مارك. إم. جيكان: التراث الشعري هو الأقدر على تمثيل الروح العربية

المستعرب البولوني يؤكد أن التراث الشعري هو الأقدر على تمثيل الروح العربية أكثر من كتاب ألف ليلة وليلة.
الأحد 2019/10/13
مارك.إم.جيكان: لا يوجد أدب أوروبي يخلو من التأثيرات العربية

يعتبر البروفيسور مارك جيكان (مواليد بولندا 27 مارس 1965) واحدا من ألمع المستشرقين البولونيين، فهو باحث ضليع بالثقافة العربية، أستاذ العلوم الإنسانية في جامعتي وارسو و”ووج” في بولونيا. وهو مؤلف ومترجم للعديد من الأعمال التاريخية والنقدية في الثقافة شعراً ونثراً وتاريخاً للظواهر الأدبية. ويشغل منصب رئيس قسم دراسات الشرق الاوسط وشمال أفريقيا في جامعة ووج/بولونيا. متخرج قسم الدراسات العربية والإسلامية، جامعة وارسو (1988). حاصل على الدكتوراه في الأدب العربي (1992). ألقى عدة محاضرات في ألمانيا، التشيك، سوريا، الجزائر، ليبيا شارك في العديد من المؤتمرات في ألمانيا، ليتوانيا، سويسرا، إيطاليا، لبنان، المجر، الكويت.

اهتماماته الرئيسية تجلت في بحوثه ودراسات وترجماته في تاريخ الإسلام، تاريخ الثقافة العربية والأدب العربي، الإسلام في العالم المعاصر، الفكر العربي المعاصر، العادات والتقاليد العربية. من مؤلفاته المختارة (باللغة البولونية): السحر عند العرب قبل الإسلام (1993)، قس بن ساعدة الإيادي (1996)، الرموز العربية الإسلامية (1997)، تاريخ العراق (2002)، العراق: الدين والسياية (2005)، الحضارة الإسلامية في آسيا وأفريقيا (2007)، تاريخ الثقافة العربية (2008)، في الفكر العربي المعاصر (2011)، أحمد الناصري-المغرب في القرن 19 في كتاب الاستقصا (ترجمة وتعليق) (2018). ترجماته الشعرية تمحورت حول الشعر العربي القديم، والنثر الكلاسيكي العربي. وله ترجمات شعرية معاصرة من العربية إلى البولونية منها لشعراء عرب إما مقيمين في بولونيا كهاتف الجنابي، وخلود شرف، أو ممن هم معروفون كأدونيس. يرأس جيكان جمعية الاستشراق البولونية وجمعية العلوم السياسية في بولونيا. ويرأس تحرير حولية الدراسات الشرقية.

يصلح هذا الحوار مع البروفيسور جيكان إلى ان يكون مدخلا تعريفيا ممتازا لصورة الأدب العربي قديما وحديثا في مرآة الثقافة البولونية. وهو يقدم لقارئ العربية معلومات تسمح بتكوين فكرة ممتازة عن طبيعة الاستشراق البولوني ومديات اختلافه عن الاستشراق في أوروبا الغربية. كما ويعطي فكرة عن الاهتمامات الأدبية المعاصرة لهذا الاستشراق، من خلال النماذج التي قام المترجمون البولونيون باختيارها من الأدب العربي الحديث وتقديمها  لقرّاء البولونية.

الجديد: بداية هل لك أن تعطينا فكرة عن تاريخ الاستشراق البولوني، لا سيما الدراسات والدارسين للثقافة العربية من بين الثقافات الشرقية، بم يتميز عن الاستشراق الأوروبي الغربي والاستشراق الروسي، وأنت اسم لامع في هذا المجال؟

