مارك غوبن وصناعة سياسات الشرق الأوسط عبر البحار

السبت 2015/09/26
حاخام أميركي فتح حوارا مع نظام الأسد ليصفه اليوم بأنه "هتلر" جديد

جلس معي الحاخام اليهودي مارك غوبن مدير مركز «الدين والديبلوماسية وتسوية النزاعات» في جامعة جورج ميسون الأميركية على طاولة حديدية في مقهى لا يبعد كثيراً عن أهم مصنع للقرار العسكري الأميركي البنتاغون، يحتسي الشاي الذي أعدّه لنفسه ليتكلم عن الأزمة الكارثية في هذا العصر، سوريا.

رجل في منتصف الخمسينات، متوسط القامة، بعينين زرقاوين صغيرتين ونظارات، ابتسامة دافئة ولباس بسيط، همس الحاخام قائلا “إننا نشهد هلوكوست بحق الشعب السوري”. ما يحصل للسوريين من وجهة نظر البرفيسور غوبن هو نفس الجرائم التي حصلت لشعبه اليهودي على يد الوحشية النازية، وهو يرى أن النظام السوري وعائلة الاسد لا يختلفان في أي شيء عن هتلر و النازية. يقول غوبن لصحيفة العرب وهو ينظر إلى الأفق البعيد “الكثير من اليهود يتعاطفون مع السوريين، وتذكرهم أوضاعهم بالمآسي التي حدثت لهم في الحرب العالمية الثانية”.

نشأ مارك غوبن في مدينة بوسطن في ولاية مساشوستس وهو من عائلة يهودية تقليدية وأرثوذوكسية متدينة جدا، ترجع أصولها الى أوروبا الشرقية، هُجّر معظم أفراد عائلته في أوائل القرن الماضي والقسم الآخر ترك أوروبا هربا من بطش النازية آنذاك.

درس الفلسفة وعلم التوراة، وكان مولعا بالأدب والفن حيث رافقته كتب شكسبير وأرسطو، وحصل على الدكتوراه في فلسفة الدين وعلم الدين اليهودي، وأصبح باحثا وعالما في فض النزاعات وفن التفاوض وهو مولع بحوار الأديان والتآخي بينها.

أحب إسرائيل وذهب إليها في الثالثة عشرة من عمره، ليحتفل بعيد بلوغه هناك وهذا العيد هو عيد اليهودي، وهو هام جدا لكل شاب وشابة يعتنقان هذه الديانة ويعد نقطة تحول هامه في حياة المرء.

عاش غوبن الحرب في بداية السبعينات، وتركت أثرا كبيرا في حياته، يقول “بكيت كثيرا، كنت خائفا على مصير إسرائيل والشعب اليهودي”. وفي الثمانينات من القرن الماضي، وكان وقتها في أواخر العشرينات من عمره، لاحظ الحاخام تحولا غريبا في الحياه اليهودية والسياسية في المجتمع اليهودي في إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، هذا التحول كان عباره عن حركة عنصرية يمينية متطرفة أميركية المنشأ موجهة بشكل مباشره لفئة اليهود الأرثوذكس ما أطلق عليها “تحول في أخلاق السياسية الإسرائيلية”.

هذه الحركة المعروفة بجماعة كاهانا والتي قلبت المشهد السياسي والديني في العالم اليهودي، لم يستطع الحاخام المنفتح على الآخر آن يقف أمامها باعتبارها موجة كبيرة أحدثت كما يقول ذلك “التحول السريع”، فآثر الصمت والمراقبة والعمل الهادئ لكي لا يُحارب ضمن مجتمعه اليهودي، وكي يقبل به اليهودي، خاصة وأنه رجل دين.

التاريخ يصنع الواقع

التاريخ اليهودي بالنسبة إلى البروفيسور مارك غوبن هو عبارة عن تاريخ مليء بالقصص الإنسانية والمعاناة والقهر. تاريخ كله حكايات عن الحب والألم وتجسيد حقيقي للحرب من أجل إحياء العدالة والحق بالحياة وحقوق الانسان.

أما التاريخ اليهودي الأميركي بالنسبة إليه، فيجسد التعافي من المحرقة التي أودت بحياة كثير من الأبرياء اليهود.

وعندما بدأ اليمين السياسي يدخل الحياة في المجتمع اليهودي، جاعلاً الأرثوذوكس أو العلمانيين من اليهود يساراً، بدأت حياة غوبن تتغير، فمن وجهة نظره، يبدو دمج المصلحة القومية بالدين وتسييسه للحصول على مآرب سياسية أمراً خطيراً للغاية.

