مارك ستراند السوريالي الأميركي وشاعر الصورة العميقة يغيب

الاثنين 2014/12/01
مارك ستراند: التأمل في معنى الموت قاده إلى سبيل الرفض

صبيحة يوم أمس الثلاثين من نوفمبر 2014، غادرنا مارك ستراند، بعد صراع طويل مع المرض، ليجاور الأبديّة، أو يعيش فيها. يُعدّ ستراند، المولود في 11 أبريل سنة 1934 بكندا، والذي وافته المنيّة في أميركا، واحدا من أبرز الشعراء الأميركيين المعاصرين، سورياليّ النّزعة، ينتمي إلى ما يُعرف، في التقليد الأميركيّ، بشعرية “الصورة العميقة”، أو شعرية “الدوينده”، كما هي عند غارثيا لوركا، درس الرسم في كلية الفنون بجامعة يال، والأدب في فلورنسا.

ها هو الشاعر يحرّك الهواء كي يردم المسافة التي شغلها جسده. يحرّك الهواء كي يُبقي الأشياء كاملة. وها هو، أيضا، يفتح عينه على نفسه المغادرة كي يعيد إلى الأبد ساعته الإضافيّة، منصتا إلى موسيقى الأجساد السماوية وهي تتأرجح في العتمة.

حقيقة القصيدة، عند مارك ستراند، هي “حقيقة طيفيّة”. فهي، كما يقول، لا تحاول الوصول إلى ماديّة النثر. كما أنّ قصائده ليست أحلاما. إنها ذات طبيعة متأمّلة. لقد سعى ستراند، في صنيعه الشعريّ الذي امتدّ نحو ثمانين عاما، إلى إيجاد تلك “المساحة الفيزيقيّة”، في الشعر، والتي مكّنته من سبر أغوار حقيقته الطيفيّة؛ في الفضاء الذي يجعل الكلمات تبدو أكبر ممّا هي عليه، في الأصل، ويجعل القصيدة “تهيّئ نفسها فيه” لتكون “مقروءة ومسموعة” على حدّ سواء.

ولم تتحقّق له تلك “المساحة الفيزيقيّة”، إلّا بالعزلة. عزلة الشاعر، وحيدا، أمام ذاته، أمام مرآة وجوده، وأمام لوحة العالم وقماشتها، ممعنا في حياته، وفي حيوات الآخرين، كامنا للقصيدة، متحفّزا للقبض عليها، كذئب جائع، آن تتبدّى.


سبيل الرفض


العزلة، والتأمل في معنى الموت، هما اللذان قادا مارك ستراند إلى اختيار “سبيل الرفض”، على حدّ وصف أكتافيو باث، حيث “الخُسران هو أول سلّمه نحو الكمال”، وكيف لا، والقصيدة، عنده، هي “المجهول”. إنها “كالموت الذي هو المجهول الأعظم”.

في شعره تبدو غرابة الأشياء هي غرابة النفس التي هي حافة العالم وحافة الاستعارة

قصائده، كمعظم الشعر الغنائيّ، حافلة بالخسارة (خسارة الحُبّ والأصدقاء والحياة)، وموضوعاته، ضمن علاقاتها الموحشة والغامضة، تضرب عميقا في التجربة؛ تجربة الشاعر الشخصيّة التي هي، في الأصل، تجربته في الزمن.

الزمن ونهايته “حقيقة طيفيّة”، واضحة، لا لبس فيها، في معظم قصائد ستراند: زمن الشاعر الذي سوف ينتهي بالموت. ولكنّ زمن الشاعر ليس هو زمن القصيدة؛ “فكل شيء يتعلق بالقصيدة (وزنها، أو مكيالها) هو تذكير بالزمن”، مثلما يقول، زمن القصيدة هو زمن ضدّ، وزمن الشاعر هو زمن في.