جيكان:يرجع تاريخ الاستشراق البولوني بمعناه العلمي إلى القرن التاسع عشر، وبولونيا لم تكن موجودة في خريطة العالم لأنها كانت مقسمة بين القوى السياسية الأوروبية العظمى وهي روسيا وبروسيا والنمسا. رغم ذلك كانت هناك مجموعة من الناس الذين اهتموا بالشرق العربي الإسلامي. وأهم المراكز العلمية في مجال الاستشراق كانت آنذاك جامعة فيلنيوس (حاليا في لتوانيا). هناك اشتغل المؤرخ يواخيم ليليفيل الذي شجع بعض طلابه على التعمق في الثقافات الشرقية، ومنها العربية. بسبب عدم وجود بولونيا كدولة مستقلة آنذاك فإن عدداً من المستشرقين البولونيين في ذلك القرن اشتغلوا في الجامعات الأوروبية المختلفة منها الروسية والألمانية والفرنسية والنمساوية، وهم ساهموا في بناء الاستشراق في هذه البلدان.

العرب يحتفون بثقافات مستعمريهم ولا يهتمون بالثقافات الأخرى
العرب يحتفون بثقافات مستعمريهم ولا يهتمون بالثقافات الأخرى

استقلت بولونيا في سنة 1918. ومن هذه النقطة يمكن أن نتحدث عن الاستشراق البولوني المعاصر. وأب الدراسات العربية في بلدنا هو تاديوش كوفالسكي، مؤسس قسم الاستشراق في جامعة ياغيلونسكي في كراكوف عام 1919. والمركز هذا قائم الى يومنا هذا. بعد كراكوف أسس زيغمونت سموغوجيفسكي في سنة 1924 معهد الاستشراق في جامعة لفوف (حاليا في أوكرانيا). وفي سنة 1932 تم إنشاء معهد الدراسات الشرقية في جامعة وارسو، ولكن دون الدراسات العربية التي تأسست في سنة 1958 على يد يوزف بيلافسكي. وحاليا قسم الدراسات العربية والإسلامية في جامعة وارسو هو أكبر المراكز العلمية في هذا المجال في بلدي.

تشمل البحوث العربية في بولونيا كل مظاهر الحضارة العربية منها اللغة العربية والتاريخ والإسلام والأدب والفن. وإلى جانب وارسو وكراكوف هناك عدد من المراكز الصغيرة في مجال الدراسات العربية في كل من بوزنان، ووج، تورون وبيدغوش. والدراسات الشرقية في بولونيا تختلف عن الدراسات في هذا المجال في البلاد الغربية بعدم وجود خلفيات سياسية. فبولونيا بلد صغير وليس له تاريخ استعماري، ويأتي الاهتمام بالشرق عندنا من الرغبة العلمية البحتة، ولا نقصد بدراساتنا التأثيرات السياسية على الشرق عربيا كان أو هنديا او غيره.

انطواء ثقافي

الجديد: هل توافق على التوصيف الذي يقول إن الوضعية الثقافية لبولونيا تبدو وضعية منعزلة أو منكفئة على نفسها بعض الشيء، قياسا إلى الانفتاح الذي يميز الثقافات الأوروبية الأخرى، لاسيما الفرنسية والألمانية والإنكليزية، وهل ترد ذلك، لو صح، إلى تاريخ مضطرب وعصيب وربما يمكن وصفه بالمأساوي لبولونيا، كيف تُستقبل الثقافة العربية أو المعروف منها في مجتمع الثقافة البولونية في ظل وضع كهذا؟

جيكان: نعم هو بلد منعزل على نفسه بعض الشيء وأهم الاسباب لهذا “الانعزال” كما وصفتُ وضع ثقافتنا، هو اللغة. ولكن في رأيي أن الانعزال هذا قائم من نقطة النظر العربية وليس العالمية، فمثلا بين فائزي جائزة نوبل في الأدب هناك 4 كتاب بولونيين، فماذ نقول بالمقارنة بالأدب العربي وهو اقدم وأكبر؟ ولكن في البلاد العربية هناك حقيقة وجود عدم اهتمام بثقافتنا. وأنا متأكد أن هذه الحالة هي نتيجة الدور المتواضع لبلدي في السياسة العالمية. والغريب بالنسبة إليّ أن العرب يحتفون قبل كل شيء بثقافات مستعمريهم السابقين (اقصد بريطانيا، فرنسا وأميركا) ولا يهتمون بالثقافات الاخرى ومنها البولندية والألمانية أيضا على سبيل المثال أو السويسرية.

