مارك إسبر رجل واشنطن إلى العالم لتشكيل تحالف دولي لأمن الملاحة

إسبر يصل إلى مقعد وزارة الدفاع الذي يقود القوة العسكرية الأعظم دولياً، وأجواء من اللاحرب واللاسلم تسيطر على جغرافيات حساسة في العالم، لبلاده فيها مصالح استراتيجية.
السبت 2019/08/17
إسبر واستراتيجيته الدفاعية في مواجهة موسكو وبكين

  لم تتأخر الأحداث الدولية المتصاعدة عن دق بابه، ولم تمهله سوى بضعة أيام في البنتاغون ليبدأ باتخاذ القرارات الصعبة. إنه مارك توماس إسبر، وزير الدفاع الأميركي الحالي والسابع والعشرين الذي ولد في العام 1964، وعمل قبيل ترفيعه وزيرا للدفاع بالنيابة، لكنه قاد شغل منصب وزير الجيش، خلال العامين الماضيين.

في شهر أغسطس الجاري بدأ الوضع يتأزم على الحدود التركية السورية بسبب إخفاق واشنطن وأنقرة المتكرر قبل التوصل إلى اتفاق مرضٍ لكل الأطراف بشأن المنطقة الآمنة التي تريدها تركيا داخل أراضي شرق الفرات السورية. وعندما بدأت تركيا بالتهديد بالقيام بعملية عسكرية منفردة في المنطقة سارع إسبر بالتصريح بما مفاده “أن الولايات المتحدة تعتزم منع أي تحرّك عسكري أحادي الجانب لتركيا نحو شمال سوريا، وأنّ أي تحرك من هذا القبيل سيكون غير مقبول”.

وكان إسبر قد أرسل وفدا عسكريا عالي المستوى للتفاوض مع وزارة الدفاع التركية بعد أن هدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بشنّ هجوم وشيك في الشمال الشرقي السوري لصدّ القوات السورية الكردية المتحالفة مع الولايات المتحدة. وقد أسفر مؤخرا اجتماع المسؤولين العسكريين الأميركيين والأتراك في أنقرة للتفاوض على تسوية لتجنّب حملة عسكرية تركية على المناطق التي يتواجد فيها جنودها ومستشاروها وحلفاؤها من القوات الكردية عن اتفاق مبدئيّ بين الطرفين يمنع أي تحرك عسكري، ويوفر ما دعي “ممر السلام” في المنطقة وهو ممر آمن لعودة اللاجئين السوريين إلى سوريا.

وفي الطائرة التي كانت تقلّه إلى اليابان أجاب الوزير إسبر عن أسئلة الصحافيين المرافقين له عن رؤيته للحل بشأن المنطقة الآمنة في شمال سوريا فقال “ما نفعله هو منع التوغّلات الأحادية التي من شأنها أن تؤثر على المصالح المشتركة التي تتقاسمها الولايات المتحدة وتركيا وقوات سوريا الديمقراطية في ما يتعلق بشمال سوريا”. وأضاف أن “الولايات المتحدة تحاول وضع ترتيب يعالج مخاوف تركيا وآمل أن نصل إلى هذه المرحلة”.

تركيا الحليف المزعج

المسؤولون في الحكومة الأميركية والبنتاغون يرون في تدخل عسكري أحادي من طرف تركيا مشروعا محفوفا بالمخاطر بشكل كبير، ويمكن أن يهدد سلامة القوات الأميركية العاملة مع قوات سوريا الديمقراطية، ويحتمل أن يعرقل استمرار اندحار إرهابيي داعش في المنطقة.

وكانت العلاقات التركية الأميركية قد تأثرت بشكل ملحوظ إثر تعليق إدارة ترامب مشاركة تركيا في برنامج التدريب على طائرات أف35- المقاتلة الأميركية، نتيجة لاقتناء أنقرة لمنظومة صواريخ روسية من طراز أس400-، وذلك حرصاً من أميركا على عدم تسرّب معلومات عسكرية خاصة بطائراتها لموسكو. فتخوّف واشنطن مردّه إلى أن هذه الصواريخ الروسية ممكن أن تستعمل لجمع البيانات عن طائرات أف35- بحيث تنتهي هذه المعلومات في أيادٍ روسية.

وزير الدفاع الأميركي الجديد يدرك مدى الصعوبة التي سيواجهها بإقناع حلفاء واشنطن القدامى بالانضمام إلى الحلف الجديد، بعيدا عن سياسة ترامب التي بدت متناقضة وغير مستقرة.
وزير الدفاع الأميركي الجديد يدرك مدى الصعوبة التي سيواجهها بإقناع حلفاء واشنطن القدامى بالانضمام إلى الحلف الجديد، بعيدا عن سياسة ترامب التي بدت متناقضة وغير مستقرة.