السحري والمدهش


ولكي يحقّق الشاعر زمن خسرانه، ويختار سلّمه نحو الكمال، وفق توصيف باث آنف الذكر، فلا بدّ له من “افتتاح كمال كلاميّ واضح وجليّ”. كلام لا ينتهي بموت قائله، ولكنّه يجعلنا نتقبّل تلك الخسارة، لا بل يجعلنا نتذكّرها. نقترب، كقرّاء للشعر، من “السحريّ والمدهش”، في العالم الذي أعاد الشاعر ترتيبه في أعماق روحه، وكتب صوته عليه، وفي كل مكان.

عالم أخرج من سياقه، وقذف، دفعة واحدة، في “المنطقة التي يتلاقى فيها الداخل بالخارج”؛ في “لحظة الاتّصال” التي هي لحظة الآصرة وهي مَسّ واحتكاك وتلامس وتواصل وتلاصق ومتاخَمة: “النَفس، حافّة النّفس، وحافّة العالم”.

تلك المنطقة التي يصفها ستراند “بالأرض الظليّة بين النّفس والحقيقة”. “فكلما كان الشاعر أبعد عن العالم الذي نعرفه”، بوصفه العالَم الحقّ ولا شيء سواه، “كلما بدت الأشياء غريبة”.

غرابة الأشياء هي غرابة النفس التي هي حافة العالم، ومن ثَمّ هي حافة الاستعارة نفسها. “فحين يتعلّق الأمر بالشعر”، كما يقول تشارلز سيميك، فإنّ الشاعر يحقق “ضربة حظّ عظيمة” حين لا تعرف الكائنات الحيّة أنفسها جيدا، في القصائد التي يكتبها.

تبدأ المتعة، يقول سيميك، حين تكون التباسات الحياة، في الشعر، أكثر قيمة من الأشياء التي يمكن تفسيرها. فالشاعر “يتلمّس طريقه في العتمة”. وهو “خادم مخلص لحدوسه: تواصل القصيدة، بكل بداياتها المضلّلة وتنقيحاتها اللانهائيّة، كتابة نفسها، في معظم الأحيان”.

وثمة تفسير وجيه لذلك، عند سيميك، “فالحقيقة المروّعة هي أن لا استعارة جديرة بالذكّر توجَد عن سابق قصد. إنها تقفز في بال الشاعر على نحو خاطف. وبالتالي لا يمكن لأيّ شاعر أن يتخيّل المعنى التامّ والقدَر النهائيّ لأي من استعاراته.

لأنه يدرك تماما بأنّ احتمال ذلك لا يكون إلّا في بيع روحه إلى الشيطان. فكلّما كان الشاعر أكثر أصالة، كلّما وسعت الفجوة بين مقاصده وإبداعاته. حتى عندما نكثر من قراءتها، ونميل إليها، أو حتى حين نستخف بها، فإن الطبيعة الحقيقية لكثير من أعمال الشعراء تظل مراوغة لزمن طويل”.

أعمال الشاعر

شعر لا ينتهي بموت قائله ولكنه يجعلنا بطاقته الخلاقة نتقبل تلك الخسارة

صدر للشاعر الراحل نحو 18 كتابا في الشعر، منها: “كأنه محتجب” (2012)؛ و”الإنسان والجَمل” (2006)؛ و”98 غيمة” (1999)؛ و”عاصفة ثلج الواحد” (1998)؛ والتي نال بها جائزة البوليتز المرموقة في الشعر عام 1999؛ و”ميناء معتم” (1993)؛ و”حياة متواصلة” (1990)؛ و”الساعة المتأخرة” (1978)؛ و”قصة حيواتنا” (1973)؛ و”أكثر عتمة” (1970)؛ و”أسباب التنقّل” (1968)، و”النوم بعين مفتوحة” (1964).

كما ترجم عن لغات عدّة؛ فعن البرتغالية، ترجم أعمالا لـ: كارلوس دي أندراده، وكوندور رييّس، ومورو موتا. وعن الإسبانية لـ: فرانشيسكو ثيربانتس، وغيلبيرتو أوين وأكتافيو باث، إضافلة إلى رفائيل ألبيرتي وخورخي لويس بورخيس. ثم عن الإيطالية لـ: لويجي بوديني، وجياكومو ليوباردي، وسلفاتوري كوازيمودو وفيتوريو سيريني. كما ترجم عن الفرنسية أيضا. شغل، في العام 1990، موقع الشاعر الرسمي للولايات المتحدة (يوازيه، في أنكلترا، منصب شاعر البلاط الملكي)، وهو موقع ظل يشغله حتى العام 1991. ثم وفي عام 1996، ينضمّ إلى الهيئة الاستشارية لأكاديميّة الشعراء الأميركيين في نيويورك.