يرى غوبن أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو استطاع تشويه الكثير، وتمكّن من الوصول إلى المعابد اليهودية “السنغوغ” وتحويلها إلى مراكز سياسية، حتى ظفر بمصادرة رأيها، يقول “لا يختلف نتنياهو عن (الوهابية الجهادية) كثيراً، فهو يستعمل الدين كأداة حرب”. الجهاديون بالنسبة إليه هم أيضا يستعملون الدين كسلاح عنيف لاستعمار الناس، و الأفكار والأرض.

إدارة أوباما والمعارضة السورية، عملتا بشكل سياسي غير صحيح، كما يقول غوبن لـ"العرب"، فالإدارة الأميركية صرحت مرارا وتكرارا أنه لا مستقبل للأسد في سوريا، ولكنها لم تكن واضحة في خططها، لم تحاور الأسد ولم تحاسبه على جرائمه، ولم تدافع عن الشعب البريء

بدأ غوبن نشاطه في عملية السلام منذ ثلاثين عاماً، وخاصة بعد ظهور التيار المتشدد في المجتمع اليهودي، وقد لاحظ أن هناك تيارا يساريا تواقاً إلى السلام ووقف الحرب، وهم مجموعة تؤمن بالديمقراطية وحقوق الانسان.

لاحظ غوبن حينها، وجود فئة من اليهود الأرثوذوكس تودّ وقف الحرب وإحلال السلام بين اسرائيل والعرب. هنا كانت نقطة البداية للعمل المهني والأكاديمي للبروفيسور غوبن في فض النزاعات وفن الحوار السياسي والديني بين الأطراف المتنازعة.

يقول “أعتقد أن حل الدولتين هو الحل الأنسب، والممكن لفض الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، ولكن هذا الحل تعذر وأصبح مستحيلا، بسبب الخلافات بين اليمين واليسار وبين التشدد والتعنت”، لام غوبن جميع الأطراف، سواء كانت من الجانب الإسرائيلي أو الجانب الفلسطيني. لا يعتقد أن حلّ الدولتين ممكن ولكن يأمل أن تكون هناك دولة لكل الفلسطينيين والإسرائيليين تمنحهم الأمان وحقوق المواطنة.

حالة خيبة الأمل لن تكون وليدة اللحظة بل اعتبر مارك غوبن اغتيال رئيس الوزراء رابين هو رصاصة أطلقت لتغتال عملية السلام. كان اغتياله جرحا عميقا لعملية السلام في المنطقة. لذلك ترك غوبن العمل في الملف الفلسطيني-الإسرائيلي وذهب يبحث في مكان آخر لعله ينجح في مبتغاه.

سوريا و كذبة التغيير

بعد وصول الحاخام لمرحلة شبه يائسة في الملف الإسرائيلي الفلسطيني، توجهت أنظار الحاخام اليهودي إلى البلد الأكثر صلابة وتعنتا من حيث السمعة والمدعو الجمهورية “العربية” السورية ليرى إذا كان بالإمكان فتح ملف الحوار والسلام.

اتجه البروفيسور غوبن إلى الدولة الجارة، التي كانت سبب ازعاج وأرق لأمن إسرائيل في لبنان من خلال أداتها حزب الله، وتعاونها مع الفصائل الفلسطينية المتشددة كحركة حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية.

و رغم معرفته بأن نظام الأسد هو نظام خطير وفاسد، لكنه اعتقد أنه سيكون هناك تغيّر ما، بعد استلام الرئيس الابن بشار الأسد إرث أبيه. اعتقد غوبن أن الأسد الابن كانت لديه النية والقدرة على تحويل سوريا إلى اقتصاد مفتوح على الطريقة الصينية، لا يعني هذا “الديمقراطية السياسية”، ولكن المزيد من تقاسم السلطة وتقاسم الاقتصاد لبناء طبقة وسطى تؤدي في نهاية المطاف إلى الانفتاح الكبير والتحول إلى الديمقراطية الكاملة وتداول السلطة. وكل هذا كان ليحصل عن طريق التغيير الاجتماعي اللاعنفي والانفتاح التدريجي والمشاركة الاقتصادية. هذا ما كان يتصوّره غوبن عند استلام بشار الأسد للسلطة.

