مارلون براندو الممثل الأكثر تأثيرا في تاريخ السينما الهوليوودية

السبت 2014/07/19
براندو.. رائد الواقعية النفسية ورمز الذكورة المتقدة

لم يدون براندو سيرة حياته، بل طلب من الصحفي روبرت لندسي زيارته من أجل القيام بهذه المهمة، لتتكون بينهما صداقة طويلة الأمد الهدف منها أن يقوم لندسي بتدوين مذكرات براندو الذي يمليها الأخير عليه، لأن براندو يرى “أن أحداً ما أساء إليه”، تبدأ علاقة الاثنين بعبارة يسمعها ليندسي عبر سماعة الهاتف “أنا مارلون براندو”، ليكون كتاب “أغان تعلمتها من أمي” نقلة في حياة الصحفي.

مارلون براندو من مواليد 1924 ، مسقط رأسه مدينة أوماها في ولاية نبراسكا في أميركا وذو أصول ألمانية وإنكليزية وأيرلندية، أبوه كان يعمل في الصناعات الكيميائية أما أمّه فقد كانت ممثلة إلا أنها واجهت مشاكل كحولية، إذ كانت مدمنة على الشرب مما أثر على علاقتها مع أبنائها إذ يذكر براندو أنها “كانت تفضل أن تشرب على أن تعتني بنا نحن أسرتها”، أما أبوه فقد كان أيضاً يعاقر الخمر، كان دائم الغضب، نزق الطباع ومزاجه دائم التقلب.

طفولة براندو مليئة بالتأمل وبالذكريات الغريبة، إذ كانت أدق التفاصيل تثير حساسيته وتستدعي استغرابه، فحياته ضمن قرية وتعامله مع الطبيعة نمّى شاعريته تجاه ما حوله، وحافظ هو على نقاوة مشاعره التي انعكست لاحقاً على عمله، إذ كان فجاً، صارماً، مرهف الحس إلى الحد الأقصى، حتى أنه ندم على أدواره التي استنزفت مشاعره وأحاسيسه.

جرس المدرسة

قبل دراسته للتمثيل وبرغم ميوله الفنية، التحق براندو بمدرسة عسكرية لسوء طباعه في المدرسة التقليدية، هناك عاش الانضباط والقسوة بالرغم من ذلك لم يفقد شقاوته، حيث قام بسرقة جرس المدرسة الكبير ودفنه في ساحة المدرسة، ما غير مواعيد الاصطفاف والطعام وغيرها في المدرسة مما أثار سخط الإدارة التي لم تكتشف من الفاعل أبداً، بعد ذلك تم فصله من المدرسة، إثرها قرر متابعة أحلامه بالتمثيل وذهب إلى نيويورك والتحق بـمدرسة المسرح الأميركي للمحترفين، هناك درس مع المخرج الألماني إروين بيسكاتور ثم ما لبث أن التحق بورشات عمل مع المدرّسة ستيلا أدلير، معها تعلم نظام ستانسلافسكي للتمثيل، الذي يرتبط باستدعاء مشاعر الممثل وقدرته على تفعيل مواطن الإحساس في داخله، هذه التقنية التي وصلت حديثاً إلى أميركا، شكلت نهضة في عالم المسرح بعيداً عن الآداء المبتذل الذي انتشر في تلك الفترة، وقد كان لبراندو دور كبير في نشر هذه التقنية، إذ كان آداؤه صادقاً وحقيقياً، مع ذلك نرى براندو يبدي اعتراضه على بعض الادعاءات التي قام بها الكاتب والمدرب المسرحي الأميركي لي ستراسبرغ الذي نسب تعليم براندو إلى نفسه، إلا أن الأخير أنكر ذلك عليه، وصرّح أن الفضل في تعليمه وصقل موهبته يعود إلى ستيلا وإيليا كازان في استوديو الممثل.

