي شمعته الرابعة والسبعين، حيث يقام له معرض استعادي ضخم في متحف الفن الحديث بباريس حتى موفى شهر يوليو القادم.
الاثنين 2015/06/08
أعمال لوبيرتز اتجاهات عديدة تعود في النهاية إلى ذاتية الفنان

ماركوس لوبيرتز هو مفرد بصيغة الجمع، فهو شاعر وعازف على البيانو (موسيقى الجاز) ومهندس ديكور للمسرح والأوبرا وأستاذ بأكاديمية دوسلدورف، ثم مدير لها (من 1988 إلى 2009)، فضلا عن ممارسته الفن والنحت.

حاز في ألمانيا لقب “أمير الفن”، لبراعة فنه وجزالة إنتاجه، وكذلك لهيئته الأنيقة التي تخالف ما استقر في الذاكرة عن الفنانين، حتى أنه يوصف بالداندي. ينتمي لوبيرتز إلى جيل موهوب من الفنانين الألمان مثل رالف فينكلر الشهير ببينك وجرهارد ريختر وزيغمار بولكه وجورج بازليتز، ولكنه تميز عنهم بتجنبه البوب آرت وتطويره التعبيرية لتخليصها من أكثر ملامحها كاريكاتيرية.

كان مولده زمن الحكم النازي عام 1941 في بوهيميا (الجمهورية التشيكية حاليا)، التحق بمدرسة الفنون التطبيقية بمدينة كرفيلد وهو في سن الخامسة عشرة، وببلوغه العشرين انتقل إلى برلين، حيث اكتشف في أعمال تعبيرييْن تجريدييْن هما فرانز لين وفيليم دو كونينغ ما سمي بـ”الفن المتحرر” الذي اتخذ لديه شكل نزعة تجريدية تصويرية، مفعمة بنوع من “الـنشوة المطلقة” حسب المفهوم النيتشوي للكلمة، أي الإحساس بتفاقم القوة وزخم الامتلاء كشرط أول للفن والجمال.

فقد كان لوبيرتز قارئا نهما للفلسفة، وخاصة أعمال نيتشه، وقد أخذ عنه عناوين سلسلته “لوحات ديونيسية” التي أنجزها بين 1963 و1976. في تلك الفترة، كانت موتيفاته التي نعتت بكونها “ألمانية”، وهي عبارة عن خُوَذ وشارات عسكرية، مضخّمة ومصطنعة بشكل مفرط.

في التسعينات قطع ماركوس لوبيرتز نهائيا مع التعبيرية، فأنجز سلسلة “بارسيفال، رجال بلا نساء” التي يقترب فيها من التجريدية، انطلاقا من أسطورة الفارس “برسوفال” القروسطية

ثم وجه اهتمامه في الثمانينات نحو أعلام الفن التشكيلي مثل جان باتيست كورو وغويا وغوستاف كوربيه وغوغان وسيزان، فكان يحوّل لوحات معروفة، على غرار ما كان يفعله بيكاسو، أو يكتفي بإعادة صياغة بعض جزئياتها كما فعل مع لوحة “الربيع” لنيكولا بوسّان، حيث أخذ منها صورتي آدم وحواء، أو “آنسات أفينيون” لبيكاسو، أو لوحات العري لدى أريستيد مايول، الذي فتح له باب التجريدية.

في الفترة نفسها بدأ يمارس النحت، وكان يعتبره صنوا للرسم، فاستلهم من الميثولوجيا اليونانية بعض رموزها، مثل بطلي الإلياذة أخيل وهكتور، سكبها في منحوتات خشنة من الــبرونز بتصور جديد يغلب عليه اللون الداكن.

وفي التسعينات قطع نهائيا مع التعبيرية، فأنجز سلسلة “بارسيفال، رجال بلا نساء” التي يقترب فيها من التجريدية، انطلاقا من أسطورة الفارس “برسوفال” القروسطية، حيث وجوه تتبدى صفحاتها وهي تختفي تحت حاجز مشبّك، إذ كان لوبيرتز يؤمن بضرورة الانطلاق من التصويرية لبلوغ التجريدية.

بني المعرض، الذي يضم مئة وأربعين عملا فنيا، وفق مسار عكسي، يفتتح بالأعمال الأخيرة، ويتدرج بالعودة إلى البدايات، حيث يكتشف الزائر أول ما يكتشف سلسلة “أركاديات”، وهي التجربة التي انتقل إليها الفنان منذ ثلاثة أعوام، متخذا من مقاطعة أركاديا اليونانية موضوعا، أركاديا موقع الانسجام بين الإنسان والطبيعة، ورمز العصر الذهبي للإنسانية كما جاء في الميثولوجيا القديمة.

ماركوس لوبيرتز: الفن التشكيلي أعمى، لا يعيش إلا عبر نظرة المتفرج

في “أركاديات” التي يصور فيها العالم المثالي للإغريق القدامى، تبدو الألوان خفيفة مرتجة متذبذبة في إحالة على أستاذه ماتيس والتوق إلى أضواء الجنوب وشموسه، فيما تبدو بعض الأعمال الأقدم كئيبة سوداوية، يسودها اللونان البني والرمادي، كتلك التي تتناول ثيمة الحرب زمن النزاع في ما كان يعرف بيوغسلافيا وسنوات الحرب على العراق.

تليها سلسلة “الكونغو” التي استوحاها من الفن البدائي أو الفنون الأولى، وخاصة اللوحة الثلاثية “المجرّة” ذات الألوان الفاقعة. ويختتم الزائر جولته بتجربة التعبيرية الأميركية في سلسلة “البط دونالد”، وتتسم بحشد من الألوان المتشابكة في فوضى، وكان قد استوحاها في الستينات من أعمال كونينغ وكلين، مع بصمة خاصة لا تخطئها العين.

تقول جوليا غاريمورت “يستند لوبيرتز عادة إلى مشهد فردوسي يقحم فيه عنصرا يربك ويعارض القراءة الكلاسيكية للموضوع، مثل ذرة تراب تتسرب إلى محارة، فهو بحاجة إلى ذلك النوع من التشويش الذي يثير التساؤلات”.

فإلى جانب مناظر العري أو مقتطفات من العري داخل الطبيعة تظهر موتيفات كخوذة الجندي أو صدفة الحلزون، وهي موتيفات تتكرر بانتظام في سائر أعماله وتتنوع، كعناصر غامضة يترك أمر تأويلها لمن يشاهدها. ويفسر لوبيرتز ذلك المسعى بقوله “الفن التشكيلي أعمى، لا يعيش إلاّ عبر نظرة المتفرج”، وهو رأي ينسجم مع فكرته القائمة على عدم الاكتمال، فهو يحرص على جعل الأثر مفتوحا، على حدّ تعبير السيميائي الإيطالي أمبرتو إيكو.

ذلك هو ماركوس لوبيرتز الذي حوّم في اتجاهات عديدة، ثم عاد إلى ذاتية الفنان، خلافا للطلائعيين المعاصرين، والنزعة الأكاديمية الصارمة، كما تتبدّى في الانطباعية الألمانية الجديدة. فهو يؤمن بالفن وقيمه، لكونه “يناضل ضدّ العمى الذي يصيب العالم بأسره”، كما يقول، ويقف ضدّ الهمجية المعـــاصرة، ويسمو بالإنسان ليجعله متحضرا.

16