الشعر والمستشرقون

الجديد: أنت متخصص في الشعر العربي القديم على ما أظن؟ ما الذي حملك على تعلم اللغة العربية والخوض في الثقافة الشعرية العربية القديمة؟ هذا من جهة ومن جهة أخرى ما الذي اكتشفته شخصياً في هذا الشعر، ما هي الميزات التي يتوفرعليها ولا يتوفر عليها شعر أمّة أخرى؟

جيكان:بدأ اهتمامي بالثقافة العربية عامة من خلال اطلاعي على ترجمة المعلقات السبع الجاهليات التي صدرت باللغة البولندية في بداية ثمانينات القرن الماضي. اكتشفت في هذا الشعر -وأنا مهتم بالشعر بشكل عام وأيضا شاعر شاب في ذاك الوقت- عالما جديدا لم أتوقع وجوده. الصور الفنية الجديدة والاستعارات الجديدة وبعض معلومات عن واقع العالم العربي في ذاك الوقت والتي شرحها المترجم وهو الاستاذ يانوش دانتسكي دليلي في متاهات الثقافة العربية في المستقبل.

الوضعية الثقافية لبولونيا منعزلة
الوضعية الثقافية لبولونيا منعزلة

وقد كتب المترجم عن جمال اللغة العربية وبأن من غير الممكن الفهم الحقيقي للشعر العربي من دون معرفة اللغة التي فيها البيان والسحر. هذه هي الأسباب الرئيسية التي ساقتني إلى قسم اللغة العربية في جامعة وارسو. والشعر والأدب بشكل عام مرآة الحضارة. وفي هذه المرآة نظرت للمرة الأولى إلى الحضارة العربية التي تعمقت فيها خلال دراستي في الجامعة تحت رعاية أساتذتي وهم بيلافسكي ودانتسكي وإايفا ماخوت-مينديتسكا وكريستسنا سكارجينسكا-بوخينسكا ودانوتا ماديسكا الذين سلكت طريقهم فيما بعد.

وهذه الفئة من المستشرقين تشكل الجيل الثاني من الباحثين في الثقافة العربية إلى جانب تاديوش ليفيتسكي وماريا كوفالسكا وإنجي تشابكيفيتش وإنجي زابورسكي في كراكوف. أما الجيل الثالث فيشكله زملائي: كاتاجينا باخنياك، باولينا ليفيتسكا، مارتشين غروتسكي في وارسو، وألجبيتا غورسكا، باربارا ميخالاك-بيكولسكا، باربارا أوستافين وبشيميسواف تورك في كراكوف. أما الباحثون البولونيون من الأصل العربي فمن الجدير ذكر عدنان عباس، أحمد نظمي وهاتف الجنابي.

الأدب العربي بعيون غربية

الجديد: ما هي الوضعية التي يشغلها الشعر العربي القديم بين كلاسيكيات الآداب التي أنجزتها الأمم الأخرى، وعندما يحضر ما العلامة التي يجرحها في أزمنة القراءة، وما الأثر الذي يتركه.

جيكان:كل أمّة تبحث عن سبل لتجعل من تراثها الثقافي مؤثراً في الحضارة العالمية. وكل أمّة لها مجموعة من الإنجازات الحضارية التي هي في نظرها أهمّ من غيرها. وأحيانا هناك تناقض بين آراء هذه الأمة ورأي العالم فيها. فبصراحة في عيون الغرب أهم إنجازات أدبية للحضارة العربية هو كتاب “ألف ليلة وليلة” وليس شعر المتنبي أو أبي العلاء المعري.

يؤلمني هذا الواقع كثيرا ولكن هذه هي الحقيقة المرّة. شهرزاد وشهريار أو سندباد البحري هم الذين أصبحوا رمزا للأدب العربي في الغرب، وهم الذين شكلوا رأي الغرب في الشرق العربي منذ القرن الثامن عشر وربما حتى الآن.