حصل في 8 أكتوبر 2004 على جائزة “والاس ستيفنز” للشّعر، والتي تمنحها أكاديميّة الشعراء الأميركيين سنويا، وتبلغ قيمتها الماديّة مئة ألف دولار، كما حصل في العام 2009، على “الميدالية الذهبية في الشعر” من أكاديميّة الفنون والآداب.


الساعة الإضافية العائدة إلى الأبدية


* السر والعزلة في توبيكا


الأصيل يعتم مساء. رجل يسقط أعمق وأعمق في ثلج لولب النّوم، في ركامه، في طوله، عبر ما يبدو سديماً، حتّى يصلَ أخيراً إلى بابٍ مفتوحٍ يعبرُ فيهِ دونما سببٍ، ومرّةً أخرى، دونَ أن يعرفَ سببَ ذهابهِ إلى غرفة يجلسُ فيها وينتظرُ آنَ تبدو الغرفة وهي تنغلقُ مِن حولهِ، وتبدو العتمة أكثرَ عتمة من العتماتِ التي عرفها، ثمّ يشعر بأنّ شيئا يتشيّأ في داخلهِ دونَ أن يتأكّدَ منهُ، تشتدُّ قبضةُ الشّيءِ عليهِ، كما لو أنّ حكاية على وشكِ أن تتكشّفَ، حيث تقترفُ شخصيّتان اثنتانِ -المسرّةُ والألمُ- ذاتَ الجريمةِ، تلكَ التي لَهُ، وحيثُ سيعترفُ، مرّات ومرّاتٍ، حتّى لا يبقى أيُّ معنى لها.


* إبقاء الأشياء كاملة


في الحقلِ/ أنا غيابُ الحقل./ هكذا/ هيَ الحالَ دوما./ حيثما أكونُ/ أنا الذي هُوَ ضائعٌ./ وحينَ أمضي/ أشقُّ الهواءَ/ ودومًا/ يدورُ الهواءُ/ كي يردمَ المسافاتِ/ حيثُ كانَ جسديْ./ لكلِّ امرئ أسبابُ/ ارتحالِهِ./ أرتحلُ/ كي أُبقِي الأشياءَ كاملةً./


* قصيدة الكلب العظيم 1


الآنَ، وقبلَ إطلاقِ الكلابِ الهائلةِ من قيودها/ فلندخل صغارَ الكلابِ إلى الداخلِ، هيّا نجرّ/ العظامَ فوقَ المرجةِ، وننظّف فندقَ “الرويال دوغ”/ لقد كذبتَ حينَ قلتَ إنّ العالَم كانَ مسرورًا في الخفاءِ/ قد يحدثُ هذا؛ لأنَّ نهايةَ القرنِ/ لا تقتضي أقلَّ مِن ذلكَ. حتّى الآنَ، موسيقى الكلابِ/ تملأُ الهواءَ. هيّا، انظر إلى الرّجلِ الذي على أربعٍ/ وهو يرقصُ تحتَ نظرةِ القمرِ المشدوهةِ المُحدّقةِ/ وإلى المرأةِ التي تفعلُ الشيءَ ذاتَهُ. ها قد جاءتهما/ موجة المستقبلِ، فاستجابا بكلِّ شيءٍ إليها/ آهٍ، أيتها الأجسادُ السماويةُ التي تتأرجحُ في العتمةِ/ يا أجسادَ الزمنِ المتفتّحةِ، يا أجسادا من نارٍ أبديّة./


