ماركيز وقرينه

الاثنين 2014/04/21

ها قد رحل غابرييل غارسيا ماركيز، بعد أن ملأ الدنيا وشغل الناس ( وهل مات فعلا؟)، وبعد أن نسجت حول شخصه وكتاباته الأساطير، هو الذي ظل لاهيا عن الأخبار التي تروجها عنه الصحافة من دون أن يتمكن من تأكيدها أو نفيها، فهو مشارك في مهرجان دون علمه،أحيانا، وهو مسافر إلى أرض لم تطأها قدماه قط ، أحيانا أخرى، وهو يحاضر وهو يحاوَر، وهو مريض، وهو يموت، وهو وهو..من دون أن يكون هو.

والغريب أن الأخبار عن الكاتب ظلت تصف حركاته وسكناته، المزعومة، بدقة متناهية، حتى أن المراسل، المكلف بتغطية النشاطات الثقافية، كان يقدم ملخصات عن محاضرات “غابو” باحترافية كبيرة، كما ينقل حواراته المفترضة ،حتى إن ماركيز كان يجدها معبرة عن تصوراته أكثر مما بوسعه هو فعل ذلك. والأغرب أنه كان يجد إهداءا ت لكتبه بخطه و توقيعاته التي لا يمكنه الطعن في صحتها. وتبعا لذلك فإن صاحب “مائة عام من العزلة” سيكتب وصيته الأخيرة وهو في غيبوبة.

يكتبها بالنيابة عنه، وعنوة، كاتب شاب ومغمور. لتسافر على امتداد القارات، ويعتبرها النقاد “المتخصصون” كواحدة من أرقى الوصايا في العصر الحديث. وهذا “الوجود” الملتبس، الذي يغدو فيه الشخص، وضدا على المنطق، هو وليس هو، بعث شكوكا قوية لدى ماركيز في ذاته ووجوده بل وفي سلامته العقلية..ألا يكون “ماركيز الحقيقي” هو الشخص الآخر الذي حاضر وسافر ووقع الإصدارات وكتب الوصايا، فيما يظل ماركيز المعروف مجرد شخص واهِم لاغير؟ خاصة وأن “الشاهد العيان” يؤكد بأنه يواكب أنشطة الكاتب الكبير عن كثب. ويقاسمه الرحلات ذاتها والإقامة في النزل ذاته كما صديق. فمن نصدق؟ والحكاية المحيرة تتكرر بصيغ مختلفة، مع كتاب وشعراء ومبدعين كثيرين، يظل بطلها هو ” الشاهد العيان”- والوصف هنا يفيد المعاينة والعي والعياء كما يقول معجم لسان العرب- الذي يدخل بين المرء وجلده، ويقرأ أفكاره، ما لم يضف إليها بهارات ويخترع لها أسباب نزول لا تخطر على البال. كأن ينسج من وحي المخيلة وقائع لاوجود لها ، ويستنتج نيرانا وقادة تحت الأدخنة . بحيث لا يرف له جفن وهو يروي، بالتفاصيل المملة، أسرارا في حياة الكتاب، هم أنفسهم لا يعلمونها لكنهم لا يملكون إلا تصديقها، سيما وأن “الشاهد العيان” أقدر منهم على الحجاج ويملك من الأدلة القاطعة والبراهين الدامغة والبلاغة الواضحة والغامضة، مع غير قليل من الصفاقة وسوء الطوية، التي لو وظفها في كتاباته الخاصة لكان له بال وأي بال. إلا أنه يفضل أن يتغذى على القيل والقال والتقول في الكُـتاب، من النساء والرجال، بمهارة تليق بـ”شاهد دجال” حقا.

14