التاريخ اليهودي بالنسبة إلى البروفيسور مارك غوبن يبدو عبارة عن تاريخ مليء بالقصص الإنسانية والمعاناة والقهر. تاريخ كله حكايات عن الحب والألم وتجسيد حقيقي للحرب من أجل إحياء العدالة والحق بالحياة وحقوق الإنسان

في حوار غير مباشر مع السوريين، من الكوادر الحكومية، يقول غوبن لـ”العرب” إنه سعى إليه من خلال بناء علاقات تحمل رسالة سلمية، على أمل إحراز تغيير اجتماعي ثقافي محنك لمد جسور التواصل بين الفريق السوري العامل في مركبة الإصلاح في نظام الأسد ووضع الأحرف المبدئية للحوار السوري الإسرائيلي.

النظام السوري كان شريكا حقيقياً، وعلى معرفة بما يقوم به غوبن، ولكن القصة بالنسبة إلى النظام كانت عبارة عن أداة إعلامية ودعائية يرسل من خلالها رسائل للمجتمع الغربي خاصة بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، وتدهور علاقات الأسد مع الغرب بعد توجهه إلى المعسكر الإيراني وفتح الخطوط للجماعات الجهادية في العراق.

أدرجت أعمال غوبن وفريقه تحت مسميات عديدة، منها “حوار للأديان” أو “ورشات تدريب على فن الحوار والمفاوضات”، وبالفعل استطاع أن يصل إلى السيدة الأولى أسماء الأسد، وتم استقباله في القصر الجمهوري. مع أن غوبن يؤكد أن الأسد لم يمول أياً من ورشاته التدريبية، التي كانت مجرد جهد أكاديمي لا علاقة للأسد وحتى إسرائيل به، فقد كان مبادرة شخصية من غوبن ذاته.

حلم الانفتاح على سوريا، بات شبه مستحيل بعد بداية الثورة السورية والكيفية التي تعامل بها نظام الأسد معها، حيث سقطت ورقه التوت عن النظام الأسدي وأظهرت لونه الحقيقي بأنه ليس مختلفاً عن نظام الأب، وخاصة بعد ما قتل أكثر من مئتي ألف سوري واعتقل الكثير من الناشطين والأبرياء وشرّد الملايين.

يقوم البروفيسور غوبن وطلابه في مركز «الدين والديبلوماسية وتسوية النزاعات» في جامعة جورج ميسون الأميركية بمساعدة السوريين في مخيمات اللجوء، وينظم المركز رحلات منتظمة تهدف لتقديم يد العون للسوريين رغم شح الموارد المالية، فكل هذا يجري عن طريق العمل التطوّعي من قبل غوبن وفريق عمله.

ويقدم المركز برامج تدريبة في فن الحوار والمفاوضات والحوار بين جميع الاطراف المتصارعة، ويعمل على تمكين المرأة التي يعتبرها غوبن عنصرا أساسيا في إحلال السلام ووقف النزاعات، رغم أنها تدفع الثمن الأكبر في الحروب. وما يأمل به غربن هو وقف شلال الدماء فوراً والبدء بعملية الحوار للوصول إلى حل ما للحفاظ على حياة المدنيين.

الحل السياسي

يؤمن مارك غوبن بأن الحل في سوريا هو حل سياسي، وأن على الحرب أن تتوقف فوراً، لأن من يدفع ثمنها هو الشعب السوري و ليس القوى العربية والخارجية المتصارعة.

من وجهة نظره، السوري أصبح عبارة عن فتيل لحرب يراد من اشعالها تحقيق مصالح استعمارية في المنطقة. وبالنسبة إليه الحل لن يكون مريحاً ومقبولا لجميع الأطراف، ولا يمكن الاستمرار بالزج بأرواح السوريين كما حصل في الحرب العالمية الثانية التي دفع ثمنها قرابة أربعين مليون إنسان.

حوار غير مباشر مع السوريين، من الكوادر الحكومية، يقول غوبن لـ"العرب" إنه سعى إليه من خلال بناء علاقات تحمل رسالة سلمية، على أمل إحراز تغيير اجتماعي ثقافي محنك لمد جسور التواصل بين الفريق السوري العامل في مركبة الإصلاح في نظام الاسد ووضع الأحرف المبدئية للحوار السوري الإسرائيلي

لا يعتقد غوبن أن إدارة أوباما والمعارضة السورية، عملتا بشكل سياسي صحيح، يقول إن الإدارة الأميركية صرحت مرارا و تكرارا أن لا مستقبل للأسد في سوريا، ولكنها لم تكن واضحة في خططها، لم تحاور الأسد ولم تحاسبه على جرائمه، ولم تدافع عن الشعب البريء.

في المقابل كانت المعارضة السورية منقسمة بين داخل وخارج وعلماني ومتدين، تدافع عن المظلومين ولكن غير مستعده للحوار مع الأسد ولا تقديم أيّ تنازل أو رؤية لفض النزاع.