عاد براندو مع المخرج فرانسيس فورد كوبولا في "العرّاب" في العام 1972 حيث لعب دور كبير أسرة كوريليوني الذي اشتهر برخامته وصوته الأجش، هذا الدور جعل براندو يتربع على عرش أهم الممثلين في هوليوود وحاز إثره على جائزة الأوسكار كأفضل ممثل إلا أنه رفض استلامها

بالرغم من أن بداية براندو في المسرح كانت متواضعة، إلا أن نجمه سطع عندما عمل مع المخرج إيليا كازان في عربة تسمى الرغبة -إنتاج عام 1947- للكاتب الأميركي تينسي ويليامز بدور ستانلي كولاسكي حيث أبدى براندو أداءاً مذهلاً، إذ وصفه ويليامز بأنه “أضاف قيمة جديدة للشخصية، و قدم أفضل قراءة للمسرحية سمعها في حياته”. انطلقت حياة مارلون براندو المهنية، فقدرته على معايشة الدور الموكل إليه جعلته يصل بالشخصية إلى أقصاها، بعيداً عن أي اعتبارات قد يحملها هذا الآداء، أسلوب براندو مميز، حتى أثناء وجوده في موقع التصوير أو العمل، فهو لم يحفظ أي من أدواره، بل كان يستخدم بطاقات صغيرة عليها حوارات الشخصية، ليستدعي العفوية والواقعية في الآداء، بعدياً عن صيغة الإملاء والتكرار اللامجدي للعبارات.

تجربة براندو كـستنالي كولوسكي هي الأساس في انطلاقة مسيرته المهنية، وبعد تحويل المسرحية إلى فيلم عام 1951 انطلقت شهرته وتحول إلى رمز للذكورة مما جعل أعين هوليوود كلها تنصب عليه، فهو القاسي، الحيوي، و كان هذا الدور الأول الذي ترشح إثره لجائزة الأوسكار كأفضل ممثل.

الشاشة الذهبية

أدوار براندو السينمائية لا يمكن أن تنسى، فهو مارك أنثوني في “يوليوس قيصر”- 1953- مسرحية شيكسبير التي أُعيد إنتاجها سينمائيا وأبرز فيه براندو قدرته على تقمص الأدوار التاريخية وإحياء صوتها بالإضافة إلى التمرين الهائل الذي أخضع له نفسه كي يجيد الدور، أما في “على جبهة المياه” -1954- فقد كان براندو في أوج نجوميته، الفيلم يدور حول الجريمة والعنف والمرابين، ولعب براندو فيه دور مالوي وأطلق صيحات الموضة بسترته الجلدية ونظاراته المميزة التي ما زالت حتى الآن موضع إعجاب الكثيرين، كما أنه نال الأوسكار على أدائه في هذا الفيلم كأفضل ممثل.

فشل براندو في محاولته الإخراجية الأولى في فيلم “جاك ذو العين الواحدة” في العام 1961 حيث استمر تصوير الفيلم لستة أشهر (ضعف المدة المطلوبة) كما أنه كلف أكثر من ستة ملايين دولار مما دفع الأستوديو المموّل إلى استبعاد براندو واستبداله بمخرج آخر تمكن من إنقاذ الفيلم و إعادة مونتاجه بصورة جديدة، مع ذلك نال الفيلم آراء متناقضة من قبل النقاد.

شارك براندو في المسيرات المؤيدة لحقوق الزنوج في أميركا، بالإضافة إلى تعليقاته الحزينة والمؤثرة حول اغتيال مارتن لوثر كينج، ودافع عن حقوق سكان أميركا الأصليين الهنود الحمر وكبيان على ذلك رفض قبول جائزة الأوسكار عن دوره في فيلم العرّاب وفي أواخر حياته كان من المدافعين عن القضية الفلسطينية وحق الفلسطينيين بأرضهم

شهدت بعدها فترة الستينات والسبعينات تراجعا في حياة براندو المهنية حيث كان لنشاطه المدني والسياسي دور في إبعاده عن الساحة الفنية، إذ شارك في أفلام مغمورة، لم تكن ذات التأثير الكبير بسبب ما تحمله من رسائل سياسية مناصرة لقضايا الشعوب والمسحوقين، بالرغم من ذلك يرى براندو أن فيلم “احترق” 1968 من أكثر الأفلام المفضلة لديه، ويقول أنه كان أفضل أداء له.

عودة براندو والعراب

بعد العثرات التي واجهتها حياة براندو المهنية يعود مرة أخرى للشاشة، هذه المرة مع المخرج فرانسيس فورد كوبولا في “العرّاب” في العام 1972 حيث لعب دور كبير أسرة كوريليوني الذي اشتهر برخامته وصوته الأجش، هذا الدور أعاد براندو للنجومية، وجعله يتربع على عرش أهم الممثلين في هوليوود وحاز إثره على جائزة الأوسكار كأفضل ممثل إلا أنه رفض استلامها.