أما بالنسبة للوضع الميداني، فاهتمام إسبر ينصبّ على أمن وسلامة المئات من القوات الأميركية المتواجدة شرق نهر الفرات في شمال سوريا التي تعمل مع قوات سوريا الديمقراطية. وقد يؤدي توغّل تركيا إلى وقوع القوات الأميركية في وسط نيران القوات التركية من جهة والمقاتلين الأكراد السوريين من وحدات حماية الشعب وهم العنصر الرئيس في قوات سوريا الديمقراطية الذين تعتبرهم تركيا تهديداً وجودياً لها، وتصوّرهم للعالم كإرهابيين لهم صلات وثيقة بتمرد مستمر منذ عقود داخل حدودها بقيادة حزب العمال الكردستاني.

إلا أن قوات سوريا الديمقراطية كانت ولم تزل الشريك الرئيس لأميركا على الأرض في محاربة جماعة داعش الإرهابية. وهي تحتجز حالياً الآلاف من المقاتلين الأجانب من المنتسبين إلى داعش. ويشعر المسؤولون الأميركيون بالقلق من إمكانية إطلاق سراح هؤلاء المقاتلين أثناء توغل تركي محتمل في لأراضي التي يسيطر عليها الأكراد. يقول إسبر في هذا الشأن “نحن لن نتخلّى عن حلفائنا قوات سوريا الديمقراطية”.

ومع ذلك، تستمر الولايات المتحدة بالتفاوض مع تركيا، ولشهور خلت، حول إنشاء منطقة آمنة على طول الحدود السورية تمتد شرق الفرات إلى العراق، حيث يؤكد إسبر أن “تركيا حليف طويل الأمد، والولايات المتحدة تأخذ هذا الأمر بعين الاعتبار دائما”. ويضيف “لدى تركيا مخاوف قديمة جديدة بشأن حزب العمال الكردستاني، لهذا السبب نريد أن نعمل معها لمعالجة المخاوف الأمنية المشروعة للمضيّ قُدما”.

نطاق سلطة إسبر

تم تثبيت إسبر وزيرا للدفاع بعد ترشيح الرئيس دونالد ترامب له لهذا المنصب وحيازته 90 صوتاً في مجلس الشيوخ، مقابل 8 أصوات فقط رافضة. إسبر حاصل على درجة الماجستير في الإدارة العامة من كلية جون إف كيندي للعلوم الحكومية، ودكتوراه في السياسة العامة من جامعة جورج واشنطن. خبراته في الحقل العسكري بدأت حين شارك في حرب الخليج الأولى، وبعد أن أمضى 10 سنوات في الخدمة الفعلية و11 سنة في الحرس الوطني وجيش الاحتياط، تقاعد من الخدمة في الجيش في عام 2007.

وقد باشر زياراته الدولية في وقت مبكّر جدا من تسلّمه منصبه، والجولة الأولى كانت في دول الباسيفيك. وتعتبر هذه الجولة أول اختبار له وسط مخاوف متزايدة بشأن التعزيز العسكري الصيني، وسلسلة من إطلاق الصواريخ من كوريا الشمالية بشكل استفزازي.

هل سينجح إسبر في تحويل حالة اللاحرب إلى سلام مستدام أم أن اللاسلم سينتصر وينقلب إلى حروب متنقلة قد يكون من السهل إشعال فتيلها
هل سينجح إسبر في تحويل حالة اللاحرب إلى سلام مستدام أم أن اللاسلم سينتصر وينقلب إلى حروب متنقلة قد يكون من السهل إشعال فتيلها

كان اختيار آسيا لأول رحلة دولية لوزير الدفاع الأميركي أمراً مدروساً بدقة، صُمّم للإشارة إلى أن آسيا تظل على رأس أولويات الإدارة الأميركية، وبخاصة لهدف تشكيل تحالف دولي لحماية الملاحة في مضيق هرمز. ولكن بعد سبعة أشهر دون وجود قائد في البنتاغون، ومع السياسة الخارجية غير المنتظمة لإدارة ترامب التي تثير اللُّبس بين الأصدقاء والأعداء على حد سواء، فإن الحلفاء في المحيط الهادئ يراقبون هذه الجولة بحذر بالغ.

 وفي محطته الأولى، الذي رافقه بها وزير الخارجية مايك بومبيو، استقبل الرجلان استقبالا حارا في العاصمة سيدني، ولكن بعد يوم من المناقشات المغلقة، غادر المسؤولان الأميركيان دون التزام من سيدني بالمشاركة في التحالف البحري الذي يدعوان إليه لتعزيز الأمن في مضيق هرمز، حتى مع استمرار إيران في الاستيلاء على ناقلات النفط في الخليج العربي. وقد صرّحت وزيرة الدفاع الأسترالية ليندا رينولدز بعد لقائها مع إسبر “الطلب الذي تقدّمت به الولايات المتحدة هو طلب خطير ومعقّد للغاية، إلا أننا نُخضع هذا الطلب لدراسة مفصّلة، لكن لم يتخذ أيّ قرار بعد”.