يعتقد غوبن أن الحل معقد وأن القرار بوقف الحرب ليس بيد السوريين فقط، بل أصبح بيد الدول الإقليمية الخارجية. وأنه لا يمكن في هذه المرحلة أن يوجد حل دون أن يشمل الأسد، والحديث الصريح عن مستقبل الطائفة العلوية، التي تعد مكوناً من النسيج السوري، والتي أصبحت مرفوضة من قبل الكثير من فئات الشعب والمعارضة السورية. أطرق غوبن برأسه قائلا “لا أعتقد أن رأس الأسد ولا حتى رأس القذافي يستحق كل هذه الأعداد من الضحايا المدنيين”.

إيران ومستقبل المنطقة

يتفق البروفيسور مارك غوبن مع الرئيس باراك أوباما في توجهه دبلوماسيا إلى إيران، ومحاولة فتح باب الحوار بين الدولتين على أمل وقف برنامج إيران النووي وتغيير طبيعة النظام هناك.

يدافع عن وجهة نظر الإدارة الأميركية الحالية من أن 90 بالمئة من التطرف والإرهاب هو مدعوم من قبل بعض الدول وخصوصا بعد أحداث الحادي عشر من أيلول. وأن الإدارة من وجهة نظره ونظر الكثير من المحللين ضاقت ذرعا من دعم الإرهاب من قبل بعض الدول، لذلك أرادت إعادة التوازن في منطقة الخليج العربي، وبين الولايات المتحدة والأطراف المتنازعة.

وقف الحروب في كل من أفغانستان والعراق وإعادة الاستقرار إلى المنطقة، لن يكون إلا اذا انفتح الغرب وأميركا على إيران. وفي علم النزاعات من المهم إعطاء الدكتاتورية فرصة، وهذا ما يحاول الرئيس أوباما فعله مع نظام خامنئي، ويختلف غوبن مع الرئيس أوباما في نقطة هامة وهي الملف السوري. فيقول “كان على الرئيس أوباما أن يكون أكثر صرامة بموضوع حماية السوريين ووقف إطلاق النار”، ويضيف “لا أعرف سبب تردده وتخوفه ربما بسبب النتائج في ليبيا والعراق”.

قناعة مدير «الدين والدبلوماسية وتسوية النزاعات» تقول إنه لدى الولايات المتحدة مشكلة حقيقية مع روسيا وإيران، وهو يعتقد أن الحل الوحيد لهذه المشكلة هو معاهدة سلام جادة بين دول الخليج والعرب وإيران، وبرأيه لا يمكن أن يكون العالم العربي منقسماً ومستقراً في نفس الوقت.

هذا الانقسام الخطير أصبح واضحاً في كل من العراق ولبنان، حيث نرى نصف الشعب مع السعودية والنصف الآخر مع إيران، واليوم في سوريا، هذه الحرب بين السنة والشيعة خطيرة ومدمرة لكل المنطقة، فيقول غوبن إن “الأيديولوجيات والدين لها قدره خارقة، إذ يمكن أن يكون الدين أداة سلام، كما يمكنه أن يكون أداة حرب مدمرة”.

لا يرى رجل الدين والأستاذ الجامعي مارك غوبن مستقبلاً واضحاً لمنطقة الشرق الأوسط بشكل عام، وسوريا بشكل خاص. بصوت خافت يقول “لن تكون سوريا ولبنان والعراق دولاً مثلما عرفناها من قبل”.

سيكون هناك تغيّر جذري في خريطة الشرق الأوسط وهذا التغيير سيكون مدمراً ما دامت لا توجد تنمية والتزام بالدولة، الدولة الديمقراطية وحقوق الإنسان وتقبل الآخر. يتخوف غوبن في ظل نهوض التطرف الديني والإرهاب من عدم القدرة على بناء دول ديمقراطية تتمتع بقيادات لها علاقة متينة مع مواطنيها، هذا ما سُيُحدث فوضى تنتج عنها إمارات ودويلات.

ينصح السوريين بشكل خاصأنهم مهما اختلفوا، عليهم بناء مجتمعات قوية يساعد أبناؤها بعضهم البعض، ويعملون على تطوير ثقافة الحوار والمناظرات واحترام الرأي والرأي الآخر. يقول إنه “من الضروري وجود الاختلاف في وجهات النظر، ولكن من المهم أن يكون هذا الاختلاف على الرؤية بينما تبقى الأهداف موحدة”، معتبرا أن الشعب السوري هو الأقل حظا والمساهم الأكبر في استمرار وإطالة عمر أكثر الانظمة دكتاتورية في الشرق الأوسط وفي العصر الحديث.

12