يمكن القول بدور الشعر العربي القديم في الثقافة الغربية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في إطار التيار الاستشراقي في الادب الرومنطيقي، ولكن في الحقيقة أن هذه الظاهرة كانت هامشية وقصيرة الحياة، مرتبطة بالرحلات الرومنطيقية ومنها رحلة إلى الشرق التي قام بها الشاعر البولوني الكبير يوليوش سلوفاتسكس (زار لبنان، فلسطين، سوريا ومصر، في الفترة ما بين 1836 و1837).

عرب وبولونيون

الجديد: من موقعك كمطلع على الشعر العربي، والثقافة المحيطة به، هل ثمة ما هو مشترك في التقليد الشعرية العربية والتقاليد الشعرية البولونية؟

جيكان: للوقوف على العناصر المشتركة بين الشعر العربي والشعر البولوني من الضروري أن نرجع إلى الاستشراق الأدبي البولوني في القرن التاسع عشر. كما ذكرت آنفا كانت بولونيا في هذا العصر مقسمة بين القوى الأوروبية الكبرى، وكان البولونيون يشتاقون إلى الحرية. لهذا السبب أصبح الفارس العربي الحر رمزا لطموحات الشعب البولوني.

لذلك نجد مثلا الشنفرى في شعر سلوفاتسكي المذكور (مثلا قصائد “الشنفرى”) وفي شعر أكبر شعراء بولونيا آدم ميتسكيفيتش (ترجم عن الفرنسية الشنفرى والمتنبي). فأصبحت الحرية التي يشتاق إليها البولونيون تساوي حرية الصعاليك العرب في شبه الجزيرة العربية.

الشعر والأدب بشكل عام مرآة الحضارة
الشعر والأدب مرآة الحضارة

وبعد قرن ونصف تقريبا كتب الشاعر إنجي فاشكسفيتش قصيدة طويلة “المربد 7” التي يربط فيها الشاعر صور العراق زمن الحرب العراقية الإيرانية بما كان يتذكره من صور وارسو بعد انقلاب سنة 1944 ضد الألمان النازيين.

وهذه القصيدة أعتبرها شخصيا أهم إنجاز أدبي يعكس تفاعلا بين عالمين. وفي أعمال سلوفادسكي (إلى جانب القصيدة المذكورة سابقا “الرحلة من نابولي الى الأرض المقدسة” و”يوميات من الرحلة إلى الشرق” نثرا) وميتسكيفستش من القرن 19.

أثر الأدب العربي في البولونيين

الجديد: ما هو نصيب الشعر العربي من الحضور في اللغة البولونية، أعني الشعر بصورة عامة قديماً وحديثاً؟

جيكان:ذكرت فيما قلت سابقا بعض أسماء الشعراء البولونيين الذين تأثروا بشكل أو بآخر بجو الثقافة العربية، وأعتقد أنها أهم الإنجازات في هذا المجال. وذكرت أيضا كتاب ألف ليلة وليلة.

ترجم كتاب ألف ليلة وليلة إلى اللغة البولندية لأول مرة في نهاية القرن 18 ومباشرة من العربية في سنة 1973 وقامت بالترجمة مجموعة من المستشرقين من كراكوف ووارسو برئاسة تاديوش ليفيتسكي. وأصبح هذا الكتاب المصدر الأول للشعراء والأدباء للرموز والقصص والصور الشرقية. فكان الأدباء يأخذون بعض الرموز وأبطال ألف ليلة وليلة ويستلهمونها في أعمالهم. ونجد هذه الرموز والأبطال في أدبنا منذ القرن 17 تقريبا إلى يومنا هذا.

وممن استفاد -شعرا ونثرا- من التراث العربي في القرن 20 مثلا: ياروسلاف أفاشكيفيتش (قصيدة نثر “العودة إلى بغداد”)، بوليسواف ليشميان (“قصص سمسم”، “مغامرات السندباد البحري”)، ماريا بافليكوفسكا-ياسنوجيفسكا، كورنيل ماكوشينسكي (مجموعة قصص “المغامرات العربية”) يوزيف لوبودوفسكي (ديوان “القصائد والغزليات”)، يانوش ماكارتشيك (الرواية “جعفر من بغداد”)، هنريك شينكيفيتش (الرواية “في الصحراء وفي الغابة”).

