مارك تريفيديك يلاحق خيوط جريمة اغتيال الرهبان الفرنسيين في الجزائر

الثلاثاء 2014/10/14
صورة نادرة للرهبان الذين قتلوا في ظروف غامضة وتسببت وفاتهم في توتر العلاقات الدبلوماسية بين الجزائر وفرنسا

الجزائر – لم تُمكّن 18 عاما مرت على حادثة اغتيال الرهبان السبعة في غابات محافظة المدية (120 كلم جنوبي العاصمة) في 21 مايو 1996، من طي الملف الذي ظل محل تضارب في الروايات وشك متبادل بين الجزائر وباريس، ليتحول إلى ورقة يُلوّح بها من حين إلى آخر في إطار لعبة لي الأذرع، وينضاف الملف إلى ركام من المعوقات والخلافات تحول دون بناء علاقات جديدة بين البلدين.

حل، أمس الأول، في العاصمة الجزائرية، القاضي الفرنسي، مارك تريفيديك، المختص في شؤون الإرهاب للتحقيق في قضية الرهبان السبعة، الذين اغتيلوا في عام 1996، في منطقة تيبحيرين بمحافظة المدية، بعد اختطافهم آنذاك من طرف مجموعة مسلحة من ديرهم بكنيسة "سيدة الأطلس"، ولم يعثر إلى حد الآن إلا على رؤوسهم، التي دفنت في الدير المذكور، بينما اختفت جثثهم ولم يتبين لها أي أثر.

وتحاط زيارة القاضي الفرنسي، لمكان دفن رؤوس الرهبان السبعة، بسرية تامة في الجزائر كما في فرنسا، ولم يتسرب عن تفاصيلها أو برنامجها أي شيء.

والثابت أن مارك تريفيديك سيقضي أسبوعا في الجزائر، بمعية مرافقيه من جهاز القضاء الفرنسي، والمصالح العلمية والأمنية المختصة، ومن المنتظر أن يقف على عملية التشريح والتقصي، إلى جانب الاستماع إلى إفادة عدد من الشهود.

وكان تريفيديك قد طلب إفادة 23 شخصا على علاقة بظروف وملابسات اغتيال الرهبان السبعة، ولم يفصح إلى حد الآن عن هوية كل الأشخاص الذين طلبهم للشهادة. وباستثناء بعض ما يعرف بالعناصر التائبة مما كان يعرف في تسعينات القرن الماضي، بتنظيمي “الجماعة الإسلامية المسلحة” و”الجماعة السلفية للدعوة والقتال”، إلى جانب القيادي عماري صايفي المعروف بـ”عبد الرزاق البارا” الموجود رهن الاعتقال لدى السلطات الجزائرية.

23 شخصا على علاقة بملابسات اغتيال الرهبان السبعة

ولم يستبعد مراقبون أن تكون هوية بعض الأشخاص المطلوبين للشهادة من طرف القاضي الفرنسي، هي التي تفجر سيرورة التحقيق، بما أن الفرنسيين لمحوا في أكثر من مرة، إلى ضرورة الاستماع إلى ضباط وقادة من المؤسسة العسكرية، في سياق الشكوك التي تطرحها الفرضية القائلة بضلوع الاستخبارات الجزائرية في تصفية الرهبان السبعة، وهو الأمر الذي ترفضه الجزائر وتعتبره محاولة للمساس بصدق الرواية الرسمية وبالمؤسسة العسكرية.

وقالت مصادر محلية لـ”العرب”، أن إنزالا أمنيا قامت به الجزائر في محيط كنسية "سيدة الأطلس" تحسبا وتأمينا لزيارة القاضي الفرنسي للمقبرة، مضيفة أن “حزاما أمنيا ضرب على محيط الكنيسة والدير والحركة غير مسموح بها إلا للمعنيين من عناصر أمن ورجال إعلام”.

وكانت مصادر إعلامية فرنسية، قد أشارت إلى أن مهمة القاضي الفرنسي المكلف بالتحقيق في قضية رهبان تيبحيرين الفرنسيين السبعة، تحاط بكثير من السرّية”.

وأكدت أن وفدا نوعيا، من بينه القاضية “ناتالي بو” يرافق مارك إلى الجزائر للتحقيق لأول مرة، بعد سنوات من تردد السلطات الجزائرية، وتلكئها في السماح للقاضي بفتح الملف. وانتقل أمس وفد تريفيديك بمعية محققين جزائريين إلى دير تيبحيرين في أعالي المدية، لمباشرة عملية استخراج جماجم الرهبان السبعة من المقبرة التي دفنت فيها، قصد عرضها على التشريح، والعمل على كشف السر المحيط بالضحايا السبعة.

فاطمة بن براهم: فرنسا تريد من وراء هذا الملف المساس بضباط وقادة الجيش الجزائري

وتتداول ثلاث روايات عملية اغتيال الرهبان السبعة، حيث تذكر الرواية الأولى التي تقدمها السلطة الجزائرية، أن تنظيم الجماعة الإسلامية المسلحة، هو من يقف وراء عملية الاختطاف ثم الاغتيال ذبحا، وإخفاء جثثهم، ورمي رؤوسهم حينها في ضواحي محافظة البليدة (جنوبي العاصمة بنحو 50 كلم)، وهي الرواية التي تعززت بتبني التنظيم للعملية، وكذلك بعض الشهادات التي أفادت بها عناصر سابقة في الجماعة الإسلامية في تحقيقات إعلامية بثتها قنوات تلفزية فرنسية خلال السنوات السابقة.

أما الرواية الثانية، التي تتبناها عائلات الضحايا وبعض الدوائر الفرنسية، فتذكر أن الرهبان السبعة قضوا خطأ بسبب قصف لقوات عسكرية جوية جزائرية، في إحدى عملياتها التي كانت تستهدف محاربة الإرهاب وهو ما تخفيه الجزائر حماية لسمعة جيشها، ودرءا لأي تأويل بخصوص ارتكاب أخطاء مماثلة في عمليات أخرى.

في حين تذكر الرواية الثالثة، التي يروج لها بعض الضباط المتمردين والفارين من هيئة الأركان، على غرار العقيد سمرواي، والضابط كريم مولاي، أن الاستخبارات الجزائرية هي التي رتبت ونفذت العملية من أجل تشويه صورة وسمعة الإسلاميين المتشددين، ودفع السلطات الفرنسية، إلى اتخاذ موقف معاد للأعمال الإرهابية.

وتعتبر الحقوقية والمحامية، فاطمة بن براهم، أن “فرنسا تريد من وراء هذا الملف الوصول أو المساس بضباط وقادة في الجيش الجزائري وجرهم إلى المحكمة الدولية”.

وتساءلت، في تصريحات صحفية، “لماذا عندما تم فتح هذه القضية في الجزائر لم تتدخل فرنسا في الوقت المناسب؟ وكان لها الحق آنذاك في التدخل؟ وما الذي منع القضاء الفرنسي آنذاك للتعاون مع نظيره الجزائري لفك هذه القضية ؟”.

وكانت زيارة القاضي الفرنسي للجزائر، قد تأجلت عدة مرات بسبب رفض السلطات الجزائرية، التي عللت ذلك بتزامن الزيارة مع مواعيد سياسية هامة في البلاد كالانتخابات الرئاسية التي جرت في 17 أبريل الماضي، وأثير حينها جدل واسع في العديد من الدوائر السياسية والإعلامية الفرنسية، كما كان التأجيل محل استياء وسخط القاضي الفرنسي الذي صرح “علينا معرفة ما إذا كانوا يسخرون منا” في إشارة إلى السلطات الجزائرية.

2