وعلى الرغم من الاستجابة الفاترة من أوروبا وآسيا للاقتراح الأميركي حتى الآن، إلا أن إسبر ما يزال متفائلا وهو يتابع طريقه في الجولة الآسيوية التي ستحمله إلى نيوزيلندا واليابان وكوريا الجنوبية، وهي دول تعتمد بشكل أساس على النفط المستورد من دول الخليج. ويعتقد إسبر أن اليابان ستكون في مقدمة الدول التي ستستجيب لدعوة أميركا وبريطانيا أيضا، التي كانت أول من تحالف مع الولايات المتحدة لتأسيس التحالف البحري لتحقيق أمن الملاحة. ستشمل جولة الوزير إسبر التي تستمر أسبوعا دولة منغوليا. وقد صرّح على طائرته بعد عدة لقاءات بالقول “في الأيام المقبلة سنرى الدول تبدأ في الانضمام إلى التحالف الأمني البحري، وهذا خبر سارّ لنا لأننا نريد أن تكون المسؤولية دولية في هذا الأمر“.

المنافسان المتربصان

رحلة إسبر تأتي وسط قلق عالمي واسع النطاق من التوتر الناشب مع إيران بسبب حدة الضغوط التي طبقها ترامب على طهران، وقيام الولايات المتحدة بالفعل بإرسال مجموعة حاملة طائرات، وبطارية دفاع صاروخي وثلاثة أسراب من الطائرات، والآلاف من الجنود إلى الشرق الأوسط.

يريد إسبر من هذه الرحلة التوضيح للحلفاء القدامى بأنه على الرغم من التركيز على التوتر المتصاعد في الشرق الأوسط والخليج العربي تحديدا فإن وزارة الدفاع الأميركية ملتزمة بأمن حلفائهما أكثر من أيّ وقت مضى. وهو يؤكد في تصريح له خلال الجولة الآسيوية “إن المنافسيْن الرئيسيين والاستراتيجيين لنا هما الصين وروسيا، وأن حلفاءنا يمكنهم الاعتماد على وزارتي وعليّ أنا شخصيا في التزامنا بأمنهم”.

يدرك إسبر تماما مدى الصعوبة التي سيواجهها بإقناع هؤلاء الحلفاء القدامى بالانضمام إلى الحلف الجديد الذي فرضته الظروف الآنية.

استمرار إيران في الاستيلاء على ناقلات النفط في الخليج الذي يحشد إسبر من أجل أمنه الكثير من الحلفاء حول العالم، يسارع بالدفع لتشكيل مشروع استراتيجي مضاد وكبير
استمرار إيران في الاستيلاء على ناقلات النفط في الخليج الذي يحشد إسبر من أجل أمنه الكثير من الحلفاء حول العالم، يسارع بالدفع لتشكيل مشروع استراتيجي مضاد وكبير

فزيارته تأتي في خضم أحداث دقيقة تجلّت في اضطرار اليابان وكوريا الجنوبية أن يتدبرا شؤونهما بعيدا عن سياسة ترامب التي بدت متناقضة وغير مستقرة في المنطقة؛ فترامب كان قد قلّل من خطر إطلاق كوريا الشمالية لتجربة صواريخ قصيرة المدى ولم يجد فيه أيّ تهديد لليابان، في الوقت الذي ترى طوكيو أن التجربة توجّه تهديدا مباشرا لأمنها الوطني وتشاركها في الرأي سيول أيضا. كما اقترح إلغاء اتفاقية الدفاع الأميركية مع اليابان، وأزعج بشدة كوريا الجنوبية حين طالبها بدفع المزيد لدعم القوات الأميركية المنتشرة هناك.

رفض إسبر التعليق على التجربة الصاروخية بشكل مباشر، وعوضا عن ذلك قام بالإشادة بالجهود الدبلوماسية التي بذلها ترامب مع كوريا الشمالية من أجل سحب فتيل التوتر في المنطقة، وتعزيز الاستقرار بصورة ملحوظة عمّا كانت عليه قبل وصول ترامب إلى الحكم.

مصدر آخر لقلق حلفاء واشنطن في المحيط الهادئ يتمحور حول خروج الولايات المتحدة من معاهدة القوات النووية المتوسطة المدى مع روسيا التي ترى واشنطن وحلف الناتو أنها انتهكت المعاهدة منذ زمن طويل، أما الصين، التي ليست طرفا في الاتفاقية، فقد نشرت المئات من الصواريخ التقليدية متوسطة المدى في كافة أنحاء آسيا.

وهو قلق متزايد للمسؤولين والحلفاء الأميركيين في المنطقة أيضا. بالتالي يرى هؤلاء أن مجرّد البقاء في المعاهدة سيعتبر عثرة سياسية من طرف واشنطن في الرد على بكين لنشر صواريخها في المنطقة.

هكذا يصل إسبر إلى مقعد وزارة الدفاع الذي يقود القوة العسكرية الأعظم في العالم وأجواء من اللاحرب واللاسلم تسيطر على عدة مناطق حساسة في العالم، للولايات المتحدة فيها مصالح استراتيجية وحلفاء تريد مراعاة مصالحهم أيضا. فهل سينجح إسبر في تحويل حالة اللاحرب إلى سلام مستدام أم أن اللاسلم سينتصر وينقلب إلى حروب متنقلة قد يكون من السهل إشعال فتيلها، لكن لا يعلم أحد، بما في ذلك الوزير إسبر، كيف ومتى تنطفئ؟

12