* أكل الشعر


يتقاطرُ الحبرُ من زوايا فمي./ لا سعادةً تفوقُ سعادتي./ فقد كنتُ آكلُ شعرًا./ لا تصدّقُ قيّمة المكتبةِ ما ترى./ عيناها حزينتانِ،/ تمشي ويداها في الفستانِ./ تلاشتِ القصائدُ،/ ثمَّ خفتَ الضوءُ./ والكلابُ على درجِ القبوِ تصعدُ./ مُقَلُ أعينها تدورُ،/ وأرجُلها الشقراءُ كفِرجوْنٍ تلمعُ./ راحت قيّمة المكتبةِ تضربُ الأرضَ بقدميها، وتنتحبُ./ هيَ لا تفهمُ شيئًا./ وحينَ أركعُ على ركبتيَّ وألحسُ يدهَا./ تصرخُ./ إنسانٌ جديدٌ أنا./ أزمجرُ عليها، وأنبحُ./ ورشيقا أعدو، فرحا، في العتمةِ التي تعشقُ الكُتُب.

* ساعة


الساعةُ الإضافيةُ المعادةُ إلى الأبديةِ/ الساعةُ المَحوزةُ بالرحيلِ غربًا/ ساعةُ الإمبراطوريةِ المتخيّلة/ الساعةُ الأعمقُ للبحرِ الأكثرِ عتمةً/ ساعةُ الذنبِ التي تسبقُ الكارثةَ/ الساعةُ المبذولةُ للذهابِ من هنا إلى هناكَ/ الساعةُ المسكونةُ بمعرفةِ الموتِ/ الساعةُ التي يعتمُ فيها القمرُ/ الساعةُ التي تتحركُ في الفكرِ كغيمةِ الظلِّ/ الساعةُ الزرقاء التي تستريحُ على سطحِ البيتِ/ الساعةُ التي هيَ أمّ الدقائقِ وجدّةُ الثواني/ ساعةُ الألمِ المتورّمةُ. كفى، كفى./

الساعة حينَ تركضُ الفئرانُ في الحوائطِ/ الساعةُ البرونزيةُ للطقسِ الكهربائي/ الساعةُ المتوحّدةُ للحظةِ المديدةِ التي للراهبةِ/ قلادةُ الساعاتِ التي ترتديها الأرملةُ/ ساعاتُ الخدَرِ لليلةٍ في “نُوْمْ”/ صوتُ الساعاتِ في تنفُّسِ الزَّرعِ/ الساعةُ المهمّةُ التي تُولَد بدونكِ/ الساعةُ التي يموتُ فيها الكونُ/ ساعةُ الهذيانِ الباقيةُ أبدَ الدهرِ/ ساعةُ الولوجِ التي تعدلُ ساعتينِ من امتحانِ الذاتِ/ الساعةُ التي تومضُ فوقَ البدنِ العاري/ ساعةُ آخرِ الموسيقى/ ساعةُ العزلةِ التي بلا ألمٍ/ ساعةُ ضوءِ القمرِ على جسدها./


* بحر أسود


في ليلٍ رائقٍ، والآخرونَ نيامٌ، ارتقيتُ/ الدرجَ إلى سطحِ البيتِ، وتحتَ سماءٍ/ منثورةٍ بنجومٍ حدّقتُ صوبَ البحرِ، صوبَ رحابتهِ./ صارتْ قممُ أمواجهِ المزبدةُ المتمايلةُ التي تقلبها الريحُ/ مِزَقًا مِن تخاريمَ مقذوفةً في الهواءِ./ وفي الليلِ الطويلِ الهامسِ وقفتُ/ منتظرًا أيَّ شيءٍ، علامةً، حضورَ/ نورٍ قصيٍّ. فجأةً، تخيّلتُكِ تقتربين:/ أمواجُ شعركِ المعتمةُ اختلطتْ معَ البحرِ،/ رغبة صارتِ العتمةُ، ورغبة صارَ النُّورُ الذي يَدنو؛/ قربُكِ، دِفؤكِ الخاطفُ، حينَ على الشاهقِ الوحيدِ كنتُ/ أرقبُ أمواجَ البحرِ الطويلةَ البطيئةَ وهيَ تنكسرُ/ على الشاطئِ، ثمَّ تصيرُ زجاجًا لبرهةٍ وتمحقُ./ لماذا، حينئذٍ، أيقنتُ بأنكِ سوفَ تأتينَ من اللامكانٍ؟/ لماذا بكلّ ما يقدّمهُ العالَمُ من قرابينَ سوفَ تأتينَ/ لمجرّدِ أنّيَ كنتُ، هنا، أنتظرُ؟/