تأثير الأدب العربي

الجديد: من خلال اطلاعك الأوروبي، هل من مؤثرات ملموسة تركتها المعلقات الشعرية العربية على سبيل المثال، في الثقافة الشعرية العالمية عبر الترجمة؟

جيكان: في الحقيقة أنا لست متخصصا في الآداب الأوروبية ولكن نلاحظ في الكتابة الأوروبية نفس المظاهر التي نجدها في بولونيا. فالأدب البولوني جزء لا يتجزأ من أدب قارتنا الأوروبية. وتأثير الشعر العربي القديم قليل نسبيا مقارنة بتأثير ألف ليلة وليلة، رغم أننا نجد الرموز العربية عند غوته الألماني وبايرون الإنكليزي وبوشكين الروسي وريلكه النمساوي الذي كتب قصيدة رائعة “تعيين محمد”. فيمكن القول بأنه لا يوجد أدب أوروبي يخلو من التأثيرات العربية.

أما الاستشراق في غرب أوروبا فقد بدأ يتطور في العصور الوسطى ولكن كان مرتبطا قبل كل شيء بالدراسات القرآنية والفلسفة التي كان لها تأثير ملحوظ على الفلسفة الأوروبية.

بوابة ساعدة

الجديد: لم اهتممت بتجربة قس بن ساعدة الأدبية؟ ما المميز في خطبه والمنقول عنه من أخبار وكتابات؟

الدراسات القرآنية والفلسفة لها تأثير ملحوظ على الفلسفة الأوروبية
الدراسات القرآنية والفلسفة لها تأثير ملحوظ على الفلسفة الأوروبية

جيكان: جاء اهتمامي بقس بن ساعدة الإيادي من رغبتي في اكتشاف الموضوعات الجديدة في البحوث الاستشراقية. وكما أسلفت فقد بدأ اهتمامي بالعالم العربي مع الأدب الجاهلي وكانت رسالتي في الدكتوراه موضوعها “الموت في الشعر الجاهلي” (1992). وخلال اطلاعي وبحثي عن المصادر لرسالتي وجدت قسا بالمصادفة تماما. وبعد تفكير عميق قررت أن أكتب رسالة دكتوراه الدولة (1996) في هذه الشخصية الواقعة بين الجاهلية والإسلام، وبين الحقيقة التاريخية والأسطورة الأدبية. وفي الكتاب الذي نتحدث عنه جمعت كل النصوص الأدبية المتوفرة المنسوبة إليه سجعا، نثرا وشعرا. ترجمتها وعلقت عليها من الجانب الأدبي والثقافي. وبحثت في كل الأخبار المتصلة به. حاولت أن أجيب عن بعض الأسئلة التاريخية والدينية التي تأتت من إبداعه وأخباره. الوقت الذي قضيته مع قس بن ساعدة الإيادي كان مثمرا، وكانت رحلة في عمق الثقافة العربية بين الإسلام والمسيحية. فقصة حياته ومضمون خطبه وشعره وحكمه مثال على التعايش والتعاون بين الإسلام والمسيحية.

فتقول الأخبار مثلا، بأنه كان أسقف نجران، وتقول الأخبار الأخرى بأن الرسول محمد كان يستمع إلى خطبه في سوق عكاظ فوجد قس مكانه الخاص في السنة النبوية الشريفة. وهو شخصية محترمة بين السنة والشيعة. فإذن يربط قس بين الأديان والعصور والمذاهب. ولا بأس لو كان قس بن ساعدة محض أسطورة، ولو لم تكن فمن الضروري أن نخترعها.

لغة الله

الجديد: قلت في إحدى محاضراتك إن الله يتحدث العربية، هل يمكنك أن توضح مقصدك من هذه المقولة؟

جيكان: إن هذه المقولة ليست نتيجة بحثي العلمي الخاص بل نتيجة اطلاعي على اعمال بعض الفلاسفة المسلمين والمتكلمين فلا تتوقعي مني الجواب عن مشكلة بالغة الأهمية وحقيقتها تقع في الفكر الديني الاسلامي.

