مارلو موس رائدة التجريد الهندسي التي تأثر بها موندريان

الاثنين 2014/09/01
أعمالها التشكيلية تعتمد على الأسس الرياضية

لندن- تعتبر الفنانة التشكيلية مارلو موس واحدة من المواهب المتفردة في تاريخ الفن البريطاني، لكنها غير معروفة، ولم يسمع بها إلاّ القلّة النادرة من المتخصصين في الرسم والنحت التجريديين تحديدا.. فبعض الفنانين لا يميلون إلى الشهرة والذيوع، وبعضهم الآخر يسعى إليهما بكل الوسائل المتاحة بهدف البقاء تحت الأضواء لأطول مدة ممكنة.

ولدت مارلو موس بلندن عام 1889. درست الفن في مدرسة سانت جون الفنية عام 1916 ضدّ رغبة أبويها. ثم واصلت دراستها عام 1919 في مدرسة سليد للفنون الجميلة، ويعتقد أنها غادرت الأخيرة بسبب انهيار عصبي ألمّ بها، فقررت الذهاب إلى مدينة كورنوول، كي تعيش وحيدة منطوية على عالمها الخاص الذي انقلب رأسا عقب.

فظهرت للناس بقَصّة شعر غلمانية، وارتدت ربطة العنق إضافة إلى ملابس الجوكي، كما أبدلت اسمها من مارجوري جويل إلى مارلو موس، فغدا مظهرها الخارجي أقرب إلى الرجل منه إلى المرأة. وربما يكون توحّدها، ومرضها العصبي السابق، وحبها للعزلة هي الأسباب التي أبعدتها عن الشهرة والذيوع.

في عام 1923 وقعت السيرة الذاتية لماري كوري بين يديها، فاستمدت منها الكثير من عناصر الإلهام. فلا غرابة أن تتحفز مارلو للعودة إلى مقاعد الدراسة في المتحف البريطاني، لتدرس النحت هذه المرة وتتوسّع اختصاصاتها الفنية لتشمل الرسم والنحت والنقش البارز.

حدثت النقلة النوعية في حياة مارلو، حينما زارت باريس عام 1927، ثم انتقلت لتعيش هناك ردحا من الزمن وتلتقي بالكاتبة الهولندية أي. أج نايهوف وند لتصبح شريكة حياتها، (…) ووجدت كل واحدة منهما ضالتها في الأخرى.

تتلمذت مارلو على يد الرسّام فردناند ليجيه، كما أفادت كثيرا من خبرات الرسام التكعيبي أميدو أوزونفو في الأكاديمية الحديثة، لكن أسلوبها قد تأثر بشكل خاص بالرسام الهولندي بيت موندريان، غير أن هذا التأثر ظل في حدود المزاعم، لأن بعض النقاد سيثبتون أن العكس هو الصحيح.

كما تعرفت إلى فنانين آخرين من بينهم الرسام البلجيكي التجريدي جورج فانتونغيرلوو والرسام الفرنسي ألبير غوران. ومع بداية الحرب العالمية الثانية تركت باريس وذهبت لتعيش في كورنوول، وتدرس هذه المرة العمارة في مدرسة بينزانس للفنون.

لقد عاشت بقية حياتها في كورنوول، وكانت تزور باريس بين أوان وآخر. كما أقامت معرضين شخصيين في غاليري هانوفر عامي 1953 و1958. وفي العام ذاته ماتت بمدينة بينزانس نتيجة تفاقم مرض السرطان.

يقسّم النقاد حياتها الفنية إلى مرحلتين وهما قبل الحرب العالمية الثانية وبعدها. فقبل الحرب كانت ترسم أعمالا تجريدية وتكوينات فنية لا تتجاوز بضعة خطوط سوداء بسيطة وشبكات هندسية متصالبة، قريبة جدا إلى النمط التشكيلي الجديد الذي كان يرسمه موندريان ويجد صدى طيبا في نفسها، لكن البعض يعتقد أن موندريان نفسه قد تأثر بها.

يؤكد الناقد البريطاني تشارلس دارونت أن مارلو رسمت عام 1931 خطوطا مزدوجة متوازية و”متصبِّعة” في لوحتها، وهي محاولة مبتكرة وغير تقليدية في ذلك الوقت، الأمر الذي ترك موندريان مصعوقا ومذهولا.

يمكن القول إن أعمال مارلو تشبه أعمال موندريان ولا تشبهها في الوقت نفسه

وفي عام 1932 رسم موندريان لوحة فيها خطوط مزدوجة باللون الأصفر، وهي موجودة في أدنبرة الآن، فثار النقاش حول هذه اللوحة تحديدا، وهل كانت رد فعل على اختراع لوحة مارلو موس أم لا؟ والأغرب من ذلك كما يذهب دارونت أن معظم النقاشات، قد انصبّت على موندريان وأهملت موس أو تغافلتها، على الرغم من كونها المبدعة التي اجترحت هذا الشكل الفني الجديد.

ولأن أوجه الشبه كبيرة بين أسلوبها وبين أسلوب موندريان، فقد كان الجميع يعتقدون بأن لوحاتها هي نفس لوحات موندريان. ففي عام 1933 كان الرسام السويسري ماكس بيل يتطلع إلى مجموعة من اللوحات المعلقة على جدران صالة باريس، فقال: “شكرا للسماء لأن موندريان قد أرسل هذه اللوحات الجميلة”، ثم خيّم صمت قصير قطعه صوت امرأة صغيرة، كانت تقف إلى جوار نيتي نايهوف، شريكة حياتها، لتقول بصوت هشّ: “تلك اللوحات هي لوحاتي”.

تبدو مارلو شخصية غريبة الأطوار لا يمكن تذكّرها، وإذا تذكرها أحد بالكاد فإنها، كما يقول، دارونت تبدو مثل الهامش في تاريخ الرجل الفني، بيت موندريان الذي تعامل هو الآخر معها بفظاظة على الرغم من الصداقة التي كانت تربطهما معا.

فحينما بعثت له رسالة تشرح فيها نظريتها الفنية التي تعوِّل على الأرقام كثيرا أجابها: “إن الأرقام لا تعني شيئا بالنسبة إليّ”، فمجمل أعمالها التشكيلية الجديدة آنذاك، كانت تعتمد على أسس رياضية أما أعمال موندريان فهي غريزية إن صحّ التعبير.

ومن هنا يمكن القول إن أعمال مارلو تشبه أعمال موندريان ولا تشبهها في الوقت نفسه. فثمة فرق ضئيل لا يمكن رؤيته، ولكن يمكن حدسه أو الإحساس بوجوده في مكان ما من اللوحة. وإذا كانت لوحات مارلو قبل الحرب الثانية تشبه لوحات موندريان، فإن أعمال موندريان نفسه شبيهة بأعمال أندريه ديران في توازنها الهندسي على الأقل.

16