* قصيدة الكلب العظيم رقم 2


الآنَ، والكلبُ العظيمُ الذي سِنينَ عبدتُهُ/ صارَ لا أحدَ سواي. أستطيعُ النظرَ فِيَّ،/ وأنبحُ، وأستطيعُ النظرَ إلى الجبالِ في أسفلِ الشارعِ،/ وأنبحُ عليها كذلكَ. أنا عينٌ ترى نَفْسَها/ ينظرُ إلى الوراءِ، أنفُ يتعقّبُ رائحةَ الظلالِ/ حينَ تسقطُ، أُذنٌ تلتقطُ الأصواتَ/ قبلَ ولادتها. أنا آخرُ كلابِ الصيدِ/ البلاتينيّين، ما تبقّى من بيتِ شعر بهيّ./ ولكن، لا عزاءَ فيما أنا عليهِ. أطوفُ هنا وهناكَ،/ ثمّ أتأمّل في امّحاءاتِ القدَرِ حتى تطفحَ بالدمعِ/ عينيَّ، فأحدّثُ نفسي: “آهٍ، يا رِكْسْ،/ اِنْسَ. اِنْسَ. فالنجومُ منتشرةٌ، والقمرُ المرمرُ يتلاشى”./


* 2032


إنهُ المساءُ في مدينةِ إِكْسْ،/ حيثُ يجلسُ الموتُ/ والذي اعتادَ أن يكونَ صديقي/ في ليموزين ودثارٌ منتشرٌ فوقَ الفخذينِ/ منتظرًا كي يتبدّى السائقُ. أبيضُ/ شعرهُ، عيناهُ قليلتانِ، ووجنتاهُ/ قد ضاعَ منهما البريقُ./ منذُ سِنينَ لَمْ يُطوّح منجلَهُ،/ ولَمْ يلمس ساعتَهُ الرمليةَ. إنهُ ينتظرُ/ كي يُقلّهُ إلى الفندقِ الأزرقِ، إلى الملاذِ الأخيرِ،/ حيثُ صمتٌ أبديٌّ يملأُ الهواءَ المضمّخَ برائحةِ اللّيلكِ،/ وأسماكٌ رخاميّةٌ تسبحُ، ساكنة، في بحورٍ منَ الرّخامِ./ ولكنْ، أينَ، أينَ هوَ السائقُ؟ آهٍ .. هَا هِيَ ذِي/ هابطةً درجَ الحديقةِ، بكعبها العالي، ثوبِ سهرتها المخمليِّ،/ ووشاحها الذهبيِّ الزّغِبِ الطويلِ، وهيَ تشيرُ بقُبُلاتٍ نحوَ الأشجار./


* البقايا


أُفرغُنِي مِن أسماءِ الآخرينَ. جُيوبِيَ أُفرغُهَا./ وحذائِيَ أُفرغُهُ، قُربَ الطريقِ أتركُهُ./ وحينَ يهبطُ الليلُ، ساعاتِ الحوائطِ أُرجعُهَا؛/ أفتحُ ألبومَ العائلةِ، وصبيًّا أَنظرُنِي./ ما جدوَى ذلكَ؟ لقد أكمَلتِ الساعاتُ دورتَها./ ألفظُ اسمي، وأقولُ وداعًا./ والكلامُ يطاردُ نَفْسَهُ في الرّيحِ./ أعشقُ زوجتي، وأرسلها بعيدًا./ مِن عرشهما ينهضُ أبي وأُمّي،/ ثُمَّ يدخلانِ في الغُرَفِ الحليب الغُيومِ. أَنَّى أُغنّي؟/ يدلّنِي الوقتُ عَليَّ. أُغيّرُنِي وأَظلّنِي./ أُفرغُنِي مِن حياتي، فَتبقَى حياتي./

15