لغة القرآن

الجديد: ترجمت الآيات القصار من القرآن للبولندية، هل تحتمل اللغة البولندية السجع القرآني، وكيف تبدو لك النتيجة التي اساقرت عليها هذه السور في اللغة البولونية؟ وهل تتعاملون في بولونيا مع القرآن كأثر أدبي، أم أن الترجمة جاءت لاعتبارات دينية؟

جيكان: أنا شخصيا أتعامل مع القرآن كنص ديني وأدبي في نفس الوقت. كل من يريد أن يفهم الثقافة العربية، حتى في زمن الجاهلية،عليه أن يتعمق في هذا النص الرائع وبالغ الأهمية. نحن في بولونيا نحاول قبل كل شيء أن نشير إلى معاني القرآن. أما هذا الشكل من الأدب الذي يسميه الأدب العربي سجعا، فيمكن القول بأن لا نظير له في الأدب البولوني. ويأتي هذا من طبيعة اللغة البولونية التي لا تتحمل التكرار ولا القافية في النص النثري. القافية والإيقاع شيء طبيعي في الشعر، ولكن في النثر يعتبر عيبا.

حتى الآن عندنا عدة ترجمات لمعاني القرآن إلى البولونية. الترجمة الأولى عن الفرنسية صدرت في سنة 1858 والترجمة الأولى من اللغة العربية مباشرة قام بها يوريف بيلافسكي المذكور أعلاه في سنة 1986.

ويحاول بيلافسكي أن يعبّر عن النص العربي بمساعدة التفاسير العربية الكلاسيكية ومن اطلاعاته على فلاسفة العرب من العصور الوسطى. طبعا أنا وزملائي نحاول أن ندرس النص القرآني من جديد، من خلال الدراسات الإسلامية والغربية المعاصرة، وأحيانا نتوصل إلى نتائج لا توافق تماما ما وصل إليه بيلافسكي وربما نقوم في المستقبل بترجمة جديدة. هناك أيضا ترجمة متأخرة عن اللغة الروسية صدرت في سنة 2018 وتعتبرها الجماعة الإسلامية في بولونيا ترجمة “دينية”.

الجديد: هل يمكننا القول بأن أقسام الدراسات الشرقية في الجامعات البولونية هي في اهتمام متجدد بالعالم العربي، وما الذي يميز هذه الاهتمامات في أيامنا الحاضرة؟

قصائد “الشنفرىفي شعر أكبر شعراء بولونيا آدم ميتسكيفيتش (لوحة سعود عبدالله)
قصائد “الشنفرىفي شعر أكبر شعراء بولونيا آدم ميتسكيفيتش (لوحة سعود عبدالله)

جيكان: من الصعب الجواب عن السؤال “ما يميزنا” فهناك الباحثون اللذين يهتمون بكل جوانب ومظاهر الثقافة العربية من الجاهلية إلى يومنا هذا، كتب عن اللغة والأدب والتاريخ، والعادات والتقاليد والفلسفة والإسلام قديما وحديثا. ندرس أيضا، بطبيعة الحال، في موضوعات السياسة والأحداث المعاصرة. من جانب ندرس ما يهمنا كباحثين ومن الجانب الآخر علينا أن نوضح خصائص الحضارة العربية الإسلامية لمواطنينا حسب احتياجات العالم المعاصر.

نحاول أن نفند الاكاذيب الشائعة في الإنترنت ووسائل الإعلام الأخرى. نحن في الجامعات البولندية نعتبر ابحاثنا ودراساتنا ليس فقط كعلم بل أيضا كنوع من الرسالة. وربما هذا هو ما يميزنا عن الاستشراق الغربي.

والجانب المهم من نشاطنا العلمي هو القيام بترجمات للأدب العربي إلى البولونية. قبل عدة أشهر كنت أشارك في المؤتمر الدولي الثامن للغة العربية في دبي وألقيت هناك محاضرة في هذا الموضوع. وبهذه المناسبة أنشأت قائمة أسماء تضم المؤلفين العرب الذين ترجمنا أعمالهم الى لغتنا.

ينشر الحوار بالاتفاق مع الجديد الثقافية اللندنية

11