شارك بعدها ببطولة فيلم ” التانجو الأخير في باريس″ للمخرج الإيطالي بيرناردو بيرتالوتشي ليروي قصة عاشق يعيش مغامرة حميمة مع شابة، ليفعّل هذا الدور جانب الحبيب القاسي في براندو، بعد ذلك شارك براندو في أدوار صغيرة مثل دوره في “القيامة الآن” في العام 1979 مع فرانسيس فورد كوبلا، مؤديا دور ضابط في حرب فيتنام، ثم دور الطبيب في “دون جوان دي ماركو” -1994- وأبرز براندو بصورة العاشق اللطيف، بالرغم من كبر سنه وتغيره الشكلي، إلا أنه قدم آداء مرهفاً جعلته يحافظ على جاذبيته الذكورية، بعدها عاد ليشارك في عدد من الأفلام التي لم تلق نجاحاً باهراً بالإضافة إلى تدهور صحته ومواجهته مشاكل كثيرة مع وزنه الزائد، لتنتهي حياته إثر أزمة تنفسية عام 2004، اُحرقت جثته و نثر رفاته في تاهيتي في وادي الموت شرقي كاليفورنيا.

شهدت بعدها فترة الستينات والسبعينات تراجعا في حياة براندو المهنية حيث كان لنشاطه المدني والسياسي دور في إبعاده عن الساحة الفنية، إذ شارك في أفلام مغمورة، لم تكن ذات التأثير الكبير بسبب ما تحمله من رسائل سياسية مناصرة لقضايا الشعوب والمسحوقين

بالرغم من ذلك نرى التعليقات حول مهنته تصنفه بـأنه علامة فارقة في تاريخ السينما، إذ يقول المخرج الأميركي مارتن سكورسيزي “هو علامة فارقة، هناك ما قبل براندو وما بعد براندو”.

آداء الأب

بالرغم من الأدوار الكثير التي لعبها براندو على المسرح وعلى شاشة السينما إلا أن أعظم دور له كان في “المحكمة”، إثر حادثة في منزله في بيفرلي هيلز، حيث قام ابنه كريستيان بإطلاق النار على حبيب أخته، ادّعى كريستيان بأنه كان سكراناً حين أطلق النار، بعدها استدعي براندو للشهادة في محاكمة ابنه، ليلقي خطبة مدتها ساعة عن ندمه وفشله في تربية ابنه، الكثيرون اعتبروا أن براندو كان يمثل، وأنه أوشك على تبرئة ابنه بآدائه المحكم أثناء الجلسة، إلا أن الحكم صدر بعشر سنوات من السجن على كريستيان.

السياسة ونشاطه الاجتماعي

يتجاوز التمثيل بالنسبة إلى براندو مهمته كفنّ، بل هو وسيلة لتقديم رسالة سياسية واجتماعية في سبيل خدمة الإنسانية، فعمله كممثل سهّل على براندو مهمة توصيل آرائه حول مختلف القضايا، بالإضافة إلى دعم نشاطه السياسي، حتى أنه أثّر على حياته الفنية، ودفعه للمشاركة في أفلام لم تنل الرواج المناسب، حيث شارك في المسيرات المؤيدة لحقوق الزنوج في أميركا، بالإضافة إلى تعليقاته الحزينة والمؤثرة حول اغتيال مارتن لوثر كينج، كما أنه دافع عن حقوق سكان أميركا الأصليين الهنود الحمر وكبيان على ذلك رفض قبول جائزة الأوسكار عن دوره في فيلم “العرّاب” وأرسل عوضاً عن حضوره إلى الحفل فتاة من أصول هندية بزيها التقليدي لإلقاء كلمة حول حقوق الإنسان والتعبير عن رفضه للجائزة، كما وقف في وجه التمييز العنصري في جنوب أفريقيا، وبالرغم من تصريحاته حول اليهود وأقوال الكثيرين عن مناصرته لإسرائيل إلا أنه في أواخر حياته كان من المدافعين عن القضية الفلسطينية وحق الفلسطينيين في